في الآونة الأخيرة، قمتُ أنا وصديقي محمد سالم وعبدالمعز بركات بزيارة بعض مناطق الجبل الغربي (نفوسة)، وبدأنا رحلتنا من مدينة الأصابعة وانتهت في ككلة، مرورًا بالقلعة وجادو وكاباو والرحيبات والعوينة وتيجي وبئر الغنم.
كانت استنتاجاتنا بعد هذه الجولة الاستطلاعية أن ظاهرة نزوح السكان من بعض مدن الجبل الغربي، مثل جادو والرحيبات وكاباو وككلة وغيرها، نحو طرابلس، مقلقة بشكل واضح.
هذه المدن التي كانت يومًا نابضة بالحياة باتت اليوم تعاني من فراغ بشري يهدد نسيجها الاجتماعي والجغرافي، وينذر بخطر ديموغرافي حقيقي على المنطقة بأكملها، وبخطر تفريغها من شبابها وخبراتها.
هذا النزوح لا يحدث من فراغ، بل هو نتيجة تراكمات، منها: نقص الخدمات، وتراجع البنية التحتية، ونضوب المياه وقلة الأمطار، وضعف فرص العمل، وانعدام المشاريع التنموية التي تُبقي الناس في مناطقهم، إضافة إلى التهميش المتعمد من قبل جميع الحكومات السابقة والحالية لهذه المناطق.
ومع ذلك، فإن استمرار هذا النزوح لن يكون حلًا، بل سيعمّق الأزمات في الجبل وطرابلس معًا.
فطرابلس لم تعد قادرة على تحمّل هذا الضغط السكاني الهائل.
فارتفاع الأسعار، والقضاء على المناطق الخضراء في طرابلس وما حولها، وتدهور الخدمات، والازدحام، وضيق السكن، كلها نتائج مباشرة لتكدس الناس في العاصمة.
وفي المقابل، تذبل المدن الجبلية شيئًا فشيئًا، وتفقد روحها وموروثها الثقافي وتاريخها الممتد لقرون.
وقد بدأ هذا النزوح يمتد إلى مدن مثل غريان وترهونة وبني وليد وغيرها من مدن ليبيا، فضلًا عن شبه نزوح كامل من الجنوب إلى الشمال الليبي.
إن الجبل الغربي ليس مجرد منطقة جغرافية؛ بل هو رمز للهوية والثقافة والكرامة الليبية.
فكل قرية وكل بيت فيه يحمل ذاكرة نضال ومجد لا يجب أن تُمحى.
ترك المدن يعني ترك الأرض، وترك الأرض يعني ترك التاريخ.
في الجبل الغربي من الحاضرة والتاريخ ما يكفي لكتابة عشرات الكتب، وهو سدٌّ منيع وحماية لمدن الساحل الغربي، وصمام أمان لمدن الجنوب.
وتعود هذه الهجرة الداخلية إلى مجموعة من العوامل المتشابكة، أبرزها:
1.
ضعف الخدمات الأساسية في مجالات الصحة والتعليم والمياه والكهرباء، وارتفاع أسعار المواد الاستهلاكية جميعها.
2.
انعدام فرص العمل، خاصة بين فئة الشباب، نتيجة غياب المشاريع الإنتاجية والاستثمارية.
3.
تدهور البنية التحتية وتأخر تنفيذ المشروعات التنموية، وإن وُجدت فهي بسيطة وقليلة.
4.
المركزية المفرطة التي جعلت طرابلس مركزًا جاذبًا، ومناطق الجبل مناطق طاردة للسكان.
وهذا ما تعاني منه جميع مناطق ليبيا، ولا حل إلا بتفعيل الحكم المحلي بسلطات تنفيذية وتشريعية واسعة لإحداث تنمية حقيقية في هذه المناطق، والتقليل من الهجرة، وربما جذب الكثيرين من العاصمة إلى مدن الجبل.
إن استمرار نزوح السكان من الجبل الغربي له تبعات خطيرة على المدى القريب والبعيد، منها:
• فراغ ديموغرافي يهدد التركيبة السكانية والثقافية للمنطقة.
• تراجع النشاط الاقتصادي المحلي، وتوقف الكثير من المهن التقليدية والحرف (حيث واجهنا صعوبة في شراء الجرد، ولم نجد إلا ثلاث نساء كبيرات في السن يقمن بصناعته، وربما لا توجد في جبل نفوسة بأسره إلا هذه الحالات القليلة).
• ضغط متزايد على العاصمة طرابلس من حيث الخدمات والإسكان والاحتكاك القبلي والبنية التحتية، مع شبه قضاء على المناطق الزراعية فيها.
• اختلال التوازن الإقليمي، الذي قد يؤدي إلى فجوة تنموية يصعب معالجتها لاحقًا، وهو أمر يمسّ الأمن القومي ويجب معالجته بسرعة.
ومن الضروري أن تتحمل الدولة، بمختلف مؤسساتها، مسؤولياتها في معالجة هذه الظاهرة؛ فهي خطيرة جدًا على مستقبل ليبيا كدولة، وكذلك على موروثها الثقافي المهم.
ومن هنا يجب على الحكومات التفكير الجاد في هذا الأمر، كما ينبغي لسكان وأبناء الجبل الغربي، ومدن أخرى في ليبيا، الضغط على الحكومات القادمة لاتخاذ إجراءات تحد من هذه الهجرة والنزوح المقلق للجميع، ومن هذه الإجراءات:
• دعم البلديات الجبلية بميزانيات حقيقية تمكّنها من تحسين الخدمات، وإطلاق مشاريع تنموية واستثمارية تخلق فرص عمل داخل المدن والبلدات الجبلية.
• تحفيز العودة الطوعية للسكان عبر برامج إسكان وتنمية محلية، وأهمها تطوير البنية التحتية، وربط مدن الجبل بشبكات النقل والخدمات الحيوية، وإنشاء طرق جيدة وشبكة مياه قوية.
• تشجيع الزراعة، خاصة زراعة الزيتون واللوز والتين والقمح والشعير، وإيجاد موارد مستدامة للمياه، وهي متوافرة بكثرة في الجبل.
• منح الشباب حوافز لمشاريعهم، ومساعدتهم في تطوير مدنهم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك