تشهد المضاربات على اليورانيوم طفرة كبيرة وتعتبر من أكثر المواضيع سخونة في الأسواق المالية خلال النصف الأول من فبراير/ شباط 2026، أمّا الأسباب فمتعدّدة، تبدأ بنمو سوق الذكاء الاصطناعي ولا تنتهي عند المفاوضات الإيرانية الأميركية.
وفي نهاية يناير/كانون الثاني الفائت ومطلع فبراير الحالي، قفزت أسعار اليورانيوم الفورية لتتجاوز حاجز 100 دولار للرطل لأول مرة منذ عامين، مدفوعة بنقص المعروض من كبار المنتجين.
لكن في الأيام الثلاثة الأخيرة، شهد المعدن تذبذباً حاداً؛ إذ تراجع السعر قليلاً إلى منطقة الـ 88-92 دولاراً بسبب عمليات" جني أرباح" من المضاربين، ما خلق فرصة دخول جديدة لجيل آخر من المستثمرين، وهو ما زاد من وتيرة التداول.
وتحاول السوق معرفة إن كان التذبذب ناتج عن" تصحيح فني" أم" بداية هبوط"، وبسبب تقارير شركة كازاتومبروم" Kazatomprom" (أكبر منتج وبائع لليورانيوم في العالم) التي أشارت إلى نيتها زيادة الإنتاج بنسبة 9% هذا العام، بدأ صراع بين المضاربين بالصعود (بسبب طلب الذكاء الاصطناعي) والمضاربين بالهبوط (بسبب زيادة المعروض).
ما دفع سعر الرطل إلى ما دون 89 دولاراً اليوم الاثنين.
ويشرح موقع" سبروت" المتخصص أن ما دفع سعر اليورانيوم إلى ما فوق 100 دولار للرطل، إعلان الولايات المتحدة الأميركية عن تعزيز القدرة النووية طويلة الأجل مما دعم ارتفاع الأسعار، في المقابل تتفاقم قيود العرض إذ إنّ تشديد كازاخستان للرقابة على عمليات الاستكشاف وبطء تطوير المناجم الجديدة يؤكد وجودَ قاعدة عرض مركزة وغير مستثمرة على نحوٍ كافٍ، ما يزيد من الحاجة إلى تسعير تحفيزي أعلى.
ويشرح الموقع أن هذا العام يشهد تسارعاً في عمليات الشراء، ما يعزز أسعار العقود طويلة الأجل وزخم السوق، إذ إنّ أمن الطاقة، والكهرباء، وموثوقية الأحمال الأساسية، والنمو في الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات، كلها عوامل تدعم الطلب على اليورانيوم.
وشهد شهر يناير أداءً استثنائياً في قطاع اليورانيوم، بعد عامٍ رسّخ أسساً أقوى مما أشارت إليه أسعار السوق الفورية المعلنة.
وارتفع سعر اليورانيوم الفوري إلى 101.
26 دولار للرطل، مسجلاً ارتفاعاً بنسبة 24.
18% في يناير، وهو أعلى مستوى له منذ فبراير 2024، عندما بلغت الأسعار ذروتها عند 107 دولارات، كما أشارت هذه الحركة إلى عودة ثقة المستثمرين بقوة، فقد دخل المشترون دافعين سوق اليورانيوم بسرعة عبر مستويات المقاومة السابقة.
كما ارتفع سعر اليورانيوم الآجل بنسبة 2.
33% ليصل إلى 88 دولاراً للرطل بنهاية الشهر، مسجلاً أعلى مستوى له في هذه الدورة وأقوى قراءة له منذ مايو/أيار 2008.
ويُعد سعر اليورانيوم الآجل الثابت والمرتفع حجر الزاوية لقوة الصناعة لأنه يدعم توقعات مشتريات شركات المرافق.
يأتي ذلك بعدما كان مسار اليورانيوم خلال عام 2025 متقلباً ومحبطاً في كثير من الأحيان، على الرغم من التحسّن المطرد في أساسياته.
وشهد شهر يناير تحولاً متجدداً في اهتمام المستثمرين نحو قطاع التنقيب والإنتاج، وتركز جزء كبير من حماس العام الماضي على الشركات العاملة في مجال الصناعات النووية، مع اتّساع نطاق النهضة النووية وتكثيف الدعم الحكومي.
وفي منتصف يناير، أصدرت الولايات المتحدة إعلاناً بموجب المادة 232 بشأن المعادن الحيوية، خلصت فيه إلى أن مستويات الاستيراد الحالية تُهدد الأمن القومي للولايات المتحدة.
ويشمل الإعلان اليورانيوم صراحةً في وصفه لاعتماد قطاع الطاقة على المعادن الحيوية للوقود النووي، ويُحدد مواطن الضعف في الاعتماد المفرط على سلاسل التوريد الأجنبية، ومحدودية الوصول الآمن والموثوق، وتقلبات الأسعار التي قد تُثني عن الاستثمار وتُضعف القدرات المحلية.
بالنسبة لمستثمري اليورانيوم، يُعدّ العنصر الأهم هو العملية التي يُطلقها هذا الإعلان، والتي تُوجّه الولايات المتحدة إلى مواصلة المفاوضات مع شركائها التجاريين لتعديل الواردات.
وفي أوائل يناير، أعلنت وزارة الطاقة الأميركية عن تمويل بقيمة 2.
7 مليار دولار لتعزيز خدمات تخصيب اليورانيوم المحلية على مدى السنوات العشر القادمة، وهي خطوة مهمة في إعادة بناء قدرة دورة الوقود مع تزايد أولويات أمن الطاقة.
على نطاق أوسع، تندرج هذه الإجراءات ضمن طموح واضح لمضاعفة القدرة النووية الأميركية أربع مرات بحلول عام 2050، بما في ذلك هدف آخر يتمثل في بناء 10 مفاعلات كبيرة جديدة بحلول عام 2030.
وإذا ما تمكنت الولايات المتحدة من مضاعفة قدرتها النووية أربع مرات، فسيتطلب ذلك كمية هائلة من إمدادات اليورانيوم الإضافية، تعادل تقريباً ضعف الإنتاج العالمي الحالي من اليورانيوم للولايات المتحدة وحدها.
من جهة أخرى، قدّمت كازاخستان إشارةً هامةً بشأن جانب العرض في 29 ديسمبر/كانون الأول 2025، من خلال تعزيز سيطرة شركة كازاتومبروم على عمليات استكشاف وتطوير اليورانيوم مستقبلاً.
تتمتع كازاتومبروم الآن بحقوق أولوية للحصول على تراخيص استكشاف في المناطق الواعدة، والقدرة على حجز مناطق تحتوي على تمعدن أو رواسب اليورانيوم.
وتشديد كازاخستان للرقابة على استكشاف اليورانيوم يعزز مخاطر الإمداد، مما يشير إلى ضرورة وجود حوافز أعلى لإطلاق الإنتاج في المستقبل.
وتستحوذ كازاخستان وكندا وناميبيا على ما يقارب ثلاثة أرباع إنتاج المناجم العالمي، إذ تساهم كازاخستان وحدها بنسبة 38% من الإمدادات العالمية في عام 2024.
وبالنظر إلى المستقبل، من المتوقع أن يتسع عجز العرض على نحوٍ ملحوظ مع ازدياد الطلب وصعوبة مواكبة الإنتاج الجديد لهذا التزايد، ما يجعل السوق يعتمد بصورة متزايدة على أسعار تحفيزية أعلى.
ولأن كازاخستان دولة حبيسة وترتبط تاريخياً بموسكو، فإنّ جزءاً كبيراً من بنيتها التحتية التصديرية يمر تقليدياً عبر الأراضي الروسية.
وهذا يمنح الكرملين نوعاً من الرقابة غير المباشرة على أهم خط إمداد لليورانيوم في العالم.
وبينما سارعت الولايات المتحدة وأوروبا إلى فرض عقوبات على النفط والفحم الروسيَين عقب غزو أوكرانيا، ظل الوقود النووي لفترة طويلة مستثنى بشكل ملحوظ من هذه العقوبات؛ لأن المفاعلات الغربية، وخاصة في أوروبا الشرقية والولايات المتحدة، كانت تعتمد مادياً واقتصادياً على اليورانيوم المخصب روسياً، ما يعزز أهمية اليورانيوم في الصراعات المستقبلية.
من جهة أخرى، يرتبط اليورانيوم بـ" هوس الذكاء الاصطناعي"، وبدأت الشركات التكنولوجية الكبرى (مثل مايكروسوفت وأمازون) تبرم صفقات ضخمة لتأمين طاقة نووية لمراكز بياناتها، مما حول اليورانيوم في نظر المستثمرين من" سلعة طاقة" إلى" وقود للذكاء الاصطناعي".
وتقوم صناديق مثل Sprott Physical Uranium Trust بشراء وتخزين اليورانيوم المادي من السوق، ما يسحب الكميات المتاحة ويزيد من حدة المضاربة السعرية.
والأسبوع الماضي صدرت أخبار عن عرض إيراني لتخفيف تخصيب اليورانيوم مقابل رفع العقوبات.
مثل هذه الأخبار السياسية تزيد من حدة المضاربة في العقود الآجلة لأنها تمس" أمن الطاقة العالمي".
ويشرح موقع" يوراسيا ريفيو" أن اليورانيوم هو مصدر طاقة نظيفة لا حدود لها تقريباً، قادرة على إنقاذ الكوكب من الاحتباس الحراري، ومع ذلك يبقى مرتبطاً بأخطر الأسلحة التي جرى ابتكارها على الإطلاق.
وفي ظل المناخ الجيوسياسي الراهن، أصبح اليورانيوم بمثابة" الذهب الخفي".
ويقول الموقع إن الدول التي ستقود الاقتصاد المستقبلي هي تلك القادرة على ضمان دورة نووية متكاملة: من المناجم في المناطق النائية إلى قاعات التخصيب عالية التقنية، وصولاً إلى مستودعات النفايات النووية العميقة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك