انعقد في شهر يناير/كانون الثاني الماضي الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي، الذي يقام في المنتجع الجبلي في مدينة دافوس السويسرية.
ويعتبر منتدى دافوس من أهم المنصات العالمية، التي تناقش فيها قضايا اقتصادية وسياسية واجتماعية.
ويشكل هذا المنتدى السنوي حدثا مهما إذ تُوَجه إليه الأنظار من كل أنحاء المعمورة، لما يستضيف من ورشات ومحاضرات يكون ضيوفها رؤساء دول وخبراء وأكاديميين وكبار المديرين التنفيذيين في العالم.
في الدورات الثلاث الأخيرة من المنتدى، طغى موضوع الذكاء الاصطناعي على أغلب أعمال الندوات والمداخلات، وبرز كأهم موضوع للنقاش والمُدارسة في الوقت الراهن، على أساس أنه يحمل بوادر رافعة أساسية لتطوير المجتمعات ولتحقيق «فتوحات» جديدة في مجالات متعددة، كالطب والهندسة وتدبير الموارد المالية إلى غير ذلك من المجالات.
لكنه منذ دورة 2024 للمنتدى، أصبح الذكاء الاصطناعي يُناقش بكثير من التحفظ وانتقل الحديث من التطور الذي يمكننا أن نُنجزه ونُحققه من خلال هذه التقنية، إلى الحديث أكثر عن تحديات الذكاء الاصطناعي على المستوى الأخلاقي وسوق الشغل والحَكامة (governance) المسؤولة للذكاء الاصطناعي على الصعيد العالمي.
لكن وكغيره من المنتديات يبقى ملتقى دافوس محطة لطرح الأسئلة الملحة والمحرجة أكثر منه لقاء لإيجاد الأجوبة والحلول.
في إحدى ندوات منتدى «دافوس» لهذه السنة قدم يوفال نوح هراري الكاتب الإسرائيلي، والمُنظر «الأخلاقي» لقطاع الذكاء الاصطناعي – أو هكذا تُسوق له الآلة الإعلامية – مداخلة بعنوان «حوار صريح حول الذكاء الاصطناعي والإنسانية».
لا بأس بالإشارة هنا إلى أن هراري، هذا المستوطن الذي يلعب دور المؤرخ، هو نموذج للمثقف الذي يروقُ للعالم الغربي، حيث تعرف كتاباته انتشارا واسعا وتحقق مبيعات كتبه المترجمة للعديد من لغات العالم أرقاما قياسية، وقد صنفت «نيويورك تايمز» أحد كتبه، من أكثر الكتب تأثيرا في القرن الحادي والعشرين!
بدأ هراري كلمته بإعادة تعريف الذكاء الاصطناعي، باعتباره ليس أداة، كما اعتدنا تعريفه من قبل، ولكن باعتباره عاملا مستقلا «Agent»، وهو ما أصبح يُعرف الآن في أدبيات الذكاء الاصطناعي، بالذكاء الاصطناعي التوكيلي (Agentic AI).
بمعنى أنه نظام يعمل باستقلالية تامة يمكنه اتخاذ قرارات وتنفيذها، من دون الرجوع إلى البشر! أكثر من هذا فإنه بإمكان الوكلاء أو العاملين المستقلين «Agents» في الذكاء الاصطناعي المستقل أن يتعاونوا في ما بينهم، ومع برمجيات أخرى لتحقيق أهداف معينة قد يكون رَسمها المستعمل من قبل لكن – وهذا هو الجديد- من دون الرجوع إليه لاتخاذ القرارات الاستباقية، أو للتكيف مع متغيرات المجال الذي يطبق فيه هذا الذكاء! من هنا يخلص هراري إلى أنه مع هذه النقلة في عالم الذكاء الاصطناعي، أصبح بإمكان هذا الذكاء، أن يُفكر وبالتالي أن يُوجد بصفة مستقلة تبعا لِكوجيتو ديكارت الشهير «أنا أفكر إذن أنا موجود».
يقول هراري أنه «إذا تأملنا كيف يستطيع الذكاء الاصطناعي ان يُتمم لنا الجملة التي نكون بصدد كتابتها، يتبين لنا أن الذكاء الاصطناعي يفكر أفضل من الإنسان في كل ما يتعلق بكتابة وإنتاج النصوص».
وهذا كلام، على كل حال، قد نتفق او نختلف معه، لأنه يبقى نسبيا إلى حد بعيد، وتتباين فيه نتائج الدراسات الحالية!
لكن الخطير في الأمر أن المحاضر لا يتوقف عند هذا الحد في استنتاجاته، بل يدفع بها أبعد من هذا، و»يستخلص» أنه إذا كانت الديانات السماوية والكتابية منها، على الخصوص، ترتكز على الكلمة أي على النص، فإن «الذكاء الاصطناعي سيتحكم وسيستحوذ على الأديان في المستقبل لا محالة»، ويشير هراري تحديدا إلى الإسلام ثم المسيحية ثم اليهودية، باعتبارها ديانات كتابية، وبهذا الترتيب غير البريء!
لا نعرف ماذا يعني هذا المُدعي باستحواذ الذكاء الاصطناعي على الديانات الكتابية، لأنه لا ُيفصح عن ذلك ولا يوضح فكرته، ولأنه يستمر في دَجَلِه وفي نشر أفكار تُرضي نزعة تشاؤمية رائجة تُشعر القارئ بزيف «الأوهام» التي يعيش فيها المجتمع! لكنها مرة أخرى الآلة الإعلامية الجبارة، التي تُسَوق لهراري على أنه أحد أهم مفكري القرن!
من المعلوم أن جميع أنواع الذكاء الاصطناعي تشتغل وفقا لبرمجيات وخوارزميات صممها الإنسان، حتى الخوارزميات المصممة من طرف الذكاء الاصطناعي تسير على منوال سابق صَممهُ الإنسان! ومن المعروف كذلك أن الإنسان بإمكانه أن يستنتج، أو يستخلص قواعد عامة من خلال إدراكه فقط لِبعض الأنماط المحددة، الشيء الذي يفتقر إليه الذكاء الاصطناعي، والذكاء الاصطناعي التوليدي على وجه التحديد.
مما يوضح جليا قصور الذكاء الاصطناعي مقارنة بالذكاء الإنساني! وبالنسبة للذكاء الإصطناعي التوكيلي، فالإنسان هو الذي يحدد بدءا إلى أي مدى يكون هذا الذكاء مستقلا.
الإنسان هو الذي يضع الضوابط والحدود عند كل مرحلة من تنفيذ البرمجيات والخوارزميات لتأمين الذكاء الاصطناعي التوكيلي، فهي إذن استقلالية مشروطة ومقيدة.
من جانب آخر، وفي مجال الدين والدين الإسلامي تحديدا، لا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يعطينا فهما جديدا للنصوص خارج ما كتبه المفسرون والشراح إلى يومنا هذا.
أكثر من هذا وفي غياب منصة مُصممة من طرف جهات موثوقة، وتحت إشراف علماء الأمة، منصة تستعمل الإمكانيات الجديدة المتاحة بالذكاء الاصطناعي وتطبقها في تحليل النصوص الشرعية، أقول في غياب منصة بهذه الشروط، وجب التنبيه إلى أن محاولات فهم النصوص الشرعية عن طريق المنصات المتاحة حاليا هي عملية محفوفة بالكثير من المخاطر والمزالق، حيث إننا لا نعلم كيف صُممت هذه المنصات، ولا هذه الخوارزميات، ولا كيف دُربت هذه البرمجيات وما هي المعطيات والبيانات التي استُعملت في مرحلة التصميم ومرحلة التدريب! فبالتالي لا يمكن أبدا أن نثق بما قد تعطينا هذه المنصات في مجال تحليل النص الديني!
فعلى الرغم من القدرات الهائلة التي أبانت عنها كل أنواع الذكاءات الاصطناعية فإنها ما زالت تواجه انتقادات واسعة وجوهرية رصدها العديد من الباحثين والأخصائيين والخبراء، لعل أهمها ما يعرف بتضخيم» التحيزات» (Bias)، حيث إن هذه النماذج عند تدريبها على نصوص متوفرة على الإنترنت، بما فيها من غث وسمين، وموضوع وغير موثوق، ومدسوس ومُلَفق، فإنها تُعيد إنتاج كل التحيزات والقوالب النمطية الموجودة في الشبكة العنكبوتية! وأخيرا وليس آخرا، قدرة هذه النماذج على توليد نصوص متماسكة ظاهريا، لكنها تنشر محتوى كاذبا أو مُضللا والذي يفتح النقاش واسعا حول مدى سلامة وأمن المحتوى، الذي نقرأه ونَتَصفحُه على الإنترنت ونُعيد إنتاجه بصيغة أو أخرى!

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك