الدوحة – «القدس العربي»: ترسم التحذيرات الطبية صورة مقلقة للواقع البيئي في قطاع غزة، حيث يتقاطع تكدس النفايات مع تدهور خدمات المياه والصرف الصحي في مشهد ينذر بتداعيات صحية ممتدة.
وفي قراءة تحليلية للمخاطر القائمة، يؤكد الدكتور محمود العزة، اختصاصي الصحة العامة في قطر، أن ما يجري تجاوز إطار أزمة خدمية عابرة ليتحول إلى تهديد مركب يمس بنية الصحة العامة برمتها.
ويوضح العزة في تصريحات لـ«القدس العربي» أن تراكم مئات آلاف الأطنان من النفايات في مناطق مكتظة بالسكان يخلق ما يصفه بـ»بيئة وبائية مفتوحة» تتوافر فيها شروط علمية معروفة لانتقال الأمراض المعدية.
ويشير إلى تقديرات بلدية تتحدث عن نحو 700 ألف طن من النفايات المتراكمة في مكبات عشوائية، في ظل عجز تقني ولوجستي عن معالجتها أو نقلها إلى مواقع آمنة.
ويفسر العزة أن تحلل المواد العضوية في ظروف مناخية حارة ورطبة نسبياً يسرّع تكاثر البعوض والذباب والقوارض، وهي نواقل حيوية معروفة بنقل أمراض جلدية ومعوية وتنفسية.
ويضيف أن بيئات النزوح المكتظة، التي تعاني محدودية في المياه النظيفة وضعفاً في شبكات الصرف الصحي، توفر مساراً سريعاً لانتقال العدوى بين السكان، خاصة الأطفال وكبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة.
ينتقل الخطر، وفق العزة، من سطح الأرض إلى الهواء.
فالنفايات المتحللة تنتج غازات عدة، في مقدمتها غاز الميثان، الذي قد يتجمع في المساحات المغلقة أو شبه المغلقة، ما يفاقم مشكلات الجهاز التنفسي لدى الفئات الهشة.
ويرى أن المرضى داخل المنشآت الصحية المتضررة يواجهون عبئاً إضافياً نتيجة تعرضهم المستمر لملوثات هوائية منبعثة من أكوام القمامة القريبة.
ويمتد القلق إلى باطن الأرض.
يوضح العزة أن العصارة الناتجة عن النفايات الصلبة غالباً ما تحتوي على مزيج معقد من البكتيريا والفيروسات والمعادن الثقيلة.
وتسرب هذه العصارة إلى التربة قد يؤدي إلى تلوث الخزان الجوفي، الذي يمثل مصدراً رئيسياً للمياه.
ويرفع هذا السيناريو احتمالات التسمم المائي وانتشار أمراض منقولة عبر المياه على نطاق واسع.
ويشدد على أن التحدي يتجاوز التلوث الميكروبي، الذي يمكن احتواؤه نسبياً عبر التعقيم، ليشمل ملوثات كيميائية تحتاج إلى تقنيات متقدمة للرصد والمعالجة.
ويؤكد أن غياب مختبرات قادرة على تحليل مركبات معقدة يترك فجوة في تقييم الحجم الفعلي للمخاطر، ما يعقّد وضع خطط استجابة قائمة على بيانات دقيقة.
وفي سياق متصل، يسلط العزة الضوء على إدارة النفايات الطبية بوصفها نقطة ضعف خطيرة.
ويشرح أن بقايا الأدوات الحادة والمواد الملوثة، إذا اختلطت بالنفايات الصلبة دون معالجة متخصصة، قد تنقل أمراضاً خطيرة ومتعددة.
ويضيف أن اتساع دائرة التعرض يشمل جامعي النفايات غير النظاميين والأطفال الذين يقتربون من المكبات في محيط أماكن النزوح.
لا يتوقف التأثير عند الجانب الجسدي.
يؤكد العزة أن العيش داخل أحزمة ممتدة من القمامة يعمق الشعور بالخطر وفقدان الأمان الصحي، ما ينعكس سلباً على الصحة النفسية.
ويرى أن الأطفال الذين ينشأون في بيئة ملوثة ومكتظة يعيشون حالة ضغط مستمر، حيث يرتبط مفهوم المكان لديهم بمصادر تهديد يومية.
ويضيف أن تضرر عشرات آلاف الخيام بفعل العمليات العسكرية والعوامل المناخية يزيد من هشاشة الوضع الصحي، إذ يسهم الاكتظاظ في تسريع انتقال العدوى عبر الرذاذ واللمس المباشر.
ويعتبر أن تدهور المأوى والمياه والنظافة يخلق تراكماً للمخاطر، بحيث تتفاعل العوامل البيئية والصحية ضمن حلقة يصعب كسرها دون تدخل واسع ومنظم.
ويشير العزة إلى أن الأضرار الواسعة التي طالت البنية التحتية المدنية، بما في ذلك شبكات المياه ومحطات المعالجة، تضع المنظومة تحت ضغط استثنائي.
ويؤدي تعطل هذه المرافق إلى تدفق مياه عادمة في مناطق مفتوحة وتسربها إلى التربة والبحر، ما يوسع نطاق التلوث.
ويربط بين استمرار القيود على دخول الوقود والمعدات وبين عجز البلديات عن إزالة النفايات أو تشغيل محطات المعالجة بكفاءة.
ويرى أن أي تأخير في إدخال مولدات الطاقة ومواد التشغيل يسهم في تراكم القمامة وتصاعد المخاطر الصحية على المدى المتوسط.
ويطرح العزة تصوراً متعدد المسارات للاستجابة.
يبدأ المسار الأول بإجراءات عاجلة لاحتواء النفايات عبر إنشاء نقاط تجميع مؤقتة بعزل هندسي يمنع تسرب العصارة إلى التربة.
ويتضمن المسار الثاني إعادة تشغيل محطات المعالجة وضخ المياه العادمة إلى أحواض آمنة، مع توفير مواد تعقيم ومضخات احتياطية.
أما المسار الثالث، فيرتكز على الرصد الوبائي.
يدعو العزة إلى إنشاء وحدات مراقبة صحية ميدانية قادرة على تسجيل أي ارتفاع في حالات الإسهال أو الأمراض الجلدية والتنفسية، بهدف التدخل المبكر ومنع تحول الحالات الفردية إلى موجات تفشٍ واسعة.
ويؤكد أهمية التعاون بين الكوادر المحلية والجهات الدولية لتوفير مختبرات متنقلة لتحليل عينات المياه والتربة والهواء.
ويرى أن جمع بيانات دقيقة يشكل قاعدة لوضع سياسات تستند إلى الأدلة، ما يعزز فعالية التدخلات ويحد من الهدر في الموارد المحدودة.
ويختتم العزة حديثه بالتأكيد على أن التعافي الصحي يرتبط بإعادة بناء منظومة بيئية متكاملة.
ويعتبر أن الاستثمار في قطاع المياه وإدارة النفايات يمثل ركيزة لحماية جيل كامل من آثار قد تمتد لسنوات.
ويرى أن توفير مياه آمنة وبيئة نظيفة يشكلان الأساس لأي مسار تعافٍ مستدام، وأن التحرك المنسق والسريع يحد من احتمالات تحول الأزمة البيئية إلى انفجار صحي واسع النطاق داخل مجتمع يواجه تحديات إنسانية مركبة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك