يجتذب البناء السردي عوالم يكتمل فيها الموضوع التوصيفي، وينفذ بها إلى التمثيل الموضوعي، أي بما يتوسل به الكاتب لنقل خطابه السردي بعناصر تضج بمعالجات قضايا إنسانية ترتبط بعوالم التخيل واللاواقع والمخفي واختراق المألوف، ويصب هذا التوجه ضمن سرد الفنتازيا التي تضمن حالات التقاطع مع الواقع، والانفلات من الممكن إلى العابر، متجها إلى سلطة صناعية يفرضها الكاتب ضمن حياة الإنسان.
والكاتب العراقي أنمار رحمة الله، واحد ممن وظف هذه الرؤية ضمن فضائه القصصي بعناصر عدة، يكتفي المقال بالشخصية والمكان والحدث.
تعد الشخصية جزءا من تشكيل ينتظم بأبعاد المعنى السردي، ومن هنا يتوجه إليها بوصفها عناصر عاملية، تقوم بصياغة تحيل على الدلالة الفنتازية؛ لتعكس مدركات الوقائع السحرية ومعايشة الخيالات والمارورائيات وحالات المدهش والغرائبي والعجائبي في السلوك، وقد شكل هذا التسريد بمسار قصدي غير مكتف بذاته عند أنمار رحمة الله، فقدمها حوامل أيديولوجيا الذات وخطاب الأنا والآخر، فقصة (طفل وجدار) تؤسس المواجهة بين الطفل (إرادة الشعوب)، والجدار (الطغاة)، الذين جثموا على عروش الأوطان، والكاتب يرسم المواجهة بينهما على طريقة (النطح) بالرأس: ( يرجع الطفل إلى الخلف، يهرول باتجاه الجدار، يضربه برأسه، فيقع فوق الأرض، والجدار يتبسم كالأحمق مفتخرا بالقوة والطابوق)، وهذه المواجهة تكسب تهويل الفكرة التي تطابق الواقع، بخطاب الهيمنة على حساب الآخر الحالم، وقد ارتبط سرد الشخصيات الفنتازية عند أنمار بالسخرية، وترميز الرفض، فقصة (البائع المتجول)، تتعرض إلى مكاشفة غرائبية، سلوك المتجول الذي يبيع الأوطان، للحد الذي تُسلع الأوطان وتسوق بضاعة تالفة، (حين أوقف الغريب بائع الأوطان المتجول وسأله عن وطن زائد للبيع، أجابه البائع ببرود، فتش في العربة لعلك تحصل على وطن يفي بالحاجة، فتش الغريب فوجد وطنا بلا عين، وآخر بلا ساق، وآخر بلا رأس، سأله: هل يوجد لديك وطن كامل؟ أجابه البائع، لقد بيعت كلها)، فالحوار مزود بهوية الخيانة، إشارة لمَن تبوأ المسؤولية، ليعيد بذلك غرائبية صورة الوطن المشوه.
تخضع الأمكنة لأفق النص وما يروم الكاتب بثه، لفرض رؤى تمكن من توصيف خطابه؛ والفنتازيا توظف المكان لخلق ممكنات عوالمها، فما بين المألوف، وحالة الخروج عنه، مساحة استقراء تفلت زمام النص إلى تشظي الدلالة باتجاه مركزية المعنى المكاني، وأنمار يقترب من هذا التشكيل اللامنطقي في المجموعة القصصية (واسألهم عن القرية)، إذ شُحن عالمها المكاني بالمادة الفنتازية للحد الذي تتلمس تعطيل الإدراك المنطقي للواقع، فقصة (العازف) تتعرض إلى خرق النظام الكوني بموضوعات انكماش الوعي الإنساني وانفراد الحيوان بعوالم إنسانية، فممارسات عزل (العازف) عن الواقع الإنساني (القرية)، واستجابة الواقع الحيواني (الغابة) له، تسهم بالتوصيف الفنتازي في سرد الأمكنة، فبعد مقاطعة أهل القرية له (قرر التوجه إلى صديق البشر الأزلي (الحيوان)، الكلاب والقطط والغزلان والأغنام وأنواع الماشية شكلت حوله دائرة وهي تراقب تموجه وتنغيمه، فقد آلف عزفه بين الغرماء ومازج بين نفوس الأعداء بالمخالطة المحببة، حتى أقبلت الوحوش أيضا تراقب حركته الباهرة في العزف، كالذئاب والثعالب)، لتكتسب الغابة توصيف العلاقة بمغايرة المنطق المألوف، بدمج عالم الحيوان بعالم الإنسان، ما يكسب القرية خصائص الغرائبية في ضوء الوعي الذي يتجاوز الحالة الطبيعية للإنسان.
وإذا قاربنا قصة (المتسول) فسنجد أن الغابة ترتبط بالصراع بين سكان الغابة (الحيوانات) سعيا لتبوؤ مواقع الإدارة، من دون مرجعية معرفية، إذ يفيد السرد بتوظيف السخرية لتعميق دلالة التوصيف المكاني: (صارت للضبع منصة يجلس فيها، وتأتي الحيوانات مغنية مبايعة لحاكمها الأوحد، وكان يجلس في الجهة المقابلة للمنصة حمار متسول شائخ أفلت من عضة أسد متراخية، تفجرت ثورة حيوانية كبرى أطاحت بنظام الضبع وزبانية، الحمار المتسول نهق عاليا بحياة الثورة ومن فجرها)، فالواقع الذي اصطبغ بالوحشية، أشبه بالغابة لاشتماله على تحولات إدراكية في الوعي الإنساني، ما يعني أن توصيف المكان انتقل عند الكاتب إلى بُعد ينتقل إلى الارتباط بالخيال واللاممكن، وهذا التوصيف يعد أكثر تشخيصا للمعنى مما لو كان سرده بعناصر إنسانية، ليمكننا القول، إن الفنتازيا المكانية عند أنمار رحمة الله، ترتبط بالتحول القيمي وانعكاس السرد على قضايا الواقع التي تفرزها حياة الإنسان.
يرتبط الحدث بالوقائع التي تفصح عنها حركة الشخصيات، فيكتسب خصوصية تدفع بالسرد إلى الاندماج بمرجعية تعبر عن نفسها إشارات تقرب المعنى الحكائي إلى وعي الكاتب، ليكتسب النص في ضوء ذلك ازدواجية المضمون، الذي يفصل عرى الواقع عن اللاواقع، بوضع المتلقي أمام قوانين جديدة تخترق أنظمة الطبيعة الإنسانية، وتجعله مترددا في تفسير ظواهرها، فضلاً عن توصيفها بالتقاطع والتخيلي والتجريبي، وفي سردية أنمار رحمة الله، دلائل تصور الحدث بمركب ثلاثي: (مدلول، مؤول، توصيف)، يبرز الأول بوصفه المعنى البؤري، والثاني المعنى المتحقق، بينما يرتبط الثالث بالحصيلة النتائجية التي تتحيز إلى فكرة، ليتعين الحدث بموضوع ذي خصائص فنتازية، فمجموعة (خياط الأرواح)، تعرض أحداثاً لا يُسلم بتقبلها ذهنيا؛ لأن طبيعة الحدث تخرج إلى فنتازيا التوصيف الغرائبي، التي هي مداد التجربة الذاتية ومحاولات الخروج من المحاصرة النفسية والشعورية، بحثا عن التوازن والاستقرار، الذي يعيد للفرد خصوصيته في العالم الخارجي، بمقاربة خياطة الأقمشة والفصال ومقاساته، لتنعكس على خياطة الروح، وإجراء عمليات تعالج تفتقاتها وإزالة الزوائد منها وتحجيم مظهرها: (عند اقترابي من ماكنة الخياط رأيتها بشكل أوضح من ذي قبل، سألني الخياط الذي الذي أمهلني تلك الفرصة للتعرف على المكان، بعد أن حان موعد العمل: روحك ممزقة يا بني، بعد أن سحب الخياط روحي من فمي ومباشرة حلقت في فضاء الغرفة ناظراً إلى جسدي الذي تكوم على الكرسي وسال على الأرض بعدها)، فالحدث يتعرض إلى المقاربة الشعورية بين عالمين: يمثل الأول الوجود الحقيقي الذي تتموقع داخله شخصية واعية تعاني الإسار والمحاصرة من الداخل، والآخر وهمي أو حلمي تتطلع إليه الشخصية بوصفه إرادةً وغاية، يسعى إلى تحقيقها، وهذا التمثيل السردي يعرض المواجهة بين ما هو حقيقي وما هو فنتازي، ويمنح الأخير تفاعلا إنسانيا يستوعب المدركات الخاصة التي يصطدم تحقيقها بالواقع.
يكتسب الحدث الفنتازي عند أنمار، دليلا يفسر الانجذاب إلى ما هو خارج العادة البشرية، ليشتغل ضمن الرغبة التي تجعل الذات أمام تقبل الغرائبي، أي بإقامة علاقة اتصال مع النقيض في الحياة، والقاص عندئذ يعرض رؤاه التي صارت تتطلع إلى عالمها الحقيقي في ضوء المتغيرات، التي تنعكس على الإنسان وعاداته الطبيعية، وقد قدم لذلك المدلول عرضا مشهديا بإجراء عملية كبرى للروح: (وأخذني إلى الماكنة، وأخرج عدة العمل الخاصة به، سألته: ماذا ستفعل؟ فضحك وأجاب: سأعيد تفصيل روحك – جروحك القديمة والحديثة- لا تقلق كل شيء سيكون على ما يرام، أخرج مقصا ناريا وراح يشق ويقيس بدقة المسافات بين جرح وجرح، ثم يضع رقعة خضراء على كل جرح ويسحبني تحت إبرة الماكنة مبتدئا عملية الخياطة)، فحدث العملية توصيف فنتازي يؤول إلى حجم المعاناة التي تلازم المثقف، ضمن ممارسات القمع الفكري والمحاصرة النفسية التي تجعل منه وجودا صنميا، حتى آل إلى مفارقة الواقع الذي يأسر تطلعاته، ومن هنا ندرك اشتغال الحدث فنتازيا، مكن السارد من توصيف الواقع وإبراز مشكلاته، ليتجسد (فكرة) تتجاوز المنطق الإنساني، ما يعني أن حدث خياطة الروح ينعكس على الصراع الذي يعانيه المثقف أمام تحولات الواقع الذي صار يتسبب بأوجاعه الكثيرة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك