لا أنسى عندما كنت أعيش في الصعيد الأيام الرمضانية وموالد أولياء الله الصالحين، وقتها كنا نستمتع بالأجواء الروحانية لهذه المناسبات، ننتظر بفارغ الصبر سماع أصوات المنشدين والمبتهلين، كانت أصواتهم رغم فقر كفاءة مكبرات الصوت، تتغلغل في نفوسنا، وتنقل أرواحنا إلى عوالم غير مرئية، نشعر خلالها بخفة الجسد ونقاء القلب.
كان الابتهال وما زال سمة أساسية من سمات الشهر الكريم، الابتهال ليس فنا طارئا على الحضارة الإسلامية، بل امتداد قديم لفكرة الدعاء المرتل عرفه المسلمون الأوائل في صدر الإسلام، كان في بداياته دعاء جهري جماعي، وكان بعض الصحابة والتابعين يمتازون بحسن الصوت في الدعاء، فيطيلون الوقوف بعد الصلاة بالدعاء المرتل المؤثر، فصار الناس يلتفون حولهم لا لسماع كلمات جديدة، بل لسماع المعنى القديم بنبرة جديدة.
مع اتساع المدن الإسلامية، خاصة في مصر والشام، نشأ ما يمكن أن نسميه فن الدعاء الصوتي، حيث بدأ أصحاب الأصوات الحسنة يختارون ألفاظا مسجوعة يؤدونها بأوزان موسيقية خفيفة قريبة من مقامات التلاوة.
وفي ليالي المناسبات الدينية، وخصوصا في شهر رمضان، يتبدل صوت المدينة، تخف الضوضاء شيئا فشيئا بعد صلاة التراويح، وتصبح الأزقة أكثر رهافة، كأن الهواء نفسه يصغي، في تلك اللحظات يظهر صوت منفرد، لا هو غناء خالص ولا هو تلاوة قرآن، إنما منطقة بين الاثنين؛ منطقة الروح، ذلك هو الابتهال.
الابتهال ثمرة تلاقٍ بين التلاوة القرآنية والإنشاد الصوفي.
القراء علموا المبتهلين المقامات وأحكام النفس، والمتصوفة أمدوهم بحرارة الوجد والتضرع، وفي الزوايا والطرق الصوفية في مصر تحديدا، منذ العصر المملوكي والعثماني، أخذ الابتهال شكله الأقرب إلى ما نعرفه اليوم؛ دعاء فردي مرتجل غالبا، يؤدى قبيل الفجر أو قبل الأذان، يمهد للعبادة ويهيئ القلوب.
لعل مصر كانت الأرض الأخصب لولادة كبار المبتهلين، لأن الثقافة الدينية فيها لم تفصل يوما بين جمال الصوت وجلال المعنى، فظهر في القرن العشرين الشيخ طه الفشني، ذلك الصوت الذي كان إذا قال: إلهي أنت للراجين غفرانا، بدا كأن القاهرة كلها تتوقف لتسمع.
ثم جاء الشيخ سيد النقشبندي، فحول الابتهال من فن محبوب إلى ظاهرة وجدانية عامة، صوته لم يكن مجرد أداء، بل حالة، يحمل خشونة البكاء وطمأنينة اليقين في آن واحد، معه عرف الناس أن الابتهال يمكن أن يحفظ كما تحفظ الأغاني، وأن ينتظر كما تنتظر المسلسلات الرمضانية.
تعاقبت الأسماء: نصر الدين طوبار، كامل يوسف البهتيمي، محمد الفيومي، وفي زمن أقرب أصوات مثل الشيخ ياسين التهامي وابنه محمود في فضاء الإنشاد القريب من الابتهال، وغيرهم ممن حاولوا وصل القديم بالجديد.
كان المبتهل قديما ابن لحظته، صوته يعلو في مسجد أو ساحة، ثم ينتهي بانتهاء الليل، لذلك اندثرت أصوات كثيرة عظيمة لأن الزمن لم يتمكن من تسجيلها، أما حين وجدت الإذاعة ثم التليفزيون، تغير المصير.
صار صوت المبتهل محفوظا، يعاد بثه في كل مناسبة، وأصبح جزءا من الذاكرة الجماعية، الإذاعة لم تكتفِ بنقل الابتهال، بل صانته، فجعلت الشيخ النقشبندي أو الفشني حاضرين في بيوت لم يزوراها قط، وحفظت للأجيال ما كان يمكن أن يضيع كما ضاعت أصوات السابقين.
نصوص الابتهالات لا تأتي كلها من مصدر واحد، بعض المبتهلين يرتجل الدعاء لحظة الأداء، مستندا إلى ثقافته القرآنية واللغوية وإلى حرارة اللحظة الروحية، فيخرج النص حيا نابضا لا يمكن تكراره بالروح نفسها.
وبعض الابتهالات مأخوذ من تراث طويل: أدعية مأثورة، مقاطع من كتب الصالحين، أبيات صوفية لابن الفارض والبوصيري وغيرهما، يعيد المبتهل تشكيلها صوتيا.
في القرن العشرين بدأ الشعراء يكتبون نصوصا خصيصا للمبتهلين، فتعاون الملحنون أحيانا معهم، خصوصا في أعمال النقشبندي التي صاغ شعراء كبار ولحن بعضها بليغ حمدي، لكنها ظلت محتفظة بروح الدعاء لا بروح الأغنية.
سر تأثير الابتهال على المتلقي ليس في الكلمات وحدها، فمعاني التوبة والرجاء معروفة ومكرورة، لكن الصوت حين يحملها يوقظ خبرة إنسانية عميقة، المقامات الشرقية، خاصة البياتي والحجاز والسيكا، ترتبط في الوجدان العربي بمشاعر الخشوع والحنين.
عندما يمد المبتهل حرفا طويلا أو يكسر صوته بالبكاء، يشعر السامع أن الدعاء صار لسانه هو، لا لسان المؤدي، لذلك كثيرا ما يبكي الابتهال حتى من لا يفهم العربية أصلا، لأنه يخاطب الإحساس قبل العقل، ويمنح لحظة صفاء نادرة وسط صخب الحياة.
في رمضان تحديدا يصبح الابتهال علامة زمن، يعلن اقتراب الفجر، أو يسبق الأذان، أو يملأ ما بين الركعات، فيشعر الناس أن الزمن قد اكتسب قداسة إضافية، إنه لا يعلم حكما فقهيا ولا يقدم فكرة جديدة، لكنه يذكر الإنسان بنفسه الأولى، بنفسه المحتاجة، الراجية، الخائفة والتي تحمل أملا.
لهذا بقي الابتهال حيا رغم تغير الأذواق، لأنه ليس مجرد فن ديني، بل حاجة روحية تتجدد كل عام مع الهلال، وتعود كل ليلة بصوت منفرد يهمس في العتمة: إن للروح غذاء كما للجسد، وإن الدعاء حين يقال بصدق يمكن أن يصبح جمالا مسموعا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك