داخل ورقة صغيرة لا يتجاوز طولها خمسة إنشات (حوالي 13.
3 سنتيمتراً) وعرضها 4.
625 إنش (حوالي 11.
75 سنتيمتراً)، يظهر لنا رسم" سكتش قدم السيبيل الليبية" للفنان الإيطالي مايكل أنجلو بوصفه تحفة فنية مستنزفة للحياة الحركية والجمالية.
هذا السكتش، الذي بقي لقرون في أيدي القطاع الخاص بعيداً عن عيون الدارسين، أعيد إلى الضوء مؤخراً حين طرح في مزاد دار كريستيز في نيويورك في الخامس من الشهر الجاري، وتم بيعه بمبلغ قياسي بلغ 27.
2 مليون دولار، ما يجعله أكثر من مادة تأريخية، مشكّلا حدثاً فنياً يذكرنا بقيمة العبقرية نفسها في سوق الفن المعاصر.
هذا الرسم التحضيري يمثل وثيقةً حيّة لعملية التفكير والبناء البصري لدى مايكل أنجلو أثناء وضعه الرؤى الأساسية لسقف كنيسة سيستينا (1508–1512) بتكليف من البابا يوليوس الثاني.
في هذا السكتش تركز عين الفنان على القدم اليمنى للسيبيل الليبية، الشخصية التي جسدها في أحد أقوى مشاهد السقف، وقد اختار أن يدرسها بدقةٍ تشريحيةٍ مذهلة.
الانتباه الأول في هذا الرسم يقع على الانضباط التشريحي للدلالات العضلية والهيكلية لأجزاء الجسد الصغيرة، حيث تبدو القدم غير ثابتة سكوناً، وكأنها في لحظة حركة دقيقة، تضغط بأصابعها على الأرض، وتحمل الوزن، وتحقق نوعاً من التوازن الديناميكي.
الخطوط الدقيقة التي تحدد الحدود بين العظام والأوتار والعضلات تكشف قدرة مايكل أنجلو على التعبير عن قوةٍ بدنية كامنة داخل بنية عضليةٍ لا تزال في طور التشكل، وكأنها تنبض بالحركة في أي لحظة.
طرح في مزاد دار كريستيز في نيويورك وبيع بمبلغ قياسي بلغ 27.
2 مليون دولار.
اختيار الطباشير الحمراء وسيطا للتعبير لم يأتِ مصادفة؛ فهي مادة تتطلب تحكّماً عالياً وتمنح للخطوط، من حيث اللون والحدة والظل، قدرة أكبر على التعبير عن التوتر العضلي، وعلى استحضار تدرجات الحركة والضوء.
ولا تكشف الطباشير الحمراء وحدها عن فاعلية اليد وحدودها، إذ تظهر القصاصة أيضاً على ظهرها خطوطاً بالطباشير السوداء، دالة على أن الفنان كان يبحث عن الوضعية المثلى للقدم وتفاعلها مع الجسد قبل تثبيتها على سقف الكنيسة.
دراسة هذه القدم باعتبارها عنصراً مستقلاًّ عن الجسد الكامل في اللوحة النهائية تفتح للمتلقي نافذةً على طريقة مايكل أنجلو في ممارسة التصميم الحركي والشكلاني؛ فهو ينظر للشكل على أنه كيان حيّ يفكر فيه من خلال الحركات الدقيقة؛ من توتر الأوتار إلى توزيع الوزن على أصابع القدم.
وقد كشف الباحثون المقارنون بين هذا السكتش وسكتش القدم اليسرى الموجود في المتحف المتروبوليتان للفنون في نيويورك عن حرص غير مسبوق على دراسة كلتا القدمين بصورة منفصلة قبل دخولهما في تكوين الصورة النهائية في السقف.
السيبيل الليبية نفسها تتخطى كونها مجرد رمز أسطوري في برنامج سقف سيستينا، ممثلةً كياناً بصرياً متكاملاً يجمع بين الجسد القوي والفكر الحكيم، ويجسد اقتحام المرأة لمساحات القوة والهيبة في الفن الكلاسيكي، بعيداً عن الصورة النمطية التقليدية.
وهنا، في هذا السكتش صغير الحجم، تتجسد تلك الرؤية في نظرة فنية تتجاوز التفاصيل التشريحية إلى عمق التعبير البصري.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك