يعد العداء الفكري والعقدي الإيراني تجاه" الغرب" متمثلا في الولايات المتحدة و" قاعدتها المتقدمة" في المنطقة، إسرائيل، موضع تساؤل دائم وغالبا ما تفشل الإجابات الشائعة في إصابة كبد الحقيقة.
فإما أن يغرق الجواب في حفريات فكرية أو فقهية وعقدية مجردة، باحثا عن جذور العداء في بطون الكتب بمعزل عن التموجات الاجتماعية والزمنية، وإما أن يستغرق في قراءة الأحداث والسياقات، التي تختزل التحولات الكبرى في منعطفات تاريخية درامية، مما يؤدي إما إلى بتر الأفكار عن حاضنتها التاريخية أو تفريغ التاريخ من أبعاده الفكرية والفلسفية.
وانطلاقا من فرضية أن" وعي" أي مجتمع بشري لا يتشكل في فراغ، نحاول هنا استدعاء المنهجية" البنيوية التكوينية" لعالم الاجتماع والفيلسوف الفرنسي لوسيان غولدمان، وتحديدا مفاهيمه المركزية حول" الإله الخفي" و" رؤية العالم".
إذ يقرر غولدمان في أطروحته الجوهرية أنه لا يمكن فهم أي نتاج فكري أو عقائدي إلا بربطه بتركيبة المجتمع التي أنتجته، وباللحظة التاريخية التي عانى فيها هذا المجتمع من" توتر وجودي" بين قيمته العليا المطلقة وواقعه التاريخي المتردي.
في السياق الإيراني، ساد لزمن طويل تفسير" اختزالي" يُحِيل كل أدبيات العداء للولايات المتحدة وإسرائيل إلى لحظة" الصدمة السياسية" المتمثلة في عملية" أجاكس" عام 1953 التي تآمرت فيها المخابرات الأمريكية والبريطانية مع الشاه الإيراني للانقلاب على حكومة محمد مصدق.
ورغم مركزية هذا الحدث إلا أن قراءته كنقطة انطلاق منعزلة للموقف الإيراني تجاه الغرب تطمس مسارين جوهريين كانا يتشكلان بروية في خلفية تلك الأحداث الساخنة.
الأولى: المسار الفكري متمثلا في ظهور" الجهادية الشيعية" التي كانت أسبق أحيانا من نظيرتها السنية، على يد رجل الدين الشيعي الإيراني نواب صفوي، ومؤسس تنظيم «فدائيان إسلام» (فدائيي الإسلام) الأصولي الذي وضع محاربة الأفكار الغربية ضمن مبادئه الجوهرية.
وكذلك أفكار جلال آل أحمد الماركسية التي بدأت المواجهة مع الولايات المتحدة والغرب في مرحلة مبكرة قبيل انقلاب مصدق.
أما المسار الثاني فهو" المأسسة الفكرية" التي تلت الحدث، وحولته إلى نقطة لبناء عالم فكري قادر على إنتاج موقف صلب ومستمر، لا مجرد ردة فعل نفسية غاضبة ستزول فور انتهاء الحدث.
إن لحظة 1953 لم تكن مجرد انقلاب عسكري، بل كانت انعطافة تاريخية أكدت" تراجيدية" الواقع لدى النخب الدينية والفكرية الإيرانية، مما دفعهم للبحث عن" مخلص" (أو" إله خفي" وفق نظرية غولدمان، سواء كان ذلك في الإسلام السياسي أو المهدوية أو الثورة الحسينية أو التجربة العرفانية أو المقاربة اليسارية النضالية)، كبديل عن الواقع السياسي الفاسد الذي تلوث بالتدخل الأمريكي.
كانت النظرة الإيرانية ناتجة عن امتزاج بين المسارين" الديني - الفقهي" والسياسي لا يمكن قراءتها إلا ضمن التحولات في العالم الإسلامي الأوسع الذي كان يخوض مواجهات مختلفة الأشكال والحدة في مواجهة التحديث، والعلمنة والاستعمار الإمبريالي، ونهب الثروات والموارد، وفقدان الأمة لمركزها السياسي وتهميشها في حيزها الجغرافي.
في إيران، يمتد ذلك الخط التاريخي منذ ثورة التبغ (مارس/آذار 1890 - نشبت إثر منح ناصر الدين شاه حق تجارة التبغ في إيران لشركة بريطانية) على يد ميرزا حسين الشيرازي مرورا بكتابات أبو القاسم الكاشاني الذي استخدم نفوذه الديني لدعم توجه مصدق المناهض للغرب وقدم مجموعة من التنظيرات المبكرة التي تربط تراث الإمامية بالعمل السياسي، وصولا إلى النسخة الفقهية والسياسية الأكثر تطورا التي طورها آية الله الخميني.
دون أن ننسى جهادية نواب صفوي، وفلسفات أحمد فرديد ونضاليات جلال آل أحمد، وإسهامات علي شريعتي وتجارب قراءة الذاكرة الشيعية لمرتضى مطهري، وتجربة" العرفان المسلح" لمصطفى شمران وغيرها.
وعليه فإن هذه المقالة لا تنظر إلى النصوص المؤسسة للعداء باعتبارها مجرد ردود فعل سياسية، بل بوصفها نتائج لتحولات شعورية واجتماعية كانت تتشكل ببطء.
إن الفصل بين" الفكري" و" الاجتماعي-التاريخي" هو الذي يولد الوهم بأن العداء الإيراني للغرب وليد اللحظة السياسية، أو أنه عداء غير أصيل، مما يعزز" قراءة طائفية" تعمد إلى عزل إيران عن محيطها، بينما تمثل إيران في الواقع جزءا لا يتجزأ من فسيفساء العالم الإسلامي الكبير.
الأصلالتصحيح.
لم تتسبب مشاهد تحرك الدبابات في شوارع طهران عام 1953 في سقوط حكومة مصدق فحسب، بل كانت لحظة انهيار للوعي التقليدي الإيراني الذي بدأ يلتفت نحو الداخل باحثا في جذور تلك الهزيمة.
وبتطبيق مقولة لوسيان غولدمان بأن" الفكر هو لحظة التوازن المؤقت داخل صيرورة التاريخ"، أي أن الفكر يحاول تحقيق التوازن المفقود في الواقع، ندرك كيف تحول العداء لأمريكا وإسرائيل من مجرد موقف سياسي نخبوي إلى" عقيدة خلاصية"، بل وبرنامج سياسي لجموع الإيرانيين.
لقد قادت عملية أجاكس (Operation Ajax) التي أطاحت بمحمد مصدق إلى قناعة تاريخية قاسية لدى الإيرانيين مفادها أن العالم" فاسد كليا"، ولا يمكن إصلاحه بالأدوات السياسية التقليدية، مما أدخل الوعي الإيراني في" رؤية مأساوية" استحالت فيها المواءمة بين القيم المطلقة والواقع التاريخي المدنس.
وما زاد من تراجيدية اللحظة أن إيران كانت تعيش قبل هذا الانقلاب حقبة تفاؤل نسبي بمشروع" الحداثة الوطنية" الذي قاده مصدق، الذي كان يرى في الولايات المتحدة قوة ثالثة قد تساهم في التحرر من الإمبريالية البريطانية والاتحاد السوفيتي" الملحد".
وهكذا، فإن الدبابات الأمريكية التي أنهت هذا الحلم لم تسقط حكومة مصدق فحسب، بل أسقطت معها الرهان على" الحداثة المستوردة" أو إمكانية التعايش معها.
هنا تحولت أمريكا في الوعي الجمعي من شريك محتمل إلى تجسيد للشر المطلق الذي يحول دون تحقق العدالة الإلهية.
وأصبح الشاه محمد رضا بهلوي، الذي أعيد تثبيته على العرش بعد الانقلاب على مصدق، مجرد حاكم ظاهري مغتصب يمثل حداثة زائفة، بينما غابت العدالة الحقيقية بانتظار" الإله الخفي".
وبدلا من السعي لإصلاحات برلمانية دنيوية، اتجه" الوعي الممكن" نحو حل راديكالي مسياني (Messianic)، أصبحت فيه أمريكا وإسرائيل" عقبات وجودية" تحجب ظهور الحق، مما جعل العداء لهما واجبا عقديا يتجاوز السياسة، ودفاعا عن" الأصالة" المهددة أمام تغول حداثة قسرية ومشوهة.
وفي الوقت الذي يوفر فيه غولدمان مفاتيح فهم المحتوى الداخلي لهذه" الرؤية المأساوية"، يمدنا الفيلسوف الإيطالي الماركسي أنطونيو غرامشي بأدوات تفسير الكيفية التي استثمرت بها طبقة رجال الدين هذا المحتوى لتحويله إلى" هيمنة ثقافية" راسخة.
ففي أعقاب انهيار الحصن العلماني للنخبة الوطنية وهزيمة مشروعها التحديثي، برز رجل الدين ليس كفقيه منعزل، بل كمثقف عضوي، يعبر عن هموم الطبقات المهمشة من" البازار" (طبقة التجار الإيرانيين التقليديين) والطلبة والفقراء الذين شعروا بأنهم طُردوا من متن التاريخ إلى هامشه.
لقد أدرك الملالي بفطرتهم أن الفراغ الذي خلفته القومية العلمانية لا يملأه إلا خطاب" الأصالة الدينية"، فاستبدلوا لغة النخبة المهزومة بمفردات تفهمها الجماهير: " الحسين"، " الظلم"، " العدالة"، مؤسسين بذلك لقطيعة تامة مع الفكر الغربي.
استغل رجال الدين استقلالية المؤسسة الدينية لبناء شبكة واسعة من المساجد والحسينيات بعيدا عن أعين السلطة، حيث أعيد تعريف الولايات المتحدة وإسرائيل لا كحلفاء سياسيين للشاه فحسب، بل كرموز للغزو الثقافي الذي يهدد الهوية الإسلامية.
وقد نجحوا في تحويل أيديولوجيتهم الخاصة إلى" حس مشترك"، أصبح بموجبه العداء لأميركا" الشيطان الأكبر" بدهية إيمانية، ومرادفا للحفاظ على الأصالة ضد التغريب.
كما أُعيد تعريف الصراع مع إسرائيل من نزاع إقليمي حدودي عربي إلى قضية وجودية تمس المقدسات، لتنخرط الجماهير الإيرانية في صراع عقائدي يتجاوز القومية.
كرد فعل على ذلك، حاول الشاه موازنة نفوذ رجال الدين" المتمردين" في قم من خلال دعم المرجعيات الشيعية في النجف، حدث ذلك تحديدا عبر اعترافه بالسيد محسن الحكيم كمرجع أعلى للشيعة بعد وفاة آية الله البروجردي في قم عام 1961، ونفي الخميني نفسه إلى النجف في وقت لاحق لتقليل نفوذه السياسي في إيران.
غير أن هذه الخطة جاءت بنتائج عكسية وتسببت في تعاضد حوزة قم مع الخميني ومنحه أعلى درجات المرجعية التي لم يكن قد حصل عليها، في إطار الدفاع عن استقلاليتها.
نجح الخميني بوصفه قمة هرم المثقف العضوي، في تشكيل" كتلة تاريخية" صلبة جمعت بين الفقراء والمثقفين وتجار البازار، مستخدما" العداء لأأميركا وإسرائيل" ملاطا يوحد هذه الطبقات المتنافرة.
فإذا كان غولدمان يفسر لنا البحث التراجيدي عن العدالة المفقودة، فإن غرامشي يوضح كيف حول الملالي هذا البحث إلى فعل ثوري، دمجوا فيه بين التوق للخلاص الغيبي وبين استعادة الأصالة المفقودة، لتصبح" الثورة" هي الرد الوجودي الوحيد على الحداثة المشوهة التي رعتها أمريكا ومن قبلها بريطانيا.
يعد مجتبى ميرلوحي" نواب صفوي" الحلقة الأهم في مسيرة تحول الحركات الإسلامية الإيرانية المعاصرة، حيث مثل نقطة الانعطاف عن" التشيع التقليدي" الذي يميل للتقية والانتظار السلبي إلى" التشيع الثوري الجهادي" الذي يرى في إقامة الحكومة الإسلامية ومقارعة الغرب" فرضا" لا يسقط بغياب الإمام المعصوم.
لم تنشأ فكرة الجهاد المسلح عند صفوي من فراغ، بل كانت نتاج تلاقح فكري عابر للمذاهب، تأثر فيه بالتيارات الإسلامية" السنية" الحركية، وبالواقع السياسي المؤلم في فلسطين، مما جعله يتجاوز الطائفية نحو" الجامعة الإسلامية"، إذ شكلت أدبيات جماعة الإخوان المسلمين الرافد الأبرز لأفكار نواب صفوي، وتذكر المصادر أن صفوي وجد" ضالته" في الإخوان المسلمين، حيث اعتبرهم" مجددين حقيقيين" قادرين على النهوض بالأمة.
بدأ نشاط جماعة صفوي التي عرفت باسم" فدائيو الإسلام" في إيران باغتيال المفكر الإيراني أحمد كسروي عام 1946، باعتباره رمزا للعلمانية.
كما تورطت جماعة صفوي كذلك في اغتيال رئيس الوزراء الإيراني رزم آرا عام 1951، وذلك لأنه عارض" تأميم النفط"، وقال إن الإيرانيين عاجزون عن إدارة صناعتهم، فكان قتله" واجبا شرعيا" في نظر صفوي وجماعته لقطع يد الاستعمار البريطاني، في سلوك يذكّر باغتيال وزير المالية المصري أمين عثمان عام 1944 على يد مجموعة ضمت الرئيس المصري محمد أنور السادات، إذ صرّح عثمان بأن العلاقة بين مصر وبريطانيا هي علاقة زواج كاثوليكي لا يقبل الانفصال.
ثم جاءت نكبة فلسطين لتكون المحرك العملي الذي فجر" الطاقة الجهادية" عند صفوي، ونقل الصراع من الداخل الإيراني إلى" الجهاد المقدس" ضد الصهيونية والغرب.
فلم تكد تمضي أيام على إعلان تأسيس دولة الاحتلال الإسرائيلي عام 1948 حتى عقد صفوي تجمعا حاشدا في طهران، وفتح باب التطوع للجهاد في فلسطين، حيث سجل 5 آلاف متطوع أسماءهم.
لم يكتفِ صفوي بالشعارات، بل طالب الحكومة الإيرانية رسميا بالسماح له وللمتطوعين بالسفر للقتال، وهو ما رفضته حكومة الشاه.
كانت نكبة فلسطين محورية في أفكار الإخوان المسلمين أيضا، وربما أسهم ذلك في نشوء رابطة روحية خاصة بين فدائيي الإسلام والإخوان، تجاوزت الخلاف المذهبي نحو وحدة الهدف السياسي" الجهادي" ضد الاستعمار الغربي.
وتُوج هذا التأثر بزيارة صفوي لمصر عام 1953 حيث التقى بقيادات الجماعة وفي مقدمتهم سيد قطب.
كما التقى صفوي رئيسي مصر السابقين محمد نجيب وجمال عبد الناصر أثناء الزيارة نفسها.
وضمن برنامج الزيارة، ألقى صفوي كلمات حماسية في جامعة القاهرة وفي الأزهر؛ دعا فيها لتأميم قناة السويس وتطبيق الشريعة.
كما ذهب صفوي إلى القدس التي كانت تحت الإدارة الأردنية في ذلك الوقت، والتقى تقي الدين النبهاني مؤسس حزب التحرير، وشارك في المؤتمر الإسلامي في القدس، وألقى خطابات نارية باللغة العربية تدعو لتحرير القدس والثورة ضد الحكومات الموالية للغرب، مما أدهش الحاضرين بجرأته.
وهكذا أسس صفوي لمدرسة" الجهادية الشيعية" التي تقوم على الصدام المباشر مع الغرب وأدواته المحلية، مرتكزا على عدة أصول وخصائص نظرية وعملية، أولها هو رفض الهيمنة الغربية (الاستعمار)، حيث اعتبر صفوي أن الغرب متمثلا في بريطانيا، أمريكا، وحتى روسيا هو العدو الأول للإسلام.
وتجلى ذلك في معارضته الشرسة لحلف بغداد الذي تشكل عام 1955 بدعم من إنغلترا لمواجهة الاتحاد السوفياتي، حيث اعتبره صفوي أداة استعمارية لربط إيران بالعجلة الغربية، ووصل به الأمر لمحاولة أحد أعضاء" فدائيي الإسلام" اغتيال رئيس الوزراء حسين علاء لمنعه من توقيع المعاهدة، معتبرا تلك المعاهدة" خيانة للإسلام".
المعلم الثاني (الأكثر عملية) في تجربة صفوي هو الاعتماد على التصفية الجسدية أو ما أطلق عليه" الاغتيال المقدس".
فخلافا للمرجعية التقليدية، شرعن صفوي الاغتيال السياسي كأداة ثورية" جهادية" وأسس جماعته" فدائيي الإسلام" على مبدأ الفداء والتخلص من رؤوس الفساد.
أما الأصل الثالث، فهو مسألة الحكومة الإسلامية، حيث سبق صفوي الخميني في طرح فكرة الحكومة الإسلامية في شكل برنامج مفصل.
ففي كتابه" برنامج فدائيي الإسلام"، طرح صفوي رؤية شاملة لمجتمع يُحكم بالشريعة، رافضا القوانين الوضعية المستوردة من الغرب، ومطالبا بتطهير المجتمع من المظاهر الغربية مثل السفور، والخمور، والسينما" الماجنة".
نتيجة لأفكاره تلك، دخل صفوي في صدام مع مرجعية قم متمثلة في آية الله البروجردي، الذي كان يرى صفوي" شابا متهورا ينقصه التعمق في الدين"، وعارض نهجه المسلح، لذلك عندما تم القبض على صفوي وحكم عليه بالإعدام، رفض البروجردي التوسط لدى الشاه لتخفيف حكم الإعدام عنه، وهو ما اعتبرته الجماعة" خذلانا" قاد إلى إعدام صفوي عام 1956.
لعلنا لا نبالغ إذن حين نقول إن حركة نواب صفوي رغم انتهائها تنظيميا بإعدامه، إلا أنها مهدت الطريق للثورة الإسلامية في إيران، ولا عجب إذن أن اعتبرته العديد من التيارات الإسلامية الإيرانية اللاحقة" مجاهدا رائدا".
وقد أعلن الخميني لاحقا عن تبني نفس المنطلقات التي نادى بها صفوي وعلى رأسها" الحكومة الإسلامية" و" مقارعة الاستكبار" (الغرب)، ونادى بـ" فلسطين كقضية مركزية".
ويمكن القول من سياق التحليل إن الخميني في تلك الفترة كان" قلبه مع نواب صفوي"، ومع الثورة والجهاد ضد" الغرب"، لكن" عقله كان مع البروجردي" احتراما لتراتبية الحوزة ووحدة الصف الشيعي.
ولكن بمجرد وفاة البروجردي وصعود نجم الخميني، انفجرت تلك" البذرة الجهادية" التي زرعها صفوي، لتتحول إلى ثورة شاملة في عام 1979.
لقب أحمد فرديد بـ" الفيلسوف الشفهي" حيث كان يلقي المحاضرات ويعقد الندوات، ويدخل في جدالات عنيفة، لكنه كان يكره التدوين.
يُعد فرديد من أدخل الفلسفة الألمانية إلى الفكر الإيراني المعاصر، متأثرا بالفيلسوف الألماني مارتن هايدغر.
وقد صاغ ثنائية الشرق والغرب صياغة فلسفية، لا جغرافية ولا سياسية، حيث رأى فرديد أن تاريخ الفلسفة الغربية في جوهره هو حركة ابتعاد عن" الحقيقة الوجودية"، بدأت منذ الفلسفة اليونانية التي ركزت على" العالم" بدلا من «الحقيقة الروحية»، ووصل إلى ذروته في العصر الحديث مع النزعة الإنسانية، حيث أصبح الإنسان هو مركز الكون بدلا من الله.
بالنسبة لفرديد، يمثل الغرب" الهيمنة"، بينما يمثل الشرق" الحقيقة"، ويشير مفهوم" غرب زدكي" عنده إلى" داء التسمم بالثقافة الغربية" الذي يطال جوانب الحياة الثقافية، الفكرية، والحضارية للمجتمعات غير الغربية التي لا تملك جذورا تاريخية.
كما يعد تلميذه رضا داوري أردكاني واحدا من أبرز المنظرين الأيديولوجيين للجمهورية الإسلامية بعد الثورة حيث حول الأفكار الفلسفية المجردة لأستاذه إلى مشروع سياسي مضاد للديمقراطية الغربية، بل وللشيوعية أيضا.
يستخدم داوري فلسفة هايدغر وهيغل ليرى الغرب ليس كيانا سياسيا يمكن التعامل مع أجزاء منه، بل" جوهر" و" كل موحد".
ويجادل بأن الغرب يمثل" طريقة تفكير" بدأت منذ عصر النهضة، جوهرها هو" موت الحقيقة المقدسة" وصعود الإنسان الذي يرى نفسه مالكا للكون.
وبما أن الغرب كل لا يتجزأ، فلا يمكن للمسلمين أن ينتقوا منه بحيث يأخذون التكنولوجيا ويتركون الثقافة، لأن التكنولوجيا نفسها ليست مجرد أدوات بل" نظام تفكير" يهيمن على الوجود ويستعبد الإنسان.
يرى داوري أن" النزعة الإنسانية" هي جوهر الغرب الفاسد، لأنها تضع الإنسان مكان الله.
وبناء عليه يرفض الديمقراطية الغربية لأنها تقوم على فصل الدين عن السياسة، ويعتبرها نظاما" منحطا".
ويطرح داوري فكرة" المجتمع الفاضل" القائم على" الولاية والنبوة" (مستلهما أفكار الفارابي عن المدينة الفاضلة) كبديل للديمقراطية الليبرالية، حيث يستند الحكم إلى الوحي لا إلى العقل البشري المستقل.
وتجلى عداء داوري لليبرالية في هجومه الشرس على الفيلسوف كارل بوبر، معتبرا إياه عدوا للدين وممثلا للتفكير الوضعي الذي يخدم الإمبريالية.
في المقابل دافع داوري عن هايدغر واعتبره" حكيم العصر" الذي يفضح ماهية الغرب التقني.
على نهج موقف هايدغر من التكنولوجيا، يعتبر داوري التكنولوجيا الغربية نظام تفكير يستعبد الإنسان، وتعد هذه الفكرة إحدى ركائز رؤية الثورة الإيرانية للتقدم التكنولوجي الأمريكي والإسرائيلي، إذ يستند أردكاني إلى فلسفة مارتن هايدغر ليرفض النظرة الشائعة للتكنولوجيا باعتبارها مجرد" وسائل" أو آلات محايدة يمكن استخدامها للخير أو للشر.
في المقابل، يجادل بأن التكنولوجيا هي طريقة تفكير وهيمنة على الوجود.
فالتكنولوجيا تمثل" ميتافيزيقيا الوجود" التي تحبس الإنسان وتخضعه لسطوتها.
يرى داوري أن التكنولوجيا التي وُعد الإنسان بأن تكون سببا لتحريره، تحولت في النهاية إلى وسيلة لسجنه.
فبدلا من أن تجعل الناس فاعلين، أدت إلى إخضاعهم.
ويربط داوري التكنولوجيا بجوهر الغرب الذي يراه" كلا موحدا"، فتاريخ الغرب الحديث بدأ مع" النزعة الإنسانية" التي وضعت الإنسان مكان" الحقيقة المقدسة".
ولّدت هذه النزعة رغبة في السيطرة على كل شيء في الكون، والتكنولوجيا هي التجسيد العملي لهذه الرغبة في الهيمنة.
وبما أن الغرب" كل موحد"، فلا يمكن فصل التكنولوجيا عن جذورها الفلسفية كالنزعة الإنسانية.
لذا فإن استيراد التكنولوجيا يعني حرفيا استيراد نظام الهيمنة الذي يستعبد الروح.
يتبنى داوري وجهة نظر هايدغر في أن" العدمية" هي النتيجة المنطقية للتكنولوجيا الحديثة.
فهذا النظام التقني يؤدي إلى الاغتراب والعزلة، وينتهي بنفي القيم الروحية الشرقية، مما يضع الإنسان في قفص حديدي من صنع نفسه.
وباختصار، فإن التكنولوجيا هي تجسيد لروح الحداثة الغربية القائمة على تأليه الإنسان وحب السيطرة، مما يجعلها نظاما يفرض منطقه الخاص على البشر ويجردهم من حريتهم الروحية، محولا إياهم إلى تروس في آلة الهيمنة.
كان أثر فرديد وتلامذته على الثورة الإيرانية واضحا، إذ يصور داوري الثورة الإسلامية كمحاولة للخروج من عجلة تاريخ الغرب التي تهرول نحو حتفها.
الحل الذي يطرحه داوري هو" القطيعة الثورية" مع النزعة الإنسانية الغربية والتسليم لله.
ويرى أننا كنا نعيش تحت ظل" فرع يابس" من شجرة الحداثة، والحل ليس في إصلاحه بل في التخلص من الشجرة بأكملها.
إن العداء الإيراني (في جذره الفلسفي) للولايات المتحدة لا يعود إلى كونها تسرق النفط أو تدعم إسرائيل فحسب، بل لأنها تمثل ذروة الفرعونية وذروة العدمية التي تهدد جوهر الإنسان المسلم.
فالصدام هنا هو دفاع عن الوجود ضد العدم.
لقد قام هذا التيار الهايدغري الإسلامي بتوفير غطاء فلسفي لمعاداة الغرب في إيران ما بعد الثورة إذ سعى إلى تحويل الصراع من صراع سياسي-اقتصادي إلى صراع وجودي بين الحق (الشرق/الإسلام) والباطل (الغرب/الإنسانوية).
كما عمل على نزع الشرعية عن الديمقراطية وحقوق الإنسان باعتبارها منتجات للنزعة الإنسانية الغربية التي تتحدى الحاكمية الإلهية.
وأظهر الغرب ككيان عدمي منتهي الصلاحية، مما يعطي للثورة الإسلامية دور" المنقذ" للبشرية من التيه التقني الغربي.
يعد جلال آل أحمد وكتابه" غرب زدگی" أو" وباء الغرب - التغريب" حجر الزاوية في بناء الخطاب المناهض للغرب في إيران المعاصرة، وكما نلاحظ فإنه طور الفكرة المركزية ذاتها المطروحة في أفكار أحمد فرديد.
انتمى آل أحمد للحزب الشيوعي، ثم انهمك في الكتابة الأدبية بعد هزيمة مصدق، محولا العداء للغرب من مجرد صراع على الحدود أو الموارد إلى صراع حول" الماهية" و" الهوية" و" المصير" بين المركز المنتج والأطراف المستهلكة، وهي قراءة قريبة من قراءة مدرسة التبعية في دراسات التنمية الاقتصادية التي ترى في العلاقة بين الدول الطرفية ودول المركز الرأسمالي السبب البنيوي في فشل التنمية في الدول الطرفية.
لكن ما ميز أعمال آل أحمد هو ربطه ذلك باحتقار ثقافي واضح للغرب.
ظهر كتاب" وباء الغرب" عام 1962 بعد أقل من عقد على انكسار الحركة الوطنية وسقوط مصدق وسيطرة الشاه والولايات المتحدة وبريطانيا على النفط والسياسة في إيران.
اهتم آل أحمد بالبعد الاقتصادي في تعريف ماهية للغرب، إذ إن المنطلق الأول لعداء آل أحمد للغرب هو نزع الصفة الجغرافية عنه، فالغرب عنده ليس أوروبا وأمريكا كأرض، بل هو" وضع اقتصادي" يقسم العالم لا إلى شرق وغرب، بل إلى شمال وجنوب أو صانع ومستهلك.
وقد كان آل أحمد سباقا إلى مثل تلك الرؤية قبل أن تنضج لاحقا في نقد سمير أمين للمركزية الأوروبية، ونقد إدوارد سعيد للاستشراق.
يقول جلال آل أحمد: " غرب، یعنی ممالک سیر؛ و شرق یعنی ممالک گرسنه"، بمعنى أن" الغرب، يعني البلاد الشبِعة؛ والشرق يعني البلاد الجائعة".
ويضيف موضحًا أن المعيار هو القوة الصناعية: " إن وباء التغريب (غرب زدگی) عملية تنطوي على طرفين: أحدهما الغرب، والآخر هو نحن المصابون بها.
والغرب يعني كافة البلدان القادرة بمساعدة الآلة على تحويل المواد الخام إلى أشكال أكثر تعقيدًا، وعرضها كسلعة في السوق".
ينشأ العداء إذن عند جلال آل أحمد من فجوة الإنتاج، فالغرب هو" المُصنِّع" والشرق هو" المستهلك"، وهو يستخدم تشبيهًا دقيقًا من البيئة الزراعية الإيرانية إذ يقول: " (غرب زدگی) أو التسمم بالغرب، كما نقول (وبازدگی)، أي الإصابة بالكوليرا، أو (سن زدگی)، أي الإصابة بآفة القمح.
هل رأيتم كيف تنخر القمح من الداخل؟ تبقى القشرة سليمة، لكنها مجرد قشرة".
يعبر هذا التشبيه عن فكرة أن الغرب يفرّغ الإنسان الشرقي من محتواه الثقافي والديني، مبقيًا على شكله الخارجي فقط.
هذا" الفراغ الداخلي" هو الذي يجعل الإنسان الإيراني محض تابع أو مستهلك؟المرتكز الفكري الأهم في عداء آل أحمد للغرب هو" الآلة"، فهو يرى أن الغرب صنع الآلة وتطور معها تدريجيا، أما الشرق (إيران) فقد دهمته الآلة بغتة، فتحول إلى عبد لها.
يقول بوضوح قاطع حول شرط الخروج من هذا" الذل": " ما دمنا مستهلكين فقط، ما دمنا لم نصنع الآلة، فنحن مصابون بداء التغريب" ويشرح آل أحمد على غرار فرديد وداوري كيف أن الآلة ليست حيادية، بل تجلب معها ثقافتها وسياستها، وتجبر الشرق على التخلي عن هويته ليصبح خادما لها: " لم نستطع الحفاظ على شخصيتنا الثقافية والتاريخية في مواجهة الآلة وهجومها الجبري، بل اضمحللنا".
يعود آل أحمد بالتاريخ للوراء ليثبت أن العداء مع الغرب بنيوي الطابع، وأن الغرب (المسيحية سابقا) كان يسعى دائما لتمزيق الكلية أو الجامعة الإسلامية (كليت إسلامي) التي كانت تقف سدا أمامه.
ويذكر آل أحمد كيف حاول الغرب الالتفاف على العالم الإسلامي: " لقد كنا ظاهريا وواقعيا، بصفتنا الجامعة الإسلامية، السد الوحيد أمام توسع الاستعمار والمسيحية والحضارة الأوروبية".
ويرى آل أحمد أن الغرب نجح حينما حولنا إلى" مواد خام" (ماده خام) ليس فقط اقتصاديا عبر النفط، بل حتى ثقافيا، ليتم دراستنا في متاحفهم ومعاملهم.
وقد قدمت مدارس الاستشراق ودراسات ما بعد الاستعمار قراءات مقاربة لتلك القراءة التي قدمها أحمد مع إدوارد سعيد وتيموثي ميتشل وآخرين".
لكن جلال آل أحمد كان أحد أولئك الذين سقطوا في فخ الأفكار المتناقضة، أو التناقض بين الفكر والعمل.
فالمفكر الرفض" للوباء الغربي" هو نفسه الذي قبل دعوة لزيارة إسرائيل بعد سنوات قليلة من النكبة الفلسطينيّة والعدوان الثلاثي على مصر، ولم يخف إعجابه ببعض تفاصيلها في اليوميات التي نشرها لاحقا، وهو ما أغضب الكثير من الإيرانيين.
وهنا تكمن المفارقة في أن واحدا ممن زرعوا جذور العداء الإيراني لإسرائيل، تورط في ممارسة يأنف منها الكثيرين ممن يوصفون اليوم بأنهم" مطبعين" مع الاحتلال.
إذا كان الإمام الخميني هو القائد السياسي والروحي للثورة الإيرانية، فإن علي شريعتي هو بلا منازع" المعلم" الذي صاغ العقل الأيديولوغي لجيل الشباب الذي قام بالثورة.
لقد نجح شريعتي في تحويل الإسلام في إيران من" دين طقوس" إلى" أيديولوغيا تغيير"، مانحا الثورة بعدها العقائدي الثوري عبر دمج جريء بين التراث الشيعي والمفاهيم اليسارية الحديثة.
لم يخرج فكر شريعتي من الحوزة التقليدية، بل كان نتاج تلاقح فريد بين بيئته الدينية وتجربته الغربية، إذ تأثر بوالده محمد تقي شريعتي الذي دعا إلى الإسلام" كحركة اجتماعية تاريخية تهدف لتحقيق العدالة"، وانضم مع والده إلى حركة" الاشتراكيين المؤمنين" التي مزجت بين الاشتراكية والدين.
وخلال دراسته في السوربون، انفتح شريعتي على التيارات الفلسفية الغربية، فقد تأثر بجان بول سارتر والوجودية، وبفرانز فانون منظر الثورة الجزائرية ومناهضة الاستعمار.
لم يكن شريعتي مجرد متلقٍ، بل قام بترجمة أدبيات الثورة العالمية إلى الفارسية، مثل كتاب" حرب العصابات" لتشي غيفارا، و" معذبو الأرض" لفرانز فانون.
هذا النشاط جسد سعيه المبكر لدمج النضال الثوري العالمي مع الخصوصية الإسلامية.
وهكذا لعب شريعتي دورا محوريا في إعطاء الثورة" بعدا أيديولوغيا" عبر إعادة قراءة التاريخ الإسلامي بأدوات المادية التاريخية، ولكن بنكهة توحيدية، فقد أعاد شريعتي تفسير قصة ابني آدم ليس كقصة أخلاقية فحسب، بل كبداية للصراع الطبقي في التاريخ.
حيث يرى أن التاريخ عبارة عن حرب دائمة بين" معسكر هابيل" الذي يمثل الاشتراكية والأخوة والملكية المشتركة، و" معسكر قابيل" ممثلا للملكية الخاصة والاستبداد والاحتكار.
واستبدل بمصطلح" البروليتاريا" مفهوم" المستضعفين"، جاعلا الدين" أداة للتوعية والعدل وتبرير الثورة" بدلا من كونه أفيونا للشعوب كما تراه الماركسية التقليدية.
أعاد شريعتي قراءة العديد من صفحات التاريخ الإسلامي بهذه" العدسة" الثورية، فقدم سيرة الصحابي أبي ذر الغفاري كنموذج لـ" الاشتراكي الراديكالي" والمسلم الثائر الذي يتحدى السلطة لحفظ" إسلام الفقراء".
كانت ترجمته لكتاب" أبو ذر الغفاري" للأديب المصري عبد الحميد جودة السحار، وإضافة شروحاته عليه، بمثابة تأصيل شرعي للأفكار اليسارية داخل التراث الإسلامي.
لم يكن عداء شريعتي للغرب متمثلا في أمريكا وأوروبا مجرد رد فعل سياسي، بل كان موقفا" حضاريا" متجذرا في اعتبار أن المعركة مع الغرب هي معركة وجود وهوية تعبر عن أزمة الذات الإيرانية، فقد رأى شريعتي أن الغرب يمارس نوعا من" الإمبريالية الثقافية" تهدف إلى تحطيم الشخصية الشرقية وفتح الأسواق للبضائع الاستهلاكية.
وحذر شريعتي من أن الغرب يستخدم العلم والتكنولوجيا لتحويل الإنسان إلى" أداة استهلاك فارغة"، وآلة في المجتمع الرأسمالي، وهو ما أسماه" الاستعمار الجديد" الذي يسبقه" التجهيل" وسلب الثقة بالتراث.
في مواجهة هذا الطوفان الغربي، طرح شريعتي مشروع" العودة إلى الذات"، ولكنها ليست العودة للماضي التقليدي المتحجر، بل العودة إلى" الإسلام الثوري الأصيل"، ويرى أن العودة للذات هي السبيل الوحيد لبناء سياج يحمي الاستقلال ويسمح بخوض الصراع الحضاري.
فإن كنا سننتظر المهدي، فإن علينا أن ننتظره من خلال الفعل الاحتجاجي الذي يقيم العدل.
وعلى الرغم من أن شريعتي ركز على" الإمبريالية" بمفهومها الواسع، إلا أن موقفه من إسرائيل كان جزءا لا يتجزأ من منظومته المعادية للاستعمار، متأثرا بتجربة فرانز فانون والثورة الجزائرية.
فتجربته في ترجمة كتب تدعم الثورة الجزائرية وكتابات تشي غيفارا، وتواصله مع حركات التحرر الوطني، وضعت إسرائيل تلقائيا في خانة" قوى الاستعمار" التي يجب مقاومتها بنفس أدوات" حرب العصابات" والكفاح المسلح.
ومن خلال طرحه لمفاهيم مثل" الشهادة" و" الجهاد" كأركان حية في الإسلام الحركي، وفر شريعتي الغطاء العقائدي للعمليات الفدائية ضد الغرب، معتبرا أن الإسلام ليس مجرد طقوس، بل هو" برنامج اجتماعي قادر ونشط" لإنقاذ الجماهير.
حول شريعتي أفكاره إلى وقود للثورة عبر منابر محددة، مما جعله" المهندس الفكري" لها وذلك عبر حسينية إرشاد التي تحولت بفعل محاضرات شريعتي إلى" جامعة للثورة"، حيث كان يحضر محاضراته آلاف الشباب والطلاب (وصل عددهم إلى 6 آلاف طلاب في المحاضرة الواحدة)، معبئا بذلك الجيل الذي سيقود الثورة لاحقا.
وأكثر من ذلك، ألهمت أفكار شريعتي التنظيمات المسلحة، مثل منظمة" مجاهدي خلق" التي قادها مسعود رجوي، ودمجت الإسلام بالماركسية وشاركت في الثورة ضد نظام الشاه (قبل أن تختلف مع الخميني لاحقا).
وقد أشاد شريعتي علنا بـ" حرب العصابات" التي شنتها المنظمة، معتبرا أن" الشهادة هي السبيل الوحيد للنصر".
لم يكتف شريعتي بمعاداة الغرب، لكنه وجه أسهم نقده إلى المؤسسة الدينية التقليدية، ورجالها الذين لا يملكون وعيا سياسيا، واصفا إياهم بأنهم يمارسون" الشرك" إذ تعاونوا مع الاستبداد، مما حرر الشباب من سلطة المؤسسة الدينية الجامدة ودفعهم نحو" الإسلام الثوري".
وهكذا قام علي شريعتي بما لم يستطعه غيره.
فقد سحب البساط من تحت أقدام الماركسيين بتقديم" إسلام يساري" أكثر ثورية.
كذلك سحب البساط من تحت أقدام المؤسسة التقليدية بتقديم" إسلام حركي" يرفض الخضوع، وأسهم في إعداد المسرح، وعبّأ الممثلين، وصاغ النص، قبل أن يرتفع الستار في عام 1979.
يختلف الدكتور مصطفى شمران عن سابقيه في كونه نموذجا للجمع بين الباع العلمي الطويل والإرث الحركي المتجذر، فهو عالم الفيزياء النووية (البلازما) الذي تخرج من جامعة بركلي، إحدى أرقى جامعات الولايات المتحدة، وعمل في مختبرات بيل التابعة لوكالة الفضاء الأمريكية (ناسا).
غير أن شمران قرر أن يغادر جنة التكنولوجيا ليعيش في جحيم المعارك، مؤسسا لمدرسة يمكن تسميتها بـ" العرفان الملحمي" أو" الجهادية العرفانية".
لم يكن عداء شمران للولايات المتحدة عداء سطحيا، بل كان عداء وجوديا نشأ وهو في قلب المنظومة الغربية.
فبينما كان جسده يعمل في مختبرات الفيزياء، كانت روحه تعيش غربة قاتلة، لذلك حاول أن يجسّد عداءه لأمريكا عبر" التعالي العرفاني" على ماديتها.
في مذكراته التي بدأ كتابتها في أمريكا، نجد نفورا واضحا من المادية الطاغية، ويقول في مناجاة مؤرخة بـ 10 مايو/أيار 1965: " رباه قد أصبحت سماء آمالي وأمنياتي مظلمة وكدرة.
لقد نفر قلبي من الجميع.
الحزن والأسى يضغطان على قلبي حتى أنني لا أستطيع البكاء أو التأوه.
لقد اقتربت من الاختناق".
هذا" الاختناق" الذي شعر به شمران في الغرب كان في جوهره رفضا لـ" عالم بلا روح"، وهي الفكرة التي يحللها علي حسين في مقاله" انتصار الدم على السيف"، حيث يشير إلى أن شمران تمثل مفهوم" الإنسان الكامل" عند الصوفية، وهو الإنسان الذي يعيش في الدنيا بجسده لكن روحه معلقة بالمحل الأعلى.
بيد أن شمران لم يكتفِ بالرفض القلبي، بل حول عرفانه إلى حركة.
ترك الولايات المتحدة، وتوجه إلى مصر في عهد جمال عبد الناصر عام 1964، حيث تلقى تدريبات عسكرية مكثفة في حروب العصابات ضمن" منظمة الاتحاد والعمل" التي تشكلت لدعم تحرير إيران من نظام الشاه.
انتقل شمران لاحقا إلى لبنان ليؤسس مع موسى الصدر" حركة المحرومين" وجناحها العسكري أفواج المقاومة اللبنانية (أمل).
في لبنان حاول شمران تجسيد عرفانه الصوفي في" خدمة الخلق" كطريق للوصول إلى" الحق"، فكتب من لبنان واصفا فلسفته في التضحية: " ما أجمل الاعتماد على الله والتحليق بقلب مطمئن حين تعصف العواصف.
والذهاب إلى حضن الشهادة في معركة الحياة والممات دون تردد.
ما أجمل أن يصير المرء قنديلًا يضيء الطريق".
هنا نلاحظ التقاطع مع فكر التابعي عبد الله بن المبارك، فالجهاد عند شمران ليس مجرد قتال، بل هو رياضة روحية قاسية لصقل النفس، إذ يقول كذلك: " كلمات لم أكتبها ليقرأها أحد ويترحم علي، إنما كتبتها لأسكن قلبي الملتهب وأهدئ بركاني الداخلي.
ما أجمل مناجاة ذلك الدرويش المحترق قلبًا في منتصف الليل.
صيحة ذلك الثوري الاستشهادي في ساحات الموت".
فشمران لا يرى نفسه مقاتلا يبحث عن النصر المادي فحسب، بل" شمعة" وظيفتها أن تفنى لتضيء.
يقول في مذكراته: " كنتُ شمعًا، صرت دمعًا، كنتُ عشقًا، صرتُ ماءً.
كنت نارًا، صرت دخانًا".
هذا المفهوم هو الذي نقله معه إلى إيران بعد انتصار الثورة الإسلامية، حيث تولى وزارة الدفاع.
لم يجلس شمران في مكتبه، وإنما اتجه إلى الجبهات في كردستان وخوزستان.
وفي رسالته للشعب الإيراني بعد تحرير باوه إبان الحرب مع العراق، يظهر هذا المزج العجيب بين القيادة العسكرية والفناء الصوفي: " لم يكن لدي ولو للحظة واحدة أمل بالبقاء على قيد الحياة.
كنت أتنقل من معركة مرعبة إلى أختها.
أريد أن أحترق لأضيء الطريق.
أريد أن تتحقق رسالتنا الإسلامية العظيمة".
يختصر شمران هذه الفلسفة الصوفية في وصيته الأخيرة لموسى الصدر: " أنا من أرباب العشق والعبادة، أنا ممثل الحق، عنوان الفداء.
أنا أحترق في عشقي وأتلذذ، وهذه اللذة هي أعظم ثواب يمكن أن يُحسب مقابلًا لعشقي".
جذبت تجربة مصطفى شمران كثيرين من أرباب العرفان ومن المنشغلين بفلسفة الحكمة المتعالية، لأنها حاولت أن تقول لهم إن أقوى أنواع" الأسلحة" ضد الهيمنة الغربية هي" القلوب المحترقة" التي لا تملك شيئا لتخسره لأنها" غسلت يدها من الحياة".
تمثل أمريكا في هذه الفلسفة العالم منزوع الروح الذي يجب أن تغتسل منه تلك القلوب المحترقة.
".
كان مرتضى المطهري هو الرجل الثاني بعد الخميني خلال الثورة الإيرانية قبل أن تغتاله جماعة" فرقان" الإسلامية اليسارية في مايو/أيار 1979، أي بعد انتصار الثورة الإيرانية بأشهر قليلة.
تتلمذ المطهري على يد الفيلسوف الشيعي الأبرز في القرن العشرين محمد حسين الطباطبائي.
وقد انشغل كما كثير من الدارسين الشيعيين قبله بلحظة استشهاد الحسين -رضي الله عنه- لكنه حاول أن يكون مهندسا يعيد بناء هيكل العقل الشيعي في نظرته لكربلاء.
ففي كتابه" الملحمة الحسينية"، قدم المطهري وثيقة صنعت من المجالس الحسينية" قنابل موقوتة" ضد نظام الشاه.
يمكن تلخيص مشروع المطهري" التثويري" وتأصيله الفقهي للعداء مع ما أسماه" يزيد العصر" (الولايات المتحدة/إسرائيل) في عدة مستويات، أولها تفكيك أسطورة التكفير عن الذنوب.
فقد عمل المطهري على نسف التصور الشعبي السائد بأن الحسين قُتل ليغفر ذنوب شيعته على غرار عقيدة الفداء المسيحية، إذ هاجم بشراسة هذه الفكرة قائلا إن" الحسين إنما قام للمقارعة ضد الذنوب، وإذا بنا جئنا لنجعل منه متراسا لارتكاب الذنوب.
وتمادينا كثيرا في هذا الاتجاه عندما قلنا بأن الحسين قد أسس شركة للضمان.
وصرنا ندعو الناس للتسجيل في هذه الشركة مقابل أقساط من الدمع! ".
بهذا الطرح أغلق المطهري باب الاتكال وفتح باب الاقتداء، وحاول ألا يجعل من البكاء صك غفران وإنما تعهد بالثورة.
إذا كان الحسين قد قتل لمحاربة الذنوب السياسية والاجتماعية، فإن البكاء عليه يستلزم" المشاركة في حربه"، لا الجلوس بانتظار شفاعته مع الاستمرار في الفساد أو السكوت على الظلم.
أما المستوى الثاني فهو تحليل المطهري لأسباب ثورة الحسين، إذ يرفض حصرها في" رفض البيعة ليزيد" أي كإجراء دفاعي، أو" تلبية دعوة أهل الكوفة" أي الاستجابة للنداء الشعبي، بل يركز على العامل الثالث وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ويعتبر أن هذا العامل هو الذي أعطى للنهضة قيمتها، لأنه عامل هجومي: " أما إذا ما أخذنا بالعامل الثالث.
فإنه عند ذلك لن تكون الدعوة هي التي تدفع بالإمام إلى المواجهة، ولا المبايعة، بل إن الإمام هو الذي يقرر المواجهة".
يجعل المطهري من المواجهة مع" المنكر" الذي يعرفه في الاستكبار العالمي وإسرائيل، واجبا ابتدائيا على المسلم، فالحسين كان ليواجه العدو وإن لم يطالب بالبيعة، وإن لم يستنجد به أحد من أهل الكوفة.
هذا هو الجذر الفقهي الذي يجعل" مقارعة الولايات المتحدة" في نظر المطهري واجبا ذاتيا نابعا من صميم العقيدة، لا مجرد رد فعل سياسي.
في الجزء الخاص بشروط الأمر بالمعروف، ينقل المطهري المعركة من التاريخ إلى الحاضر، حيث اشتهر عنه في هذه المحاضرات مقولته: " شمر مات منذ 1300 عام، اعرف شمر زمانك"، في إشارة إلى شمر بن ذي الجوشن الذي قطع رأس الحسين، فالمطهري يريد التركيز على المجرمين المعاصرين لا المجرمين التاريخيين.
وفي إطار قراءته الثورية تلك، ربط المطهري بشكل عضوي بين كربلاء وفلسطين، حيث رأى أن البكاء على عطش الحسين لا معنى له إذا لم يرافقه غضب على عطش الفلسطينيين وحصارهم.
في خطبة له في" الملحمة الحسينية"، وصف المطهري موشيه دايان بأنه" شمر" هذا العصر، وأن البيت الأبيض هو" قصر يزيد".
كذلك ميّز المطهري بين الرثاء الذي يورث الضعف والمسكنة، والحماسة الملحمية التي تورث القوة، إذ يقول: " إن الحسين بن علي شخصية ملحمية بالفعل، لكنها ملحمة الإنسانية.
إن حديث الحسين وعمله وواقعه وروحه وكل شيء فيه عبارة عن غليان وحركة".
وهكذا، يدعو المطهري إلى تحويل" المأتم" من مجلس لغسل الذنوب إلى" معسكر تدريب".
فعندما يخرج المستمع من المجلس وهو يشعر بـ" الغليان والحركة" كما يصف المطهري، فإنه سيبحث تلقائيا عن" يزيد" ليحاربه، فهدف المطهري هو توجيه هذه الطاقة الهائلة التي تهدر في البكاء نحو الشاه محليا، والولايات المتحدة وإسرائيل عالميا.
ينبه المطهري كذلك إلى أن" التحريف" ليس مجرد خطأ تاريخي، بل هو آفة تخدم أعداء الإسلام، ويقتبس آية: " يُحرفون الكلم عن مواضعه"، ويقول إن اليهود هم" أبطال التحريف" في التاريخ.
ثم يحذر من أن المسلمين وقعوا في نفس الفخ بتحريفهم لنهضة الحسين.
ويعتبر أن" محاربة التحريف" في عاشوراء هي جزء من محاربة النفوذ الثقافي للغرب، لأن تقديم إسلام كمخدر، إسلام البكاء فقط، هو أفضل هدية للمستعمر.
".
إضافة إلى ذلك، حاول الخميني صهر" الإحساس بالغربة" الذي رصده جلال آل أحمد، و" الحماسة الثورية" التي أطلقها نواب صفوي، و" الأيديولوجيا" التي صاغها شريعتي، والذاكرة التي أحياها مطهري وغير ذلك، في نظام دولة ونظرية حكم أسماها" ولاية الفقيه".
انطلق المشروع الفكري للثورة الإسلامية من وجهة نظر الخميني من تشخيص" المرض" الذي أصاب إيران، وهو وفقا لجلال آل أحمد، " وباء الغرب"، حيث تحول الإنسان الإيراني إلى" شيء" تابع للآلة الغربية، فاقد لهويته.
التقط الخميني هذا التشخيص، لكنه نقله من خانة" النقد الثقافي" إلى خانة" المواجهة العقائدية".
لم يعد الغرب مجرد" مصدر للآلة"، بل أصبح تجسيدا حيا لـ" آلة الاستكبار" ذاتها.
في وثيقة" المشروع الفكري والثقافي للثورة"، يقسم الخميني العالم إلى فسطاطين لا ثالث لهما، متجاوزا القطبية الثنائية (رأسمالية وشيوعية) التي كانت سائدة: " اليوم تقوم القطبية الثنائية بين قطب مستضعفي العالم بقيادة النهضة الإسلامية.
وبين قطب المستكبرين بقيادة أمريكا والناتو والصهيونية".
واعتبر الخميني أن أي تيار لا ينضوي تحت" مشروع الإسلام الثوري" هو بالضرورة خادم لـ" مشروع المستكبرين".
هذا الفرز الجذري هو الذي أسس للعداء، حيث لم تعد أمريكا" دولة عظمى" بل" الشيطان الأكبر" الذي يمثل" رأس الاستكبار".
وخلافا للحركات الوطنية السابقة مثل حركة مصدق التي راهنت أحيانا على الدعم الأمريكي ضد البريطانيين، قطع الخميني أي أمل في" حيادية" أمريكا.
استند الخميني وتياره إلى تجربة مصدق المريرة، حيث أثبت انقلاب 1953 أنه" لا قيمة للشرعية عند الولايات المتحدة كشريكتها البريطانية".
وقد رأى الخميني أن الشاه ليس إلا" واجهة"، وأن القرار الحقيقي ليس في طهران بل في واشنطن: " لم تكن طهران عاصمة إيران في الحقيقة بل إنها كانت واشنطن وتل أبيب".
لم يكتفِ الخميني بالعداء السياسي، بل حاول أن يصيغ فقها لهذا العداء عبر صك مصطلح" الإسلام الأمريكي" الذي عرّفه بأنه" إسلام المال والسلطة".
كانت انتفاضة 1963 هي اللحظة التي انتقلت فيها القيادة فعليا من" الحركة الوطنية" أو حركة" حرية"، وهي الحركة التي أسسها مهدي بازركان لتكون امتدادا لتيار مصدق، إلى" المرجعية الثورية" بقيادة الخميني.
في تلك المرحلة، طرح الخميني وتياره مطلبا وفكرة جريئة لأول مرة: " أنتم قادرون على الوقوف في وجه الولايات المتحدة وإسرائيل وإسقاط حكم الشاه".
كانت تلك الفكرة مستحيلة في ذلك الوقت وفقا لحسابات الأحزاب التقليدية.
لم يتعامل الخميني مع إسرائيل كدولة جوار أو عدو حدودي، بل كأصل في منظومة الاستكبار، لذا فالعداء معها أزلي وممتد طالما ظل هذا التيار في سدة الحكم، فقد وضع الخميني الرفض الحقيقي للصهيونية على رأس الأهداف المعلنة للثورة (بلا مجاملة أو تقية أو تحفظ).
وكان الخميني يدرك كم هو مكلف هذا العداء، حيث يشير إلى أن" النضال ضد الكيان الصهيوني كلف الجمهورية الإسلامية الإيرانية كثيرا.
إنها تخسر مليارات الدولارات شهريا بسبب الحصار".
هذا الإصرار رغم التكلفة يؤكد أن العداء لإسرائيل عند الخميني هو عداء هوية وليس عداء مصلحة.
كان السؤال -مع ذلك- هو كيف استطاع الخميني تحويل هذه الأفكار الثورية إلى نظام حكم؟ ويرتبط هذا التحدي بمحاولة استخدام" أصالة" المرجعية الفقهية لأغراض" التحديث" وإقامة الدولة.
فقد فشلت النماذج المستوردة (الليبرالية، القومية، الماركسية) بحسب الخميني، وكان السؤال: ما البديل؟ يجيب السيد علي موسوي بأن طرح الخميني يقول ما معناه: " الشعوب الإسلامية في إيران ومصر.
كانت تريد الإسلام الثوري لا الإسلام الأمريكي".
جاءت نظرية ولاية الفقيه لتحول الفقيه من ناصح أو منتظر لعودة المهدي وفقا للمذهب الشيعي إلى حاكم يقود الصراع ضد الاستكبار.
وقد تطورت هذه النظرية لتصبح الهيكل العام للدولة، مستفيدة من التنظير الحركي للأحزاب الإسلامية.
أخيرا، لا يمكن فهم مأسسة العداء دون النظر إلى البعد العرفاني الذي يصفه الخميني بأنه" روح العالم"، حيث رأى أن العالم الغربي عالم" ميت" روحيا، وأن الثورة الإيرانية كانت محاولة لـ" نفخ الروح في عالم بلا روح".
وفي مواجهة التكنولوجيا الأمريكية (السيف)، طرح سلاح الدم (الشهادة)، إذ يعتبر أن" دماء الشهداء المظلومين هي سر نفخ الروح في هذا العالم".
قدم الخميني" توليفة" تاريخية، إذ أخذ التشخيص من مثقفي ما بعد الاستعمار مثل آل أحمد وشريعتي، والروح القتالية من نواب صفوي، والشرعية الفقهية من الحوزة، وولاية الفقيه من إسلاميي حزب الدعوة، ليصوغ نظرية مقارعة الاستكبار.
في هذه النظرية، أمريكا ليست مجرد دولة معادية، بل هي" الشيطان الأكبر" الذي يمثل نقيض التوحيد، وبالتالي فإن العداء لها هو أصل ديني لا يقبل المساومة، وهو الأساس الذي قامت عليه الجمهورية الإسلامية.
يمكن تتبع الجذور الفكرية للعداء الإيراني للإمبريالية عبر مسار تاريخي تراكمي، بدأ استجابة فقهية عملية وتطور ليصبح منظومة فكرية كاملة.
تعود الانطلاقة الأولى لهذا الصدام إلى فتوى الميرزا محمد حسن الشيرازي الشهيرة في قضية التنباك عام 1891، حيث لم تكن تلك الفتوى مجرد تحريم لاستعمال التبغ، بل كانت تدشينا لمصطلح" المقاطعة الاقتصادية" كسلاح عقائدي في وجه الهيمنة الرأسمالية الغربية.
أسس الشيرازي حينها ممارسة عملية لقاعدة فقهية وسياسية مفادها أن استقلال السوق الإسلامي جزء لا يتجزأ من استقلال العقيدة، وأن التبعية الاقتصادية للمستعمر هي" محاربة لإمام الزمان"، وهو ما مهد الأرضية لاحقا للنظريات التي رأت في الاستهلاك تبعية وجودية.
تطورت هذه النزعة في القرن العشرين لتأخذ طابع الصراع بين" الحداثة الاستعمارية" و" الأصالة الإسلامية"، وتجلى ذلك بوضوح في لحظة الثورة الدستورية عام 1906 التي سببت الوقيعة الكبرى داخل المؤسسة الدينية.
فبينما انحاز البعض للدستور، برز الشيخ فضل الله نوري منظرا للاتجاه الرافض للحداثة الغربية، معتبرا أن البرلمان وسلطة التشريع البشرية بدعة، وأن القوانين يجب أن تستمد حصرا من الشريعة.
لقد رأى نوري أن الدستوريين العلمانيين يسعون لإدخال" عادات ديار الكفر" ومساواة الحق بالباطل، وقد تحول إعدامه لاحقا إلى رمزية استعادها جلال آل أحمد، معتبرا إياه" الشهيد الأول" الذي قتل لأنه رفض الخضوع للغرب.
لقد تبع ذلك مسار تاريخي طويل ضم فرديد وداوري وصفوي وشريعتي وآل أحمد.
وتتوج هذا المسار الفكري بالصياغة الفقهية-السياسية للخميني الذي ربط بشكل عضوي بين الهيمنة الأمريكية وفساد النظام الملكي ووجود إسرائيل.
كانت اللحظة الفاصلة في هذا العداء هي إقرار" قانون الحصانة" (الكابيتولاسيون) للمستشارين الأمريكيين عام 1964، وهو الذي اعتبره الخميني" وثيقة استعباد" تعلن رسميا أن إيران مستعمرة أمريكية، قائلا في خطبته الشهيرة: " إذا دهس طباخ أمريكي الشاه، لا يحق لأحد الاعتراض".
كما اعتبر إسرائيل ذراعا لهذه الهيمنة تهدف للاستيلاء على اقتصاد إيران ومحاربة القرآن.
ولمأسسة هذا العداء، أعاد الخطاب الثوري تعريف العالم متجاوزا قطبية الحرب الباردة، ليقسمه من وجهة نظره" تقسيما قرآنيا" إلى فسطاطين: " مستكبرين" بقيادة أمريكا و" مستضعفين"، مما جعل الحياد مستحيلا، واستندت تلك التفرقة إلى تمييز حاد بين" الإسلام الأمريكي" الذي يمثل الخنوع والاستبداد، و" الإسلام المحمدي الأصيل" الذي يمثل الثورة والتحرر.
وبهذا المنظور أصبح العداء لأمريكا وإسرائيل ضريبة حتمية لاستعادة السيادة والأصالة، وأداة لتوحيد الجميع ضد الشاه، ورفضا لنموذج التحديث التابع الذي حول البلاد إلى سوق استهلاكية ومستعمرة ثقافية، مؤكدا أن الاستقلال لا ينال بالمجان، وأن تكلفة العداء -مهما غلت- تظل أهون من ضريبة الذوبان في مشروع الآخر".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك