في إحدى حواري مكة القديمة، وقبل أن تبتلع العمارات الحديثة تفاصيل البيوت الطينية، كان صوت الطرق على الأبواب مع غروب الشمس إعلانًا غير مكتوب: الليلة شعبنه.
لا دعوات رسمية، ولا بطاقات، فقط معرفة متوارثة بأن هذا المساء مختلف، وأن الموائد ستُفتح قبل رمضان، لتجمع ما تفرّق من القلوب طوال العام.
الشَّعبنة، أو «شعبنة رمضان»، ليست مجرد وليمة عابرة في منطقة مكة المكرمة، بل طقس اجتماعي ضارب في الجذور، يعود إلى قرون مضت، حين كان أهل مكة والمدينة وجدة والطائف والقرى المحيطة بها يستقبلون شهر الصيام باللقاء قبل العبادة، وكأنهم يجدّدون العهد قبل أن تبدأ أيام الإمساك والقيام.
ارتبطت الشعبنة بشهر شعبان، الشهر الذي يسبق رمضان، وكان يُنظر إليه كفرصة أخيرة للالتقاء وتبادل الطعام قبل أن تنشغل البيوت بالصيام.
وفي مجتمع عُرف بالتكافل، تحوّلت هذه المناسبة إلى عادة اجتماعية، لا تقتصر على العائلة الواحدة، بل تمتد للجيران، وأهل الحارة والقرية، وحتى عابري السبيل فالعد التنازلي لاستقبال رمضان يحتم عليهم الاحتفاء به بطقس لا يعرف متى بدأ ومن كان له السبق به.
في جدة التاريخية، كانت الشعبنة تُقام في الأزقة المفتوحة وتحت الرواشين الخشبية، حيث تُمد السفرة الطويلة وتتنوع الأطباق، بينما يغلب الطابع الأسري في مكة والمدينة، مع حضور الأكلات الشعبية التي تحمل نكهة المكان وذاكرته.
لم يكن الغنى أو الفقر معيارًا، فكل بيت يقدّم ما يستطيع، والمشاركة هي القيمة الأعلى.
وفي الطائف يعمد الكثير من سكان المدينة والقرى المحيطة به إلى خيار “الكشتة”، تجتمع العائلات ضاربة موعداً في “شعيب” قريب، أو منطقة برية، تحزم الامتعة وتتوجه العوائل مع ساعات الصباح الأولى لتناول وجبة الغداء التي غالباً ما تكون “السليق الطائفي” بلسان حال يودع الغداء، ويستبق ملامح فرحتي رمضان والعيد قبل حلولها.
خيار اللجوء إلى الكشتة البرية يخضع لبروتوكولات مختلفة لدى بعض العوائل، حيث تمتد الجلسات على الرمال، وتُشعل النيران هناك، يتولى الرجال طبخ الذبائح بأنفسهم، في مشهد يجمع بين الفرح والكرم، في أجواء بسيطة تعيد للذاكرة طعم الاجتماع الأول، بعيدًا عن صخب المدن.
ولم تكن الشعبنة مناسبة صامتة، بل كانت تحمل وجهًا احتفاليًا نابضًا بالحياة.
ففي بعض الأحياء، خصوصًا في المدن الساحلية وقرى ينبع وما حولها، كان الأهالي يحيون الليلة بعروض احتفالية، وتعلو فيها الأهازيج الشعبية، ويجتمع الرجال في ساحات الحارات يؤدّون رقصاتهم الجماعية، في مشهد يعكس الفرح الجماعي بقدوم شهر رمضان.
كانت تلك الإيقاعات إعلانًا غير مباشر بأن الشهر الفضيل بات قريبًا، وأن استقباله يبدأ بالفرح قبل الصيام.
ويروي كبار السن أن الشعبنة قديمًا لم تكن تُعلن رسميًا، لكنها كانت معروفة بموعدها، وغالبًا ما تكون في منتصف شعبان أو قبيل دخول رمضان بأيام.
وكان الأطفال ينتظرونها بشغف، لا للطعام فقط، بل للأجواء التي تمتلئ بالضحك، والحكايات، وتبادل الأخبار، في وقت كانت فيه المجالس نافذة التواصل الأوسع.
ومع تغيّر أنماط الحياة وتسارعها، تراجعت الشعبنة في بعض المدن، أو تحوّلت إلى تجمعات عائلية محدودة، بينما حافظت أحياء وعوائل في منطقة مكة المكرمة على روحها، ولو بأشكال أبسط.
ومع ذلك، بقي جوهرها حاضرًا: التقارب، والتسامح، ولمّ الشمل قبل رمضان.
تبدو الشعبنة كابتسامة جماعية تسبق شهر الصيام؛ ضحكات على مائدة ممتدة، أو حول نار في البر، أو على إيقاع مزمار في حارة قديمة.
هي لحظة فرح خفيفة تقول لأهل المنطقة: استمتعوا باللقاء اليوم، فبعد عدة أيام يبدأ الصيام ومعه تبدأ حكاية جديدة من الروحانية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك