شهد التاريخ الإسلامي والقديم حالات عديدة لعبيد مماليك تدرجوا في المناصب حتى أصبحوا ملوكاً وسلاطين وقادة، وأبرزهم كافور الإخشيدي في مصر، وسبكتكين مؤسس الدولة الغزنوية، وسيف الدين قطز بطل معركة عين جالوت، والظاهر بيبرس بالإضافة إلى سلاطين المماليك الذين حكموا مصر والشام لأكثر من قرنين ونصف.
بين طيات التاريخ، حُفرت قصصٌ تتجاوز حدود الخيال، قصصٌ أبطالها لم يولدوا وفي أفواههم ملاعق من ذهب، بل ولدوا في أسواق النخاسين، أو جُلبت بهم سفن الاسترقاق من أدغال إفريقيا وسهوب آسيا صباح شاكر العكام: عبيد أصبحوا سلاطين.
لم تكن قيود الحديد التي كبلت أيديهم سوى بداية لرحلة عجيبة، تحولت فيها عذابات الاستعباد إلى عزيمة جبارة، وانضباط الفروسية إلى حكم وإدارة عصور ذهبية.
ويوثق التاريخ سيرة ملوك المماليك وعبيدٍ ارتقوا قمة الهرم السياسي، مثل كافور الإخشيدي الذي ساد مصر، وسبكتكين مؤسس الدولة الغزنوية، وسيف الدين قطز قاهر المغول.
إنها رحلة تحولهم من متاع يُباع ويُشترى إلى قادة يصنعون مصير أمة، ويؤسسون دولاً حكمت لقرون عصور.
ومن أشهر هؤلاء هم أربع من أعظم ملوك وسلاطين الأمة الإسلامية بدأوا حياتهم يُباعون في سوق النخاسة:
1) كافور الإخشيدي: أبو المسك، كان من رقيق أدغال إفريقيا، كان عبدًا خصيًا أسود اللون، قبيح الشكل ثقيل الوزن تداوله النخاسون في الأسواق من الحبشة إلى السودان حتى جُلب لمصر وهو في سن 14 عاما، وقد اشتراه تاجر زيت وكان يُسيء معاملته، ثم اشتراه منه محمد بن طفج الإخشيدي ملك مصر، فعلمه وقربه وعهد له خدمة ولده، استطاع كافور أن يدير دفة الدولة الإخشيدية بعد موت سيده الملك الإخشيدي؛ ولأن ابن الملك محمود الإخشيدي كان لا يزال طفلاً صغيرًا، آلت الأمور لكافور الذي ملك السلطة والمال والجيش في يده، وحكم مصر ثم توسع إلى بلاد الشام، ودام حكمه لمدة 23 عاماً حمى فيها مصر من الفاطميين، وهو صاحب الفضل في بقاء الدولة الإخشيدية التي انهارت بعد موته، وكان عرافو الدولة الفاطمية يقولون لخلفائهم" ستحكمون مصر بعد زوال الحجر الأسود"، في إشارة لكافور الإخشيدي، الذي كان حجر عثرة في وجه الفاطميين.
2) سُبُكْتِكِيْن: هو سُبُكْتِكِيْن بن جوقي بن قرا، وُلد في بارسغان في قيرغيزستان، وقد وصف الصينيون قومه أنهم ذوو شعر أحمر وجلد أبيض وعيون زرقاء، وتفسٌر تلك الصفات بالإيحاء على الأصول السُلافية، وقع في الأسر وحُمل إلى بخارى فبيع إلى ألب تكين الرجل التركي الأول الذي أنشأ دولة إسلامية، جعله ألب تكين أحد قواد جيشه، و بعد وفاته حل محله سُبُكْتِكِيْن الذي تم اختياره القواد الأتراك لقوته وشجاعته، أسس سُبُكْتِكِيْن الدولة الغزنوية الإسلامية، وبدأ يغزو قلاع الهند الواحدة تلو الأخر ويهزم ملوك الهندوس، ومن بعدها بدأ أحفاده الملوك الغزنويين بالتوغل ونشر الإسلام داخل الهند.
3) سيف الدين قطز: الملك المظفر، بطل معركة عين جالوت وقاهر التتار المغول، ومُحرر القدس من التتار؛ وُلد قطز من أسرة ملكية بمملكة خوارزمشاه بفارس، تمَّ أسره التتار عقب انهيار الدولة الخوارزمية على يدهم، كان اسمه محمود لكن التتار سموه قطز، وهذه الكلمة بالتترية تعني «الكلب الشرس»، وحُمل هو وغيره من الأطفال، وبيع عبدًا في الشام، ثم بيع إلى السلطان الأيوبي الملك الصالح نجم الدين أيوب بالقاهرة، ليتدرج تحت سلك جيش المماليك بمصر، وترقى في صفوف المماليك البحرية.
تصدى قطر لكل المحاولات الخارجية لغزو مصر، وأهمها الحملة الصليبية السابعة التي قادها الملك لويس التاسع، ووصل إلى حكم مصر بعد الاضطرابات التي أعقبت سقوط الدولة الأيوبية، وعلى الرغم من أن فترة حكمه لم تدم سوى أقل من عام واحد، إلا أنه نجح في إعادة تعبئة وتجميع الجيش الإسلامي بعد سقوط بغداد على يد المغول، واستطاع إيقاف زحف التتار الذي كاد أن يقضي على الأمة الإسلامية، فهزمهم قُطُز بجيشه هزيمة كبيرة في عين جالوت، ولاحق فلولهم حتى طهر الشام بأكملها منهم.
4) الظاهر بيبرس: البُنْدُقْدارِي أبو الفتوح، هو من الشركس من مناطق القوقاز، واسم بيبرس يعني «الفهد»، كان بيبرس ضخماً طويلاً ذا شخصية قوية، وصوته جهوري أشقر وعيناه زرقاوان، ويوجد بإحدى عينيه نقطة بيضاء، (مياه بيضاء)، أسره التتار عندما كان طفلاً، وبيع كعبد في اسواق بغداد ثم الشام، فاشتراه الأمير علاء الدين البندقداري، ثم انتقل بعد مصادرة ممتلكات سيده إلى خدمة السلطان الأيوبي الملك الصالح نجم الدين أيوب بالقاهرة، ليندرج تحت سلك جيش المماليك بمصر.
قاد بيبرس جيشَ المماليك في معركة المنصورة ضد الصليبيين التي أسر فيها الملك الفرنسي لويس التاسع سنة 658هـ/ 1250م، كان أحد قادة معركة عين جالوت، أصبح سلطان مصر والشام ورابع سلاطين الدولة المملوكية ومؤسسها الحقيقي بعد مقتل قطز، حقق خلال حكمه العديد من الانتصارات ضد الصليبيين وخانات المغول، وقد قضى على الحشاشين واستولى أيضا على إمارة أنطاكية الصليبية، أحيا خلال حكمه الخلافة العباسية في القاهرة بعد ما قضى عليها المغول في بغداد، وأنشأ نظُماً إداريةً جديدة في الدولة، اشتهر بيبرس بذكائه العسكري والدبلوماسي، وكان له دور كبير في تغيير الخريطة السياسية والعسكرية في العالم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك