من خلال تجربتي في تقديم الخدمات الاستشارية منذ عام 2020، قدمت ما لا يقل عن 300 جلسة للباحثين عن مسكن مناسب.
ولاحظت أن النمط السائد لدى كثير من حديثي الزواج هو التوجه لشراء عقار يفوق احتياجهم الفعلي والدخول في التزام مالي طويل الأمد تحت مسمى “بيت العمر” رغم تحفظي على المسمى.
هذا التوجه يرتبط أحيانًا بثقافة اجتماعية تعتبر حجم المنزل أو فخامته مؤشرًا على النجاح، ما يدفع البعض للاقتراض مبالغ كبيرة منذ بداية حياتهم العملية مقابل خيار لا يتناسب مع مرحلتهم الحالية.
وأصبح امتلاك “بيت العمر” يُطرح وكأنه خطوة إلزامية رغم ما قد يسببه من ضغط مالي وقلق نفسي.
ففي الماضي كانت العائلات الكبيرة تسكن منزلًا واحدًا وتقوم السعادة على الترابط والبساطة، ولم يكن حجم المسكن معيارًا للنجاح، لكن مع تغير نمط الحياة وطريقة الاستعراض والتباهي في وسائل التواصل ارتبطت قيمة السكن بالمظهر الاجتماعي، وأصبح كثير من الشباب يطمح لمنزل مستقل يلفت الانتباه حتى في بداية حياته العملية.
وهنا قد تتحول الرغبة في تحسين المعيشة إلى عبء طويل الأمد بينما الاحتياجات تتغير مع الوقت.
لذلك يبقى القرار السكني بحاجة إلى واقعية وتوازن، بحيث يُبنى على الاحتياج والقدرة المالية، لأن الاستقرار الحقيقي لا يتحقق بامتلاك منزل كبير بقدر ما يتحقق بقرار يحافظ على جودة الحياة بعيدًا عن الالتزامات التي تفوق القدرة.
ومن هذا المنطلق، أرى أن برنامج “طموح” الذي أطلقته وزارة الإسكان يمثل نموذجًا متوازنًا وواقعيًا لفكرة “التدرج السكني”.
فالبرنامج يقدم تمويلًا تكميليًا مدعومًا يستهدف المواطن الذي سبق له شراء شقة عبر التمويلات الإسكانية، ويمنحهم فرصة لاحقة للانتقال إلى مسكن أكبر بعد تحسن ظروفهم وتوسع رغباتهم.
وبمعنى أوضح، تساعد الدولة على تملك سكن مستقل أولًا عبر شقة مناسبة كبداية عملية، ثم تتيح له “الترقية” إلى عقار أوسع بعد سنوات من الاستقرار.
ويقدم البرنامج دعمًا إضافيًا قد يصل إلى 20 ألف دينار مع فترة سداد تمتد إلى 15 سنة بأقساط معقولة، بشرط مرور ما لا يقل عن عشر سنوات على التمويل الأولي، مما يجعله خيارًا يتماشى مع تطور احتياجات الأسرة وقدرتها المالية.
كما يحمل البرنامج أبعادًا استراتيجية واضحة من خلال تقليل قوائم الانتظار، وتحريك ودعم السوق العقاري، ليؤكد في النهاية أن السكن ليس سباقًا اجتماعيًا، بل مسار حياة يجب أن يُبنى على التخطيط والاستدامة المالية بعيدًا عن المبالغة في الديون والالتزامات.
وفي مقالاتنا القادمة بإذن الله، سأعرض تحليلًا معمقًا يقارن بين الشقق والفلل، مع مناقشة التحديات والفرص لشرح أبجديات كيفية اتخاذ قرار مبني على دراسة واقعية تلائم الاحتياجات بناء على القدرات، بعيدًا عن المبالغة في تبني قرار غير مدروس.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك