يضع إيلون ماسك الطب أمام موعد حاسم: ثلاث سنوات فقط تفصل البشرية عن لحظة تتفوق فيها الروبوتات على أمهر الجرّاحين في العالم.
الوعد جاء خلال ظهوره في بودكاست theMoonshots مع الدكتور بيتر ديامانديس، حيث رسم ماسك صورة لمستقبل تُحل فيه أزمة النقص الحاد في الأطباء المهرة عبر روبوت تسلا البشري Optimus، الذي قدّمه لأول مرة عام 2022 ووعد بطرحه للبيع في 2026.
الحجة التي يبني عليها ماسك تفاؤله تقوم على ثلاثة محاور: العجز المزمن في عدد الجرّاحين المؤهلين عالميًا، المدة الزمنية الطويلة التي يستغرقها تدريب الطبيب وصعوبة مواكبته للتطورات المتسارعة، وأخيرًا واقع أن «الأخطاء تحدث» حتى في أيدي الخبراء.
لكن هذا الطموح يصطدم بجدار من الشكوك العلمية الصلبة، يجعل آرثر كابلان، أستاذ أخلاقيات الطب في كلية الطب بجامعة نيويورك، يضع الجدول الزمني لماسك تحت مجهر نقدي حاد.
الاعتراض الأول يتعلق بطبيعة التقدم في الجراحة الروبوتية ذاتها، التي تسير منذ عقود بخطوات «تدريجية» وليس قفزات ثورية.
أما الاعتراض الثاني وهو أعمق، فيوضحه كابلان بأن زعم تفوق Optimus في «كل» المجالات الجراحية خلال ثلاث سنوات «غير محتمل أصلًا»، لأن التباين التشريحي والفسيولوجي بين البشر يُعقّد أي محاولة لبرمجة معيارية، ولأن إثبات التكافؤ (فضلًا عن التفوق) يتطلب سنوات من المقارنات السريرية الدقيقة.
وتأتي الضربة الأقسى للتوقع الماسكي بخصوص التفوق الروبوتي الطبي على البشر عبر أمثلة نوعية: جراحات مثل التجميل، وإصلاح الحروق، ومعالجة إصابات الحوادث المعقدة توصف بأنها «تقترب من الفن» أكثر من كونها بروتوكولات قابلة للأتمتة.
وفي مقارنة لاذعة، يُذكّر كابلان بأننا «ما زلنا نكافح» لجعل الروبوتات تقود سيارات بأمان في شوارع المدن، رغم سنوات من الاستثمار والتطوير، فكيف بتعقيدات غرفة العمليات؟ الخلاصة واضحة: ماسك «متفائل أكثر من اللازم»، والانتشار الواسع للجراحة الروبوتية المستقلة «ما يزال بعيدًا».
السؤال الحقيقي هنا، لا يتعلق بجدول زمني فقط؛ بل بطبيعة ما نسميه «الطب» أصلًا: هل هو مجموعة مهارات تقنية قابلة للقياس والتفوق، أم علاقة إنسانية معقدة تشمل التعاطف والثقة والقدرة على قراءة ما لا يُقال؟ما الذي تستطيع الروبوتات فعله الآن؟بعيدًا عن وعود السنوات الثلاث، يملك الواقع العلمي قصة مختلفة تمامًا: أكثر تواضعًا في السقف الزمني، وأكثر إبهارًا في التفاصيل التقنية.
في يوليو 2025، حقق فريق بحثي بقيادة جامعة جونز هوبكنز إنجازًا وُصف بأنه «تحوّلي» في مجال الجراحة الروبوتية المستقلة.
الروبوت، المسمى SRT-H (Hierarchical Surgical Robot Transformer)، أجرى عملية إزالة مرارة كاملة على نماذج حيوانية واقعية دون أي تدخل بشري، محققًا نسبة نجاح 100% عبر ثمانية اختبارات مختلفة.
الإنجاز لا يكمن في مجرد «النجاح»، بل في طبيعة الأداء ذاتها.
فالروبوت لم يتبع خطة جراحية جامدة محددة مسبقًا كما في التجارب السابقة، بل أظهر قدرة على التكيف مع التشريح الفردي لكل حالة، واتخاذ قرارات فورية، وتصحيح مساره ذاتيًا عند حدوث ما لم يكن متوقعًا.
وقد اختبر الباحثون مرونته عبر سيناريوهات معقدة: تغيير موضع البداية فجأة، وإضافة صبغات تحاكي النزيف وتغيّر مظهر المرارة والأنسجة المحيطة، والعمل عبر ظروف تشريحية غير موحدة.
وفي كل الحالات، أدى الروبوت المهمة «بثبات تام» وبخبرة توازي جرّاحًا بشريًا متمرسًا.
السر التقني هنا يكمن في طريقة التدريب؛ إذ تعلّم الروبوت عبر مشاهدة فيديوهات لجرّاحين بشريين من جونز هوبكنز وهم يجرون العملية على جثث خنازير، مع إضافة تعليقات نصية توصف المهام.
البنية المعمارية للذكاء الاصطناعي المستخدم في هذه الحالة مشابهة لتلك التي تشغّل ChatGPT، لكنها مُهيكلة بطريقة «هرمية» تفكك الإجراء الجراحي المعقد (17 مهمة متتالية تستغرق دقائق) إلى خطوات صغيرة قابلة للتعلم.
والروبوت كان أيضًا «تفاعليًا»: يستجيب لأوامر صوتية مثل «أمسك رأس المرارة» ويتعلم من التصحيحات الشفهية.
لكن «النجاح 100%» يحمل هوامش صريحة يضعها الباحثون أنفسهم:
أولًا، الروبوت استغرق وقتًا أطول من الجرّاح البشري الخبير، وإن كانت النتائج النهائية مقارنة به.
ثانيًا، العمليات أُجريت على نماذج حيوانية خارج الجسم الحي (ex vivo)، وليس على مرضى أحياء، وهي مسافة ضخمة بين «إثبات المفهوم» وبين التطبيق السريري الآمن.
ثالثًا، الروبوت احتاج في المتوسط إلى ستة تصحيحات ذاتية في كل عملية (تراوحت بين واحد و14)، ما يعني أن «الاستقلالية» ليست مطلقة بل «مراقَبة».
أكسل كريغر، قائد الفريق البحثي والخبير في الروبوتات الطبية، يصف الإنجاز بدقة: «هذا التقدم ينقلنا من روبوتات قادرة على تنفيذ مهام جراحية محددة، إلى روبوتات تفهم حقًا الإجراءات الجراحية».
ويضيف أن هذا «تمييز حاسم» يقربنا «بشكل ملموس» من أنظمة جراحية مستقلة قابلة سريريًا يمكنها العمل في «الواقع الفوضوي وغير المتوقع للرعاية الفعلية للمرضى».
لكن حتى هذا التفاؤل العلمي الحذر يبقى بعيدًا عن وعد ماسك بالتفوق الشامل خلال ثلاث سنوات.
أما خارج جونز هوبكنز، فتُظهر مراجعة منهجية نُشرت في يونيو 2025 بدورية PMC العلمية أن الروبوتات المساعدة (وليس المستقلة) في الجراحة حققت بالفعل تحسينات قابلة للقياس: زيادة الدقة بنسبة تصل إلى 40%، وتقليل وقت التعافي بنحو 15%، وتقليل فقدان الدم والمضاعفات ما بعد الجراحة.
لكن التقرير نفسه يؤكد أن هذه الروبوتات تعمل كـ«مساعدات» للجرّاح البشري، وليست بديلًا عنه، وأن استخدامها يتطلب تدريبًا مكثفًا وبنية تحتية باهظة التكلفة تحد من انتشارها في البلدان النامية.
«مهنة الإنسانية» تحت اختبار الأتمتة.
إذا كان السؤال المطروح الآن «هل تستطيع الروبوتات أن تُجري عملية؟ »، فإن السؤال الأكثر حساسية: ماذا يحدث لفكرة الطب نفسها حين يصبح «العقل الحسابي» طرفًا في التشخيص والقرار والمتابعة؟دراسة منشورة في Bulletin of the World Health Organization تؤكد أن التعاطف والشفقة والثقة ليست زخرفة أخلاقية، بل «قيم أساسية» لنموذج رعاية «علاقي» يتمحور حول المريض، وأن كفاءة الطبيب لا ينبغي اختزالها في خبرة تقنية فقط، لأنها تشمل «كفاءة أخلاقية-علاقاتية» تتضمن التعاطف والشفقة والثقة.
وفي المقابل، تشير الدراسة نفسها إلى أن السعي المتزايد إلى «الكفاءة» (بما فيها الاقتصادية) دفع هذه القيم إلى الهامش في أنظمة صحية عديدة، ما جعل دمجها في الممارسة اليومية أصعب أو حتى «مستحيلًا» أحيانًا.
المدافعون عن إدخال الذكاء الاصطناعي إلى الرعاية الصحية يبيعون فكرة تبدو جذابة مهنيًا: إذا تولّت الخوارزميات والأنظمة الذكية الأعمال المتكررة والتحليل الكثيف للبيانات، فسيتحرر وقت الأطباء للتركيز على «الجانب الإنساني» من الرعاية وتعزيز علاقات الثقة مع المرضى.
لكن الورقة ذاتها تحذر من أن الذكاء الاصطناعي قد يغيّر «جذريًا» الطريقة التي نفهم بها التعاطف والشفقة والثقة وكيفية ممارستها داخل النظام الصحي، وتدعو إلى إعادة تقييم ما إذا كان يمكن دمج هذه القيم وكيف يمكن ممارستها داخل منظومة يزداد فيها الاعتماد على الذكاء الاصطناعي.
وتذهب الورقة أبعد من ذلك بالسؤال المعياري: ما «نوع» الرعاية الصحية الذي ينبغي على المجتمع أن يختاره ويعززه أصلًا في عصر تتوسع فيه هذه الأدوات؟هنا تظهر المفارقة المركزية التي تمس «مهنة الإنسانية» مباشرة: الذكاء الاصطناعي لا يدخل كجهاز مثل السماعة الطبية يوسّع الحواس فقط، بل يدخل كفاعل يؤثر في «الاستدلال واتخاذ القرار»، أي في المنطقة التي كان يُفترض أنها قلب الخبرة الطبية ومسؤوليتها الأخلاقية.
في مراجعة نطاقية منشورة في Frontiers in Psychology حول «الذكاء الاصطناعي والشفقة في الرعاية الصحية»، رصد الباحثون نمو الاهتمام بهذا التقاطع خلال عقد 2011–2022، مع نقاشات متكررة حول أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، ووظائف الرعاية الصحية، ومخاوف «فقدان التعاطف».
المراجعة نفسها لا تطرح الذكاء الاصطناعي بوصفه نقيضًا للشفقة دائمًا؛ فهي تسجل أن الأدبيات تتحدث عن استخدامات يمكن أن «تعزز» عناصر مرتبطة بالشفقة مثل الوعي بمعاناة المريض، والاستجابة التعاطفية والسلوك العلاقي، ومهارات التواصل، والإرشاد الصحي، وتقديم المعلومات والنصح.
لكن نقطة الحسم ليست «هل الذكاء الاصطناعي لطيف أم قاسٍ؟ »، بل كيف نمنع تحوّل الوعود إلى استبدال صامت للقيمة الإنسانية تحت شعار الدقة والسرعة.
ورقة منظمة الصحة العالمية تلمّح إلى خطر تحوّل التركيز من مهارات إنسانية (حكم، تعاطف، ثقة) إلى تفضيل الدقة والكفاءة بوصفها القيمة الأعلى، بما قد يدفع الطب نحو إعادة تعريف ما يعتبره «كفاءة» وما يعتبره «رفاهية».
وفي لغة المراجعة النطاقية، النقاش ليس فقط هندسيًا بل أيضًا حول «ما معنى أن نكون بشرًا وأن نعتني ببعضنا البعض؟ »، وهو سؤال يعيد وضع «الإنسانية» في موضعها الأصعب: كمعيار تصميم وتشغيل ومساءلة، لا كشعار على الجدار.
الجدول الزمني لماسك يحمل تفاصيل أكثر تعقيدًا مما يبدو عليه: في يوليو 2024، وعد بطرح Optimus للبيع في 2026 مع إنتاج «منخفض المستوى» لاستخدام تسلا الداخلي في 2025، ثم إنتاج ضخم «للشركات الأخرى» في 2026.
لكن في يناير 2026، خلال منتدى دافوس الاقتصادي العالمي، عدّل ماسك الوعد ليصبح «نهاية 2027» للبيع العام.
هذا التأجيل ليس استثناءً؛ فالمشروع نفسه بدأ بوعد إنتاج في 2023 لم يتحقق أبدًا.
هذه الفجوة بين الوعد والتسليم تتسع مع كل إعلان، ما يعيد إلى الأذهان نمط «الجدول الزمني الديناميكي» الذي طبع مشاريع ماسك السابقة، من السيارات ذاتية القيادة إلى مستعمرات المريخ.
لكن حتى لو افترضنا حسن النية في الجدول الزمني، وحتى لو وصل Optimus فعلًا إلى السوق بحلول 2027، فإن المسافة بين «روبوت معروض للبيع» وبين «روبوت يعمل في غرف العمليات» أطول بكثير مما يوحي به خطاب ماسك.
فالروبوتات الجراحية الحالية، مثل نظام da Vinci الذي يُعد المعيار الذهبي، تكلف نحو مليوني دولار أمريكي كسعر شراء أولي، دون احتساب تدريب الجراحين والطاقم الطبي، ودون حساب رسوم الصيانة السنوية التي تتراوح بين 100 ألف و200 ألف دولار.
والأدوات الجراحية ذات الاستخدام الواحد (مقصات، ملاقط) تكلف بين 700 و3500 دولار لكل عملية.
البنية التحتية المطلوبة لاستيعاب جناح جراحي روبوتي تحتاج مساحة تتراوح بين 600 و700 قدم مربع، مع أنظمة تصوير متخصصة وأدوات دقيقة وتكييف خاص.
هذه التكاليف الفلكية تجعل الجراحة الروبوتية «غير ميسورة» لمعظم المرافق الصحية، خاصة في البلدان النامية.
دراسة حديثة منشورة في مجلة Digital Health بعنوان «هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يُحدث ثورة في الرعاية الصحية في الجنوب العالمي؟ » تكشف أن دول الجنوب العالمي تواجه «قيودًا بنيوية» تمنع نشر تقنيات الذكاء الاصطناعي الصحي على نطاق واسع.
من بين هذه القيود: البنية التحتية الرقمية الضعيفة (انقطاع الإنترنت المتكرر يُعطّل الأنظمة السحابية المطلوبة لرفع الصور الطبية)، وعدم توافق الأنظمة مع السجلات الصحية الإلكترونية الموجودة، والقيود المالية الحادة التي تجعل الاستثمار في تقنيات الذكاء الاصطناعي «تحديًا» في دول محدودة الموارد.
وتُحذر الدراسة نفسها من ظاهرة «حمى المشاريع التجريبية»؛ حيث عشرات المشاريع التجريبية للذكاء الاصطناعي في دول مثل جنوب أفريقيا وكينيا ورواندا تُظهر «نجاحًا تقنيًا» خلال فترة التمويل الأولي، ثم «تنهار» بمجرد انتهاء المنح الدولية لأن الحكومات لا تملك بنود موازنة لتغطية التكاليف المتكررة مثل الترخيص، والاستضافة السحابية، وصيانة الخوادم، والموظفين المتخصصين.
وتخلص الدراسة إلى أن «وعد الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية للدول النامية لا يمكن إنكاره»، لكن «العوائق الأرضية» تشير إلى أن «التنفيذ الفعلي سيكون صعبًا».
إذن، حتى لو «علّق ماسك الجرس» فعلًا بإطلاق Optimus في 2027، فإن الجرس قد لا يُسمع إلا في عدد محدود من المستشفيات النخبوية في دول الشمال العالمي، بينما يظل الجنوب العالمي -حيث تشتد الحاجة الفعلية إلى سد العجز في الأطباء والجراحين- خارج دائرة «الديمقراطية الطبية» التي يعِد بها ماسك.
والتناقض المركزي هنا ليس تقنيًا فقط بل اقتصادي وجيوسياسي: الروبوتات الطبية، حتى لو أصبحت «أفضل» من البشر تقنيًا، ستظل رفاهية لا يملك معظم سكان الأرض ترف الوصول إليها.
وهنا يتحول السؤال من «هل ستتفوق الروبوتات على الجراحين؟ » إلى سؤال أعمق: لمن تُصمم هذه الثورة التقنية أصلًا، ومن سيُستبعد منها؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك