منذ التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار في غزة في العاشر من أكتوبر/تشرين الأول الماضي، عمد الاحتلال إلى ترسيخ معادلة القتل في غزة عبر سلسلة من المعادلات والوقائع الأمنية والعسكرية في القطاع، بهدف الحفاظ على حالة التحكم بالمشهد الميداني.
ولا يكاد يمضي يوم من دون خروق إسرائيلية للاتفاق أو عمليات قصف جوي ومدفعي تطاول المناطق غير المصنفة بـ" الخط الأصفر"، فيما يعمد الاحتلال الإسرائيلي إلى تبرير ذلك بخروق أمنية في محاولة لتبرير ذلك للرأي العام الدولي.
وبحسب تقديرات حكومية في غزة، فإن عدد الشهداء تجاوز منذ الوصول إلى اتفاق وقف إطلاق النار بموجب خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب 600 شهيد ونحو 1700 إصابة، نتيجة للخروق الإسرائيلية المتكررة.
وشهد يوم أمس الأحد، خرق الاحتلال الإسرائيلي اتفاق وقف إطلاق النار ما تسبب في سقوط 11 شهيداً على الأقل.
وباتت معادلة القتل في غزة اعتيادية بالنسبة للفلسطينيين من خلال تحول ذريعة" الأحداث الأمنية" إلى مسبب لعمليات قصف تستهدف مناطق داخل القطاع أو لتنفيذ اغتيالات بحق كوادر من المقاومة الفلسطينية وقيادات ميدانية.
ورغم التعميمات الأمنية التي أصدرتها المقاومة لكوادرها بالتخفي وعدم التنقل الواسع واستخدام أجهزة الاتصالات الحديثة، إلا أن الاحتلال قام بسلسلة من الاغتيالات طاولت قيادات ميدانية على مستوى" كتائب القسام" و" سرايا القدس"، وآخرهم القيادي في السرايا سامي الدحدوح.
ويبدو الاحتلال معنياً بتثبيت معادلة" القتل" في غزة والاغتيال، بالرغم من الحديث عن دخول المرحلة الثانية من الاتفاق، في وقت لم يتم تنفيذ أي من بنودها على أرض الواقع باستثناء الفتح المقيد لمعبر رفح البري.
أحمد عطاونة: معادلة القتل في غزة تعكس خللاً كبيراً في موازين القوى.
وقال مدير مركز رؤية للتنمية السياسية، أحمد عطاونة، إن الواقع الميداني والسياسي يشير إلى أن إسرائيل نجحت في فرض معادلة القتل في غزة والمنطقة، مستندة إلى تفوقها العسكري والدعم الأميركي، إضافة إلى حالة الضعف الإقليمي، ما منحها القدرة على تنفيذ عمليات القصف والهجوم دون خشية من ردود رادعة.
وأضاف عطاونة في حديثٍ لـ" العربي الجديد"، أن معادلة القتل في غزة تعكس خللاً كبيراً في موازين القوى الدولية والإقليمية لصالح حكومة الاحتلال، مشيراً إلى أن الانحياز الأميركي الكامل لإسرائيل أسهم في ترسيخ هذا الواقع، ومنحها هامشاً واسعاً للتحرك العسكري دون محاسبة أو ضغوط فعالة.
وفيما يتعلق بالمبررات التي تقدمها الحكومة الإسرائيلية لعملياتها العسكرية، أكد عطاونة أن هذه التبريرات لا تحظى بقناعة حقيقية، سواء على المستوى الإقليمي أو الدولي، بل وحتى داخل إسرائيل نفسها.
وأوضح أن إسرائيل هي من يحدد طبيعة" الخرق" وتوقيته وشكل الرد عليه، من دون وجود آلية تحقق مستقلة أو رقابة جدية، الأمر الذي يثير تساؤلات واسعة حول فعالية آليات التنسيق والرقابة الدولية، وكذلك حول الدور الأميركي وجدوى الأطر القائمة لمتابعة الأوضاع في قطاع غزة.
وأشار إلى أن ما يحدث في غزة، كما في لبنان، يعكس سياسة قائمة على تنفيذ عمليات عسكرية عندما ترى إسرائيل أن الظروف مناسبة، ثم تقديم مبررات لاحقة، في ظل غياب التدقيق الدولي الجاد أو المساءلة الحقيقية.
ولفت عطاونة إلى أن هذا السلوك الإسرائيلي ستكون له تداعيات كبيرة على مختلف المسارات السياسية القائمة، بما في ذلك أي خطط أو مبادرات دولية تتعلق بالتهدئة أو الاستقرار، موضحاً أن استمرار العمليات العسكرية سيقوض فرص نجاح هذه المسارات، ويجعل من الصعب تحقيق تقدم حقيقي في ظل غياب التزام واضح بقواعد الاستقرار.
ومنذ أيام يزور وفد من حركة حماس برئاسة خليل الحية وعدد من قادة الحركة العاصمة المصرية القاهرة، لإجراء لقاءات مع المسؤولين المصريين والفصائل الفلسطينية بشأن المرحلة الثانية وبدء عمل اللجنة الوطنية لإدارة غزة.
إلى ذلك، رأى الكاتب مصطفى إبراهيم، أن إسرائيل رسخت عملياً معادلة القتل في غزة التي استمرت طوال العامين الماضيين من حرب الإبادة، ولم تتوقف حتى بعد إعلان وقف إطلاق النار، مشيراً في حديثٍ لـ" العربي الجديد"، إلى أن الأشهر الأربعة التي أعقبت الاتفاق شهدت استمرار عمليات القتل بذرائع مختلفة، في إطار سياسة إسرائيلية ثابتة لم تتغير رغم الانتقال إلى مراحل التهدئة.
وأضاف إبراهيم أن عمليات القتل اليومية ما تزال مستمرة، خصوصاً بحق الفلسطينيين الذين يقتربون مما يسمى" الخط الأصفر" أو بذريعة تجاوز هذا الخط، مؤكداً أن هذه السياسة تعكس توجهاً إسرائيلياً لفرض واقع أمني جديد في القطاع، ومن المرجح أن تستمر خلال المرحلة المقبلة في ظل غياب أي رادع حقيقي أو ضغط دولي فعّال.
مصطفى إبراهيم: ستواصل إسرائيل تبرير عملياتها العسكرية بذريعة" أحداث أمنية".
الاحتلال ومواصلة تبرير العمليات العسكرية.
وتوقع أن تواصل إسرائيل تبرير عملياتها العسكرية بذريعة" أحداث أمنية"، رغم أنها ليست بحاجة فعلية إلى هذه المبررات، لكنها تقدمها لتبرير أفعالها أمام المجتمع الدولي، مشيراً إلى أن تكرار هذه الذرائع، كما حدث في حادثة استشهاد فلسطينيين في بيت حانون بزعم خروجهم من نفق، يعكس نمطاً متكرراً منذ وقف إطلاق النار.
وبيّن إبراهيم أن هذه السياسة تأتي في إطار العقيدة العسكرية الإسرائيلية المعروفة" بجز العشب"، والتي تهدف إلى منع تنامي قدرات المقاومة والحفاظ على التفوق الأمني الإسرائيلي، مؤكداً أن الذرائع الأمنية التي تستخدمها إسرائيل تفتقر إلى المصداقية، خصوصاً في ظل صمت دولي وعدم اتخاذ إجراءات جدية لوقف هذه الانتهاكات.
وفي ما يتعلق بموقف الفلسطينيين، أشار إبراهيم إلى أن حالة الضعف الحالية وعدم قدرة المقاومة على الرد العسكري، سواء لأسباب تتعلق بالقدرات أو بحسابات مرتبطة بالحفاظ على وقف إطلاق النار، أسهمت في تعزيز القوة الردعية الإسرائيلية.
وأضاف أن الشارع الفلسطيني يعيش حالة من القلق والانقسام بين من يفضل تجنب التصعيد، ومن يتساءل عن غياب الرد على عمليات القتل اليومية، خصوصاً في مناطق مثل رفح، مبيناً أن إسرائيل تسعى من خلال هذه السياسة إلى ترسيخ سيطرة أمنية طويلة الأمد على القطاع.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك