لم يُعوِّل أكثر المتفائلين على نجاح آية الله الخميني منذ لجوئه إلى النجف، حيث أقام هناك من عام 1965 إلى عام 1978م؛ فلم يكن مرجعًا كبيرًا من مراجع الشيعة، كما أنه تبنّى نهجًا ثوريًا يعارضه معظم فقهاء الشيعة الاثني عشرية.
فمنذ مقتل الحسين بن علي في كربلاء لم يثر من أبنائه إلا حفيده زيد بن علي، ومثلما خذل أهل الكوفة جدَّه خذلوا حفيده سنة 122هـ، وهو المؤسس الروحي للمذهب الزيدي في اليمن.
فبعد مقتله رحل حفيده الهادي، المعروف بلقب الرسي، إلى صعدة في اليمن، وأسس دولة إمامية ظلّت مستمرة حتى عهد الإمام محمد البدر حميد الدين، الذي أسقطته ثورة عبدالله السلال عام 1962م، وينتسب الحوثيون إلى هذا المذهب قبل أن يتحول بدر الدين الحوثي، والد عبدالملك، إلى المذهب الاثنى عشري بتأثير من حلفائه الإيرانيين.
أما المذهب الاثنا عشري، الذي يبدأ بعلي بن أبي طالب وينتهي بمحمد بن الحسن «المهدي المنتظر»، فقد حرّم الثورة على الحاكم، على أساس أنهم سينتصرون ويقيمون دولتهم عند عودة المهدي المنتظر.
وهي فكرة موجودة عند اليهود والمسيحيين، ولكن جذورها زرادشتية فارسية؛ ففي الديانة الزرادشتية سيعود سوشيانت المخلّص في آخر الزمان ليهزم إله الشر «أهريمان» وينتصر لإله الخير «أهورامزدا»، في معركة تشبه معركة هرمجدون المذكورة في سفر الرؤيا، الإصحاح 16: 16، التي ستقع على جبل «مجدو» في فلسطين.
أما الفرع الحسني، نسبة إلى الحسن بن علي، فاختار الثورة على الحاكم، وتمكن أتباعه من تأسيس أول دولة في المغرب الأقصى على يد إدريس الأول عام 172هـ، بمساندة قبيلة أوربة البربرية، بعد فشل ثورة أخيه الحسين بن الحسن في موقعة فخ عام 169هـ.
وقبل ذلك فشلت ثورة محمد النفس الزكية، حفيد الحسن بن علي، عام 145هـ.
استمر المذهب الاثنا عشري موحدًا حتى وفاة الإمام السادس جعفر الصادق، الذي لم يوصِ بالإمامة لابنه البكر إسماعيل، وإنما أوصى لابنه الثاني موسى الكاظم؛ فانشق الإسماعيليون وتخلوا عن النهج المسالم للمذهب الاثنى عشري، وتمكنوا من تأسيس الدولة الفاطمية في المهدية بتونس عام 300هـ، قبل انتقالها إلى مصر عام 358هـ.
ورث الخميني مذهبًا خاملاً ذا طابع ثوري، لكنه مذهب مستقل ماليًا عن الدولة؛ فالمراجع العليا للمذهب تعتمد في تمويلها على أتباعها الذين يدفعون سنويًا خمس ما يكسبون.
أما مذاهب السنة فظلّت تعتمد على أموال الدولة والخلفاء، وهكذا فقدت هذه المذاهب استقلالها المالي، وظلّت دائمًا في خدمة من ينفق عليها؛ ولهذا حرّمت جميعها الخروج على الحاكم حتى ولو كان ظالمًا.
لم تشارك المراجع العليا للمذهب الاثنى عشري في أي ثورة بشكل مباشر؛ ففي ثورة التبغ عام 1890م اكتفى المرجع الأعلى للمذهب، ميرزا حسن الشيرازي، من مقر إقامته في مدينة سامراء بالعراق، بإصدار فتوى بتحريم التدخين.
وكانت الفتوى التي تفاعل معها التجار والمزارعون سببًا في إنجاح الثورة، وإجبار الشاه ناصر الدين القاجاري على إلغاء الامتياز الذي منحه للشركة البريطانية.
وشجع هذا النجاح على قيام ثورة المشروطة «الدستور» التي استمرت بين عامي 1905 و1911م، ولكن هذه المرة كان رجال الدين في المقدمة، وخاصة المرجع الديني محمد الطباطبائي وزميله عبد الله البهبهاني، ونتج عنها صدور أول دستور وتأسيس أول برلمان.
بعد إبعاده من العراق إلى فرنسا، استفاد الخميني من اختراع شريط الكاسيت ليسجل عليه خطبه، التي هُرّبت إلى إيران لتستمع إليها الملايين وتتفاعل معها.
وشارك في الثورة جميع التيارات من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، وبعد ثورة دموية عاصفة سقط نظام الشاه محمد رضا بهلوي، ووصل الخميني من باريس كأول إمام من المذهب الاثنى عشري يصل إلى السلطة في التاريخ.
لكن الخميني، الفارسي الأصول، وخليفته علي خامنئي، الأذري الأصول، ليسا من آل البيت من نسل الحسين بن علي؛ ولذلك فهما ليسا معصومين وفقًا للمذهب، ولهذا لُقِّبا بلقب «الولي الفقيه»، أي الذي يقود البلاد إلى حين عودة المهدي المنتظر.
غير أن من يشغل هذا المنصب يُعد معصومًا سياسيًا لا فقهيًا، أي إنه يتمتع بسلطات واسعة ولا يخضع لأي مساءلة أمام مجلس النواب أو الحكومة، باستثناء خضوعه لمجلس الخبراء الذي يبلغ عدد أعضائه حاليًا 88 عضوًا.
ومن صلاحياته تعيين وعزل المرشد الأعلى في حال مرضه أو عجزه عن القيام بمهامه.
ومنذ تأسيس هذا المجلس عام 1982م، كان جميع رؤسائه من رجال الدين برتبة آية الله، ولم يقم إلا بتعيين علي خامنئي مرشدًا أعلى بعد وفاة الخميني.
إذا سقط نظام ولاية الفقيه بعد سنوات طويلة من الحصار والتدهور الاقتصادي، وعجزه عن تصنيع السلاح النووي الذي أنفق عليه أكثر مما أنفق على التعليم، فقد يطوي الإيرانيون الخيار الديني ويتوجهون إلى الخيار المدني والتعددية.
لكن أي فشل قد يعيدهم إلى المربع الأول، كما حدث في دول الربيع العربي، أي أن البلاد ستتشظى إلى مكوناتها العرقية: فرس وأذريين وأكراد وبلوش وعرب وتركمان وأرمن.
وستتدخل جميع الدول المحيطة بالبلاد: روسيا وتركيا وباكستان وأذربيجان وتركمانستان وأفغانستان والعراق ودول الخليج، بالإضافة إلى إسرائيل وأميركا.
وهو سيناريو مرعب للدول التي ستستضيف ملايين اللاجئين، وللدول التي ستبحث عن مكونات المشروع النووي، وخاصة اليورانيوم المخصب.
أما المظاهرات التي تشهدها المدن الإيرانية حاليًا فلن تتحول إلى ثورة تسقط النظام إلا إذا تحالف معها بعض رجال الدين الذين جرّبوا نظام ولايةالفقيه دون جدوى، ويحاولون الحفاظ على قلب المذهب المتمثل في المرجعيات الشيعية المقيمة في النجف وقم، مثل آية الله السيستاني.
كما يتطلب ذلك تحالفًا مع كبار رجال البازار في النظام، وضباط الجيش النظامي الذين سيواجهون الحرس الثوري.
وهي مواجهة ليست في صالح الجيش، مما يرجح دخول الولايات المتحدة وحلف الناتو لحسم الصراع لصالحه؛ فوجود ضابط يحكم البلاد – في هذا التصور – أفضل من فقيه أو من مستقبل مجهول.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك