بعيدا عن إشكالية المشاعر، حبا وكراهية، أو قبولا ورفضا، واللجوء لفضيلة القراءة المتأنية، والتحليل المتجرد القائم على حيثيات واضحة، للتعديل الوزارى الأخير، يمكن التأكيد على أن هذا التعديل جرى وفق فلسفة وآلية تتجاوز فكرة كونه تعديلا إداريا فحسب، إلى فكرة التعديل النوعى المحسوب إلى حد كبير، ظهر ذلك فى مسألتين واضحتين:
الأولى: الاختيارات فى مجملها، كانت مبنية على الجمع بين الدراسة الأكاديمية، والخبرات العملية داخليا وخارجيا، وهو مزج ضرورى وجوهرى.
الثانية: المجموعة الاقتصادية، كان اختيار عناصرها كاشف للقدرة على الانتقال من اقتصاد إدارة الأزمة، إلى اقتصاد الانطلاقة واستثمار النجاحات وجنى الثمار، فتقرر تعيين الدكتور حسين عيسى، نائبا «منفردا» لرئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية، وبعيدا عن سيرة الرجل، الزاخرة بخبرات عميقة، فإن القرار رسالة بأن الملف الاقتصادى يحتل مقدمة فقه الأولويات، وأن هناك مسؤولا متفرغا، للاعتكاف على الدراسة، ووضع الخطط القوية لمرحلة الانطلاقة، أيضا الذين حملوا حقائب وزارات التخطيط والصناعة والاستثمار، جميعهم يتمتعون بسيرة ذاتية مضيئة وقوية، وكما أوضحنا، أنهم يجمعون بين التأهيل العلمى، والخبرة العملية، والقدرة على التواصل مع المؤسسات الدولية المعنية.
لذلك سيمثلون إضافة قوية بجانب زملائهم المستمرين فى حمل حقائب بقية وزارات المجموعة الاقتصادية مثل المالية والبترول والكهرباء والتموين والسياحة، والذين حققوا نجاحات جيدة، علاوة على دمج بعض الوزارات، مثل دمج وزارة قطاع الأعمال فى الاستثمار والتجارة الخارجية، ودمج البيئة فى التنمية المحلية، وهو أمر جيد.
التعديل يأتى فى وقت دقيق لتجديد الدماء وتصحيح المسار وفق ما يفرضه الواقع الإقليمى والدولى من تحديات وواقعا اقتصاديا جديدا، فالدولة التى تنشد التنمية الشاملة، ومواكبة حالة التغيير فى المحيط الإقليمى والدولى، لا يمكن أن تظل ثابتة ثبات الأشجار المتجذرة فى الأرض دون تغيير، وتعديل المسار، ومراجعة دورية دقيقة لمعدلات الأداء، والدفع بكفاءات قادرة على التعاطى مع هذه المتغيرات والتحولات السريعة والمتشابكة، ومن هنا يكتسب التغيير أهمية كبيرة سواء فى رسالة ثقة للمواطنين بأن الدولة تراقب وتقيم بعين فاحصة، ثم تتحرك، أو رسالة طمأنة للمستثمرين بأن هناك حراك للتطور فى بيئة العمل.
وكما أوضحنا أن التعديل تتضاعف أهميته، عندما يتعلق الأمر بعصب المجموعة الاقتصادية، كون الاقتصاد هو المحرك الجوهرى لكل القطاعات، وأن نجاحه ينعكس مباشرة على تحسين مستوى المعيشة للمواطن، وزيادة فى توفير فرص العمل، إذا ما وضعنا فى الحسبان أن مصر مرت بظروف استثنائية منذ بدء برامجها الإصلاحية الجذرية للاقتصاد، وأول هذه العقبات كانت جائحة كورونا ثم الحرب «الروسية - الأوكرانية» ثم حرب إبادة غزة، وهو ما كان له التأثير البالغ على اضطراب شديد فى سلاسل الإمداد، وارتفاع كبير فى أسعار الطاقة والغذاء عالميا.
ورغم كل هذه العقبات، والمطبات الصناعية الصعبة، استطاعت برامج الإصلاح الاقتصادى أن تسير فى مسارها بإرادة فولاذية، من الشعب والدولة، معا، فى حالة إعجاب وإيثار يجب دراستها والوقوف أمامها بالتحليل والدراسة العميقة، لذلك كان يجب - وبعد مرحلة العبور العظيم للمعوقات وتفادى المطبات الصناعية - الانتقال من اقتصاد إدارة الأزمة إلى اقتصاد الانطلاقة وجنى الثمار، ليكون هدفا استراتيجيا يحتاج لفريق اقتصادى متناغم ويمتلك رؤية علمية وخبرة عملية.
فوجود الوزير الكفء علميا، يعزز من فرص إصدار القرارات التى تستند لتحليل دقيق للبيانات، وفهم عميق لآليات الاقتصاد الحديث، وليس ردود فعل مؤقتة، فى حين أن الخبرة العملية، فتعزز القدرة على تحويل الخطط إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع، والتعامل مع التعقيدات البيروقراطية بقدرة، وبناء شراكات فعالة مع القطاع الخاص، لذلك تكتسب أهمية كبرى، اجتماع الخبرة الأكاديمية مع التجربة العلمية لتشكل قيادة قادرة على التوازن بين الاستقرار المالى وتحفيز النمو ورفع معدلاته.
ومصر فى هذه المرحلة، بدأت تضع يدها على احتياجاتها الفعلية، وهو تعزيز الإنتاج الحقيقى، سواء فى قطاعات الصناعة والزراعة، أو الخدمات ذات القيمة المضافة العالية، وإدراك حقيقى بأن اقتصاد الانطلاقة وجنى الثمار، يحتاج إلى تبسيط الإجراءات وتطوير السياسات الضريبية والجمركية، وتحسين مناخ الاستثمار وتوفير التمويل للمشروعات الصغيرة والمتوسطة، التى تعد العمود الفقرى لأى اقتصاد نامٍ.
فى النهاية، هناك تفاؤل قوى من التعديل الوزارى، خاصة فى بعض حقائب المجموعة الاقتصادية، لنقل مصر بثبات من مرحلة الصمود أمام الأزمات إلى مرحلة الانطلاق نحو نمو مستدام، وجنى ثمار فى شكل اقتصاد قوى لا يتأثر بأزمات، ويعزز مكانة مصر إقليميا ودوليا.
ولا يفوتنا أن نشكر كل الوزراء السابقين، على جهودهم، وما قدموه خلال توليهم المسؤولية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك