قادش السورية عرفت أول معاهدة بشرية، عنوان فيه إطلالة على تاريخ قديم، يحمل عِبرة عن معركة وصلح بين إمبراطوريتين كان لهما شأن ونفوذ.
وقادش لفظة أصلها كنعاني قَدِشَ بمعنى مُقدّس، وقيل أن المدينة سُميت على معبودة قادش عندهم.
هذه المدينة شهدت معركة انتهت بصلح ومعاهدة تُعتبر بنموذجها أول معاهدة مكتوبة وموقّعة.
شاع خبرها في الأزمنة القديمة وسُميت باسمها.
والآن قادش مدينة تقع على مسافة 30كم جنوب غرب مدينة حمص قرب الحدود مع لبنان، وتطل على نهر العاصي وتُسمّى حاليا تل النبي مندو، وهي في التاريخ القديم تمثل قلب الشام في التجارة.
من قادش طريق يتجه جنوبا مع سهول لبنان، ثم فلسطين، وصولا إلى سيناء وأرض وادي النيل، وغربها يتصل بسواحل البحر الأبيض المتوسط.
وشرقا حتى بلاد ما بين النهرين، وشمالا نحو منطقة الأناضول عند البحر الأسود.
ولهذا هي شهدت صراعات بين ممالك كبرى كهدف ثمين جاذب لتوسع ونفوذ في الشرق الأدنى خلال الألف الثانية قبل الميلاد.
وخلفية مدينة قادش أنها بلدة كنعانية أمورية بُنيت من طوب يحاوطها سور عديد أبواب.
وقادش فيما بعد وقعت تحت سيطرة الحيثيون، وهم من أعراق شعوب هندوا أوربية، موطنهم الأناضول وتوسعوا إلى شمال الشام قبل الميلاد، وعاصمة دولتهم قرب أنقرة حوالي 144كم تُسمى بوغاز كوي.
، وكان السومريون حينها في وادي الرافدين جيران لهم.
وعندهم مدينة قادش لها بوابة نحو الشام ومصر وحصنهم الجنوبي.
التاريخ في سنة 1285 قبل الميلاد، وهي السنة الخامسة من حكم رمسيس الثاني.
تم ذكر معركة قادش التي كان فيها تنافس نفوذ بين الفراعنة والحيثيين.
حملت النقوش والأثار تفاصيل الوقائع وتصوير المشاهد في نقوش خمسة معابد مهمة بجنوب مصر وهي؛ أبيدوس والكرنك والأقصر والرمسيوم وأبو سمبل وكُلّها ترمز إلى بطولات أسطورية عن رمسيس وجيشة، ونصرهم الكبير على الجدران وفيها صور لرمسيس الثاني متفردا وهو يُلقي بسهامه من فوق عجلة حربية ينطلق منها حصانان جميلان رشيقان، وقد تناثر القتلى من اعدائه، وهذا ما يفعله العالم القديم في إبراز نصر قادته.
وحينما أُكتشفت وثائق الحيثيين بعاصمتهم فهي تذكر كذلك فوزهم في تلك المعركة، وغالب الظن أنه ليس هناك غلبه بين الأثنين، حيث أن رمسيس أنقذ جيشة من المكيدة والحصار، والحيثيون أبقوا قادش تحت سيطرتهم.
وبعد المعركة تم صلح.
شهد هذا الصلح بينهما أوّل معاهدة سلام في التاريخ تضمن معاهدة تُعتبر أقدم اتفاقية سلام مكتوبة أُبرمت بين امبراطوريتي الحيثيين والفراعنة المتنازعتين، وفيها بنود قانونية وعسكرية ودبلوماسية.
معاهدة قادش للسلام دُوّنت على نسخة نحاسية طبق الأصل، حيث أصلها ألواح مصنوعة من الطين في عام 1269 قبل الميلاد وفيها توّقيع من قبل هاتوسيلي الثالث ملك الحيثيين، ورمسيس فرعون مصر، والمعاهدة طوت حقبة حروب الإمبراطورية الحيثية والمصريين، استمرت لأكثر من قرنين هدفها بسط هيمنة على أراضي شرق البحر الأبيض المتوسط.
الألواح تم اكتشافها عام 1906م وسط الأناضول في تركيا حيث تقع عاصمة الحيثين احتوسا، وفيها نصوص الاتفاق بخط مسماري، ونسختها الأصلية معروضة في متحف إسطنبول الآثاري، وهنالك نسخة مقلدة نحتها سعدي كاليك، وهو محاضر في كلية اسطنبول للفنون الجميلة.
تنص المعاهدة على الصداقة الأبدية والسلام الدائم وسلامة الأراضي وعدم الاعتداء وتسليم المجرمين والدعم المتبادل.
التعهدات الواردة في هذه المعاهدة مماثلة لمُثُل الأمم المتحدة.
تم تقديم نسخة للأمم المتحدة من قبل إحسان صبري كاغلايانجيل، وزير خارجية تركيا نيابة عن دولة تركيا وقبلها الأمين العام يو ثانت.
وِضعت هذه التحفة في ممر المندوبين بالطابق الثاني من مبنى المؤتمرات، بالقرب من مدخل قاعة مجلس الأمن.
هكذا أنتهت معركة قادش بصلح، وأصبح نهر العاصي يدّخر حكاية المعركة والمعاهدة، وتزوج رمسيس الثاني ببنت ملك الحيثيين.
ومما يُذكر أنه وُجدّ في الآثار رسائل ودّ أرسلتها الملكة" نفرتاري" زوج رمسيس الثاني الرئيسية إلى قرينتها الجديدة الحيثية تخاطبها الملكة المصرية بالفاظ مثل يا أُختي الغالية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك