هذا الخطاب يعيد تعريف التحالف بين ضفتي الأطلسي من كونه شراكة مؤسساتية وقانونية إلى «رابطة هوية» تتطلب من الأوروبيين الانحياز التام للرؤية الأمريكية الجديدة مقابل البقاء تحت مظلة الحماية.
فالمستشار الألماني فريدريش ميرتس، رغم ترحيبه بلغة روبيو الهادئة، حاول توجيه رسالة استقلال مفادها أن «الحروب الثقافية» الأمريكية ليست شأناً أوروبياً، وأن الدستور الألماني يضع حدوداً لا تتماشى مع «حمائية» واشنطن الجديدة.
وقد تبدى ذلك في قرار واشنطن تسليم مراكز قيادة حيوية لضباط أوروبيين، بالتزامن مع مطالبة ترامب برفع الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الدخل القومي.
نحن أمام مسار يعزز من نفوذ «المحور فرنسا-ألمانيا» داخل الحلف، لكنه سيضع وحدة القارة أمام اختبار عسير؛ فبناء جيش أوروبي موحد يتطلب تضحيات سيادية ومالية قد تعجز عنها الدول الأقل ثراءً، مما قد يحول الحلف إلى مجرد مظلة فضفاضة تحمي مصالح القوى الكبرى، بينما تبقى الدول الصغرى رهينة التوافقات الكبرى بين واشنطن - فرنسا وبرلين.
لكن يبقى السؤال ماثلاً: هل انتهى عصر التبعية الأوروبية لأمريكا؟ هذا يحتاج لبعض الوقت لجلائه، لكننا قد نكون أمام حقبة جديدة يكون فيها البقاء لمن يمتلك القوة والقدرة على حماية حدوده وقيمه بمفرده، ما يجعل التحالف الأطلسي يقف اليوم عند مفترق طرق؛ فإما التحول إلى شراكة واقعية بين قوتين مستقلتين، أو الانحدار نحو تفكك بطيء ينهي أكبر تحالف عسكري في التاريخ الحديث.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك