الإدارة في مؤسسات الدولة بعد انتصار الثورة: بين قوانين ومراسيم صممت على مقاس من هلك، وبين حتمية المضي قدما.
في لحظات التحول الكبرى، حين تتصدع البنى القانونية وتدخل المجتمعات في مسارات ثورية مفتوحة، لا تكون الإدارة ترفا مؤجلا، بل تتحول إلى خط الدفاع الأول عن فكرة الدولة ذاتها.
فبين ثقل إطار قانوني مترهل صيغ لمرحلة سابقة، وبين ضغط الشارع وتسارع الأحداث وتبدل موازين القوى، نجد مؤسسات الدولة أمام معادلة معقدة: كيف تُدار المرافق العامة في زمن يتغير فيه معيار الشرعية، وتتقلص فيه قدرة النظام الإداري على الاعتماد على القانون بوصفه مرجعا وحيدا؟ليس المقصود بغياب اليقين التنظيمي جهل الموظف بالقانون، بل عجزه عن توقع قاعدة الاحتكام مستقبلا: أتعد القواعد الحالية سارية غدا أم ملغاة عمليا؟ من هي الجهة التي ستحاسب؟اللاقانون بوصفه بيئة إدارية استثنائية.
لا يعني" اللاقانون" غياب النصوص والتشريعات، بقدر ما يعني تراجع القدرة على إنفاذها بصورة متسقة، وتآكل الثقة بها، وتعدد مصادر القرار خارج الإطار الرسمي.
في مثل هذه البيئات تفقد الإدارة التقليدية أدواتها المعتادة: التسلسل الهرمي المستقر، والإجراءات النمطية، ودورات اتخاذ القرار البطيئة.
وتتحول الإدارة من جهاز تنفيذ روتيني إلى ساحة توتر دائم بين واقع متحرك ونص جامد.
وهنا تبرز نقطة محورية تؤكدها أدبيات الدول الهشة وما بعد النزاعات: أخطر ما يواجه المؤسسات العامة ليس مجرد قصور القوانين، بل غياب اليقين التنظيمي؛ أي عدم قدرة الموظف أو متخذ القرار على توقع ما إن كان الإجراء الذي يعد" صحيحا" اليوم سيفسر غدا بوصفه مخالفة قانونية، أو انحيازا سياسيا، أو حتى شبهة فساد.
وليس المقصود بغياب اليقين التنظيمي جهل الموظف بالقانون، بل عجزه عن توقع قاعدة الاحتكام مستقبلا: أتعد القواعد الحالية سارية غدا أم ملغاة عمليا؟ من هي الجهة التي ستحاسب؟ وبأي معيار ستقرأ الوقائع: وفق بوصلة الخدمة العامة أم نزعة الاصطفاف السياسي؟قد يدان مستقبلا القرار الحالي الهادف إلى حفظ المرفق العام بوصفه تجاوزا للإجراءات.
قد يؤول القرار المحايد سياسيا عند تبدل السلطة.
قد يعاد توصيف القرار الاضطراري بأثر رجعي كخطأ جسيم أو شبهة فساد.
ولذلك يعد غياب اليقين التنظيمي أخطر من غياب القانون؛ فغياب القانون ينتج فراغا واضح المعالم، أما غياب اليقين فينتج خطرا غير قابل للحساب، ما يدفع الموظفين غالبا إلى أحد ثلاثة مسارات:
شلل القرار، وهو الامتناع عن التوقيع خشية العواقب.
قرارات دفاعية، وهو اختيار الأشد تحفظا، ولو كان أقل نفعا للمرفق.
البحث عن حماية خارج المؤسسة، سياسية أو اجتماعية أو فصائلية، ما يضعف حياد المرفق العام ويزيد نفوذ الفاعلين غير الرسميين.
تصبح الإدارة مسؤولة عن أمرين في آن واحد: دعم المؤسسة ومنع انهيارها، وحماية كوادرها من الوقوع في منطقة اللامعيارية التي تلتهم القرار والضمير معا.
الثورة وإعادة تعريف الشرعية الإدارية.
في السياق الثوري تعاد صياغة مفهوم الشرعية الإدارية؛ إذ لم تعد الشرعية مستمدة فقط من النص القانوني، بل من القدرة على الاستجابة، والعدالة المتصورة، والانسجام مع المزاج العام.
هنا تواجه الإدارة معضلة أخلاقية ومهنية: أتلتزم حرفيا بإجراءات لم تصمم لظرف استثنائي، أم تتبنى حلولا انتقالية تبقي المرفق العام قائما؟الإدارة الرشيدة في هذه المرحلة ليست تلك التي تتصادم مع القانون بوصفه عدوا، ولا تلك التي تتقوقع داخل نصوص لا تتسع للواقع؛ بل هي التي تحسن إدارة الهامش الإداري المتاح وفق منطق الضرورة والتناسب، عبر تدابير استثنائية مؤقتة تقيد بثلاثة ضوابط واضحة:
تحديد الهدف: حماية المرفق العام واستمرارية الخدمة.
التناسب: أقل قدر ممكن من الاستثناء لتحقيق الهدف.
التوثيق والمساءلة: تسجيل المبررات والبدائل والآثار استعدادا لمرحلة المحاسبة القانونية لاحقا.
بهذا المعنى تصبح الإدارة مسؤولة عن أمرين في آن واحد: دعم المؤسسة ومنع انهيارها، وحماية كوادرها من الوقوع في منطقة اللامعيارية التي تلتهم القرار والضمير معا.
قد تتغير القوانين والأنظمة، لكن انهيار الإدارة يعني سقوط المجتمع في فراغ لا تملؤه الثورة، بل تتسع فيه الفوضى.
من إدارة القواعد إلى إدارة المخاطر.
في زمن اللاقانون تتحول الإدارة من نموذج قائم على القواعد إلى نموذج قائم على المخاطر، فيصبح السؤال المركزي: ما القرار الأقل وطأة على الصالح العام؟ أم أي القرارات هو الأكثر انصياعا لأبجدية نص ضل طريقه إلى هذا العصر؟يفرض هذا التحول على القيادات الإدارية امتلاك مهارات مختلفة: تقدير السياق، وقراءة شبكة الفاعلين الرسميين وغير الرسميين، وإدارة الأزمات، وبناء شرعية مهنية تقوم على خدمة الناس لا على الصراع عليهم.
كما يفرض اعتماد أدوات عملية: مصفوفات مخاطر، ومسارات بديلة للقرار، إضافة إلى توثيق تشغيلي، وآليات مراجعة سريعة تقلل من القرارات الارتجالية.
الإدارة في زمن اللاقانون والثورة ليست إدارة مثالية، ولا يمكن محاكمتها بمعايير الاستقرار؛ إنها إدارة الضرورة، وإدارة الممكن، وإدارة منع الانهيار.
نجاحها لا يقاس بالكمال، بل بقدرتها على إبقاء فكرة التنظيم حية في زمن الفوضى، وحفظ الذاكرة المؤسسية، وتقليل كلفة الانتقال إلى أن تصبح إعادة تأسيس الإطار القانوني ممكنة وذات معنى.
في النهاية قد تتغير القوانين والأنظمة، لكن انهيار الإدارة يعني سقوط المجتمع في فراغ لا تملؤه الثورة، بل تتسع فيه الفوضى.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك