في المقال السابق، استعرضنا أسباب تعثر بعض المشاريع رغم اكتمال تصاميمها.
وتوقفنا عند سؤال أساس: لماذا تتكرر الفجوة بين ما يُرسم على الورق وما يُنفذ على أرض الواقع؟ غالبًا ما تكمن الإجابة في الفصل غير المعلن بين مرحلتين يفترض أن تكونا متكاملتين: التصميم المعماري وإدارة المشروع.
عندما يصبح التصميم عالمًا مستقلًا.
في بعض الممارسات المهنية، يُعتبر التصميم مرحلة إبداعية منفصلة تنتهي بتسليم المخططات، لتبدأ بعدها مرحلة أخرى تُدار وفق منطق مختلف تمامًا.
قد يبدو هذا الفصل منظمًا من الناحية الإدارية، لكنه عمليًّا يخلق فجوة خطيرة.
فالتصميم الذي لا يستند إلى فهم واضح لتسلسل التنفيذ وإمكانيات الموقع وقدرات المقاولين وسلوك السوق قد يتحول إلى عبء أثناء التنفيذ، حتى لو كان متقناً من الناحية الجمالية أو الفنية.
المشكلة هنا ليست في جودة التصميم بحد ذاته، بل في انفصاله عن الواقع التنفيذي.
إدارة المشروع ليست مجرد إجراء إداري.
غالبًا ما يُختزل مفهوم إدارة المشروع في الجداول الزمنية والتقارير الدورية، بينما هو في الحقيقة عملية تنسيق شاملة تجمع بين القرار الفني والمالي والزمني.
عندما لا يوجد تواصل حقيقي بين المصمم ومدير المشروع، تبدأ القرارات تُتخذ بعيدًا عن الرؤية الأصلية، أو تُفرض تعديلات تحت ضغط الوقت أو التكلفة دون تقييم تأثيرها الكلي.
وغالبًا ما تكون النتيجة سلسلة من الحلول الجزئية التي تفقد المشروع توازنه.
تظهر الفجوات في لحظات معينة، منها:
· اعتماد تفاصيل تصميمية دون مراجعة التكاليف التنفيذية الحقيقية.
· تعديل في الموقع لم يؤخذ في الاعتبار ضمن المخططات الأصلية.
· قرارات سريعة لمعالجة التأخيرات الزمنية تؤثر على جودة النتائج.
· ضعف التنسيق بين التخصصات المختلفة (معماري، إنشائي، كهرباء، ميكانيكا).
قد تبدو كل نقطة من هذه النقاط صغيرة، لكنها عندما تتراكم تتحول إلى أزمة مشروع.
تثبت التجربة أن المشاريع الأكثر نجاحًا هي تلك التي يُدار فيها التصميم والتنفيذ بفكر تكاملي منذ البداية.
ليس شرطًا أن يكون الشخص نفسه مسؤولًا عن المرحلتين، لكن من الضروري أن تكون الرؤية موحدة، والقرارات متناسقة، والمعلومات تتدفق بوضوح بين جميع الأطراف.
عندما يفهم المصمم تأثير قراراته على الجدول الزمني والتكاليف، ويدرك مدير المشروع أبعاد القرار المعماري وتأثيره على هوية المشروع ووظيفته، يتحقق التوازن المطلوب.
مسؤولية مشتركة لا تبادل اتهامات.
من السهل عند تعثر أي مشروع أن تبدأ دوامة اللوم: المصمم يلوم المقاول، والمقاول يشير إلى ضعف التفاصيل، وصاحب المشروع يتساءل عن جدوى التكلفة.
لكن الحل لا يكمن في تحديد المخطئ، بل في إعادة صياغة العلاقة بين الأطراف منذ البداية.
الهندسة المعاصرة تتطلب عقلية تعاون بدلًا من عقلية المراحل المنفصلة.
فالمشروع ليس سباقًا بين التخصصات، بل هو منظومة واحدة؛ إذا اختل جزء منها تأثر الكل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك