يمكن القول إن حركة الفن التشكيلي في محافظة الرقة، تزامنت مع التحولات الاجتماعية والإدارية التي عاشتها المدينة منذ ستينيات القرن المنصرم.
وكل التجارب السابقة على تلك التحولات، كانت تجارب فردية؛ محدودة.
فالرسم كوسيلة تعبير موجود لدى كل الجماعات البشرية عبر التاريخ.
أما" الفن التشكيلي" الذي يقوم على تحويل الفكرة إلى بنية بصرية، فهو مرحلة متقدمة في تاريخ الرسم، وهذه المرحلة مرتبطة بالوعي النقدي.
إرهاصات كثيرة تمرّ بها المواهب الفنية قبل أن تصقلها المعرفة، وتلك الإرهاصات مرّ بها فنانو الرقة الأوائل عبر مسيرتهم الفنية: سامي سعدية وأحمد فائز الفواز وإسماعيل الحمود البليبل وغيرهم.
هذا التأسيس المبدئي يمكن ذكره في التحقيب التاريخي لحركة الفن التشكيلي في محافظة الرقة، ولا يتجاوز ذلك.
منذ أربعينيات القرن العشرين، وما تلاها بدأت بوادر مرحلة جديدة، من روادها: عبد الوهاب العجيلي (1905-1944)، والدكتور عبد السلام العجيلي، إلا أن نشاط أولئك الرواد لا يمثل حركة فنية بالمعنى العام، ولكنه أسس لمرحلة جديدة بدأت في خمسينيات القرن العشرين، حينذاك انتقلت اللوحة من المرسم إلى المعرض، وكانت أول مشاركة للفنان إسماعيل الحمود البليبل في معرض أقيم بمدينة حلب عام 1955، ومن ثم قام الفنان إبراهيم الموسى (1939-2016) بإقامة معرضين في جامعة حلب، أولهما عام 1961، والثاني عام 1964.
عندها لم تكن فكرة عرض لوحات الفن التشكيلي متداولة في الرقة، ولذلك لم تكن صالات العرض موجودة.
وأول معرض في الرقة كان معرض الفنان محمود فياض في استديو" كوكو" عام 1964.
لذلك يمكن القول إن البداية الحقيقية لحركة الفن التشكيلي في محافظة الرقة كانت في ستينيات القرن العشرين، وما تلاها.
آنذاك ظهرت الكثير من الأسماء، على رأسها الفنان فواز اليونس.
وكان المعرض المدرسي الأول 1966-1967بمشاركة عبد المحسن الجدوع وسليمان النجم المشرف ومحي الدين الصغير، بإشراف الأستاذ" برنار محفوظ" أول مدرس للفنون بالرقة.
مع نهاية العقد الأول من ستينيات القرن المنصرم، اتسع هاجس الرسم بين أوساط الطلبة، واحتضنت" ثانوية خديجة الكبرى" عام 1969 أول معرض يحمل اسم" معرض فن تشكيلي" (هذه تعتبر سابقة في تاريخ الرقة ومدارسها)، بمشاركة: طلال معلا وأحمد مصارع وعبد الحميد فياض.
منذ ذلك الحين أخذ الفن التشكيلي موقعه المتقدم في الأوساط الثقافية، وقد ساهم في انتشاره أن الرقة كمدينة ناشئة قد استقطبت منذ نهاية الستينيات، الكثير من أبناء المحافظات الأخرى (موظفين ومهنيين وعمال) ومن بين أولئك القادمين كان الفنان عنايت عطار وخالد طماع ومحمد صفوت والأخوين طلال وأحمد معلا.
هذه الأسماء كان لها اسهامها الواضح في تأسيس" تجمع فناني الرقة" عام 1975، الذي ظهرت نتائجه في المعرض الأول لفناني الرقة عام 1977، بمشاركة كل من: فواز اليونس، حامد الصالح، طلال معلا، بشير المصطفى، أحمد معلا، حسن مصطفى، إبراهيم الموسى، عنايت عطار.
وتبعه معرض فناني الرقة الثاني عام 1978، ومعرض فناني الرقة الثالث عام 1979، مع أسماء جديدة: علاء الأحمد وياسين جدوع وفهد الحسن ومحمد عساف وطلال الحسيني.
في الثمانينيات انفتح الباب على مصراعيه أمام الفنانين الشباب، فالتحق بركب حركة الفن التشكيلي أسماء جديدة: أيمن ناصر، مصطفى السليمان، موسى الحمد، خالد الرز، موسى الحمادي، صبرية فطوم، مها عجان الحديد، محمد العكلة، محمد سعيد حمو، محمود غزال، محمد الرفيع، الرافد الفياض، محمد الحريري، بشير الأحمد، سماّر العساف، حمود السليمان.
وفي عام 1983 تأسس فرع نقابة الفنون الجميلة في الرقة، بعضوية: طلال الحسيني، د.
راتب غوثاني، ياسين الجدوع، فهد الحسن، فواز اليونس، عنايت عطار، إبراهيم الموسى، أحمد جمال رمضان، أحمد معلا، أيمن ناصر، جورج شمعون.
وقد تزامن ذلك مع حركة ثقافية في الشعر والقصة والرواية، وأصبحت الأمسيات الثقافية، والمعارض الفنية إحدى سمات المدينة.
وكانت لوحات الفنانين بمثابة امتداد لذاكرة المدينة، واشتغل الفنانون على توثيق تفاصيل البيئة الفراتية: ناسها وملامحها الطبيعية والعمرانية.
لم يدم الحال طويلا، فقد وضعت الحياة رواد التشكيل الأوائل في مسارات أخرى، فأصبح حسين الموسى مخرجا سينمائيا، وإسماعيل الحمود وإبراهيم الموسى ومحمود فياض وفواز اليونس التحقوا بكلية الحقوق، ومن ثم بنقابة المحامين، وسافر أحمد معلا إلى خارج القطر، وغادر طلال معلا إلى الخليج، وتفرغ طلال الحسيني للخط العربي، وغادر عنايت عطار إلى فرنسا، وخالد الرز إلى دمشق.
يمكن القول إن حركة الفن التشكيلي قد ازدهرت منذ عام 1977 لغاية عام 1990، حيث نشطت المعارض، والتواصل مع المجموعات التشكيلية في محافظات القطر، قبل أن ينفرط عقدها، ويتبعثر روادها.
إلا أن الرقة ككل المدن ولّادة، وعقد المؤسسين الذي انفرط، لم تتوقف حركة الفن التشكيلي عنده، بل استمرت ونهضت حركة فنية يمثلها ثلة من الفنانين المشغولين بمشاريعهم الذاتية، بعيدا عن وصاية الآباء الأوائل، أمثال: حسن مصطفى، وطارق البطي، وحسن كدرو، وحمود السليمان، ومحمد الرفيع، وموسى الحمد، وموفق الزين، وغيرهم.
وبدأت الحركة التشكيلية تتلمس مساراتها الجديدة بطريقة متوازية بين من بقي من الرواد، والجيل الجديد، لغاية عام 2011.
آنذاك عصفت رياح التغيير بحياة السوريين جميعا، وانهار وهم الاستقرار، وانتهى مفعول ذلك المخدر الذي حقنت السلطة به وريد البلاد أكثر من نصف قرن.
وقصف النظام الأسدي المجرم المركز الثقافي ودمّره، ذلك المركز الذي كان ملاذ أحلام المثقفين والفنانين، وترك الرقة في نفق طويل مظلم قبل أن تبصر التحرير الأخير.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك