يعود اليوم الوطني للسلامة الطرقية (18 فبراير)، بنفس البرامج والمشاهد المناسباتية، تتكرر نفس الخطابات: أنشطة تحسيسية داخل المؤسسات التعليمية، دروس نظرية وتطبيقية في الفضاءات الجمعوية، خرجات إعلامية رسمية غاضبة من تزايد حوادث السير.
تنشط فيها أجهزة الأمن الوطني والدرك الملكي، ومؤسسة السلامة الطرقية، وقطاعات التجهيز والتعليم والثقافة، مع المتجمع المدني والإعلامي و.
كلها تدين الراجلين والسائقين.
يُطالَب السائق بحسن السلوك واحترام مدونة السير، وبالتأمين التقني والوثائقي لمركبته، ويُطالَب الراجل باحترام ممراته والالتزام بالإشارات الضوئية والمشي فوق الأرصفة.
مشهد يبدو في ظاهره منسجمًا ومنطقيًا، لكنه في عمقه يخفي اختلالًا بنيويًا كبيرًا.
لا أحد يختلف حول أهمية التحسيس والتوعية، ولا حول ضرورة ترسيخ ثقافة احترام قانون السير.
لكن السؤال الجوهري الذي يُؤجَّل كل سنة هو: هل وفّرت الحكومة والجماعات الترابية الشروط الواقعية لتطبيق هذا القانون؟ أم أننا نكتفي بتحميل الحلقة الأضعف كلفة فشل السياسات العمومية في مجال السلامة الطرقية؟
وهل وضعت الحكومة برامج خاصة ودقيقة للتحسيس والتوعية بعيدا عن هذا اليوم (18 فبراير).
برامج بمناهج هادفة داخل المدارس ودور الشباب والثقافة.
طبعا لا.
من الجميل أن تنتفض القطاعات المعنية، من تربية وتعليم وتجهيز ونقل وسلطات أمنية، بتنظيم حملات لفائدة التلاميذ والطلبة والراجلين والسائقين، بهدف الحد من نزيف الطرقات الذي يحصد سنويًا قتلى وجرحى ومعطوبين.
لكن الأجمل ( بل الأجدر ) أن يمتد كل هذا طيلة السنة وأن يلامس عن قرب كل الفئات العمرية بكل المناطق المغربية.
(الأجدر) أن يقوم المسؤولون، حكومةً وبرلمانًا ومجالس منتخبة، بواجبهم الكامل في تهيئة الطرقات والأزقة والشوارع، وتجهيزها بعلامات التشوير الضرورية، الصحيحة، والواضحة وقانونية.
فمن غير المقبول، مثلًا، أن نجد علامة “قف” التي يُفترض أن تكون مضلعًا بثمانية أضلاع وفق المعايير الدولية (حتى تقرأ من الجانبين)، تتحول في مدن مغربية إلى دائرة أو مربع أو مستطيل.
هذه “التفاصيل” ليست شكلية، بل قد تكون سببًا مباشرًا في حوادث قاتلة، لأن السلامة الطرقية علم ومعايير قبل أن تكون شعارات.
الأخطر من ذلك، هو ما يعيشه الراجل المغربي يوميًا داخل المدن.
فالأرصفة، التي يفترض أن تكون فضاءه الآمن، تحولت إلى غنيمة محتلة من طرف المقاهي والمطاعم والمحلات التجارية والخدماتية.
احتلالٌ صار شبه مقنن، يدفع الراجل قسرًا إلى النزول إلى الشارع، ومواجهة السيارات والدراجات والحافلات والدواب في مشهد عبثي يعكس فشلًا جماعيًا في تدبير الفضاء العمومي.
تُضاف إلى هذا الوضع العشوائي والغياب شبه التام لممرات الراجلين، باستثناء بعض واجهات المدن ومداخلها “المُزخرفة” التي تُستعمل كـواجهة عرض.
وحتى حين توجد هذه الممرات، فإنها غالبًا لا تحظى بالاحترام اللازم من طرف السائقين، خاصة حين تكون بعيدة عن الإشارات الضوئية.
هذا دون الحديث عن تلك الممرات التي تمحى بدون تجديدها.
يُحمِّل القانون مسؤولية السلامة للطرفين معًا، إذ يفرض غرامات مالية على المخالفين لقواعد السير.
فالسائق الذي لا يحترم أولوية الراجلين يُعاقَب بغرامة تتراوح بين 300 و400 درهم، في حين يُغرَّم الراجل مبلغ 25 درهمًا عند عدم التزامه بقواعد العبور، في محاولة لفرض الانضباط وتقاسم المسؤولية داخل الفضاء الطرقي.
غير أن هذا القانون، رغم وضوح مقتضياته، لا يُحترم في الواقع اليومي، إذ ما تزال أولوية الراجلين تُنتهك بشكل واسع، وتظل الغرامات حبرًا على ورق في غياب المراقبة الصارمة والتطبيق العادل، مما يُفرغ النص القانوني من وظيفته الردعية والتربوية.
لقد تم تفعيل المادتين 94 و187 من القانون رقم 52.
05 منذ سنوات على صدوره، وكان الأجدر استثمار تلك السنوات في حماية الراجلين وتهيئة المجال الحضري قبل تفعيل العقوبات.
والتجارب السابقة واضحة: قانون منع التدخين في الأماكن العمومية الصادر سنة 1992 لم يُطبق، لكن الظاهرة تراجعت تدريجيًا بفعل التحول المجتمعي.
وقانون منع الأكياس البلاستيكية دخل حيز التنفيذ، لكن الأكياس لا تزال تُنتج وتُسوّق، بينما يُعاقَب صغار التجار وتستفيد الشركات الكبرى.
أمام هذا الواقع، يصبح السؤال مشروعًا: ما جدوى فرض قانون غير قابل للتطبيق؟ ليس لأن المغاربة يرفضون القانون أو يعصونه، بل لأن القانون، وهو يرفع شعار “التخفيف من حوادث السير”، يستهدف فئة مغلوبة على أمرها، لا تتوفر لها شروط الامتثال.
كيف نطالب راجلًا باحترام ممرات غير موجودة؟ وكيف نُغرِّمه لأنه لم يستعمل رصيفًا محتَلًّا؟
هناك فرق شاسع بين من يترجل في أحياء راقية هادئة، تتوفر على فضاءات منظمة، وبين من يضطر إلى السير وسط أزقة هامشية مكتظة، قرب الأسواق الشعبية والمراكز التجارية.
فرق بين من يمشي بأريحية، ومن يُدفع دفعًا إلى وسط الطريق بحثًا عن “فجوة” وسط زحام قاتل.
لقد اعتاد المغاربة، للأسف، على أسلوب سهل ومريح لدى الحكومة والبرلمان: إصدار قوانين غير قابلة للتطبيق، ثم الإعلان عن تفعيلها للتخفيف من المسؤولية السياسية.
في حين أن أول من يفترض مساءلته، هو من لم يوفر الشروط المادية والبنيوية لتطبيق تلك القوانين.
كيف سيتصرف شرطي المرور مع طفل “مخالف” لم يستعمل ممر الراجلين؟ أو مع سائق عربة مجرورة أو راكب دابة داخل المدينة؟ وكيف يمكن تطبيق القانون في ظل غياب الممرات واحتلال الأرصفة؟ هل يُطلب من الراجل، في هذه الحالة، أن يستقل سيارة أجرة للعبور من رصيف إلى آخر؟ ربما يكون ثمن الرحلة أقل من الغرامة نفسها.
ثقافة العبور لا تُفرض بالغرامات، بل تُبنى بالتدرج، منذ الطفولة، داخل مدرسة تحترم محيطها، ومدينة تحترم إنسانها.
إنها سلوك يومي يفترض أن يكون بديهيًا، لا نتيجة خوف من العقاب.
لكن كيف نطلب من المواطن أن يؤمن بثقافة العبور، في فضاء يؤمن بالفوضى والتسيب؟السلامة الطرقية لن تؤمن بالأنشطة الموسمية.
السلامة الطرقية ليست موسمًا تحسيسيًا، ولا شعارًا يُرفع مرة في السنة.
إنها سياسة عمومية متكاملة تبدأ من الرصيف، وتمر عبر التخطيط الحضري، ولا تنتهي عند دفتر المخالفات.
أما غير ذلك، فسيظل اليوم الوطني للسلامة الطرقية مجرد موعد لتكرار نفس الخطاب… ونفس المآسي.
المفارقة التي تختزل جوهر اختلال السلامة الطرقية في المدن المغربية: ممرات الراجلين موجودة، لكنها غير مُعترف بها سلوكيًا، لا من طرف السائق ولا من طرف الراجل.
فمن جهة أولى، معظم السائقين لا يتوقفون عند ممرات الراجلين، رغم أن القانون يمنح الأسبقية الصريحة للراجل.
تمر السيارات بسرعة، وأحيانًا بتحدٍّ واضح، وكأن الممر مجرد خطوط باهتة على الإسفلت لا قيمة لها.
هذا السلوك لا يرتبط فقط بالاستهتار، بل أيضًا بغياب الردع، وبثقافة مرورية تشكلت في فضاء لا يُكافئ احترام القانون ولا يعاقب خرقه بشكل عادل ومنتظم.
ومن جهة ثانية، بعض الراجلين أنفسهم لا يستعملون هذه الممرات، إما بدافع الاستعجال، أو لانعدام الثقة في توقف السائقين، أو لاعتقاد راسخ بأن المرور من أي نقطة أسلم من الانتظار عند ممر لا يحترمه أحد.
والأسوأ من ذلك، أن فئة غير قليلة من الراجلين لا تعلم أصلًا أن بعض ممرات الراجلين مرتبطة بالإشارات الضوئية، وأن استعمالها يخضع لمنطق الضوء الأحمر والأخضر، تمامًا كما هو الشأن بالنسبة للسيارات.
جهل قوانين السير وسلوك اللامبالاة المتداول، ليس مسؤولية الراجل وحده، بل هو نتيجة مباشرة لغياب التربية المرورية الواضحة والمستمرة، سواء داخل المدرسة أو في الفضاء العام.
فممر الراجلين غير المزود بإشارة تفسيرية، أو غير المصحوب بتشوير أرضي وعمودي واضح، يتحول إلى فضاء غامض، يفتح الباب للاجتهاد الفردي والخطأ القاتل.
بل إن شوارع وأزقة المدن تعرف ولوج أنواع أخرى من العربات الغير المؤمنة، عربات مجرورة بالدواب أو من طرف الإنسان.
تضاف إليها في السنوات الأخيرة.
الدراجات الالكترونية (تروتنيت)، لتتحول الأزقة والشوارع إلى فوضى السير.
وتزيد خطورتها حتى على السائق والراجل الذي يحترم قوانين السير.
بل يبقى مهدد بالخطر حتى إن احترم حتى تجاوزات المتجاوزين.
النتيجة أننا أمام حلقة مفرغة، حيث السائق لا يتوقف لأنه لا يرى راجلًا يحترم الممر، والراجل لا يحترم الممر لأنه لا يرى سائقًا يتوقف.
وفي غياب تدخل حازم يربط بين التجهيز، والتربية، والمراقبة العادلة، تظل ممرات الراجلين مجرد ديكور حضري بلا روح، لا يحمي حقًا ولا ينقذ حياة.
إن احترام ممرات الراجلين لا يبدأ من الغرامة، بل من الاعتراف المتبادل بالحق في الطريق، ومن بناء وعي جماعي بأن هذه الخطوط البيضاء ليست خيارًا، بل حدًّا فاصلًا بين الحياة والموت.
اليوم الوطني للسلامة الطرقية مناسبة لتعداد الخسائر.
في كل سنة، ومع اقتراب اليوم الوطني للسلامة الطرقية، تتكرر المشاهد نفسها وتُستعاد الخطابات ذاتها، وكأن الزمن المروري في المغرب يدور في حلقة مفرغة.
خرجات إعلامية رسمية غاضبة من ارتفاع حوادث السير، وتحميل متوازن ( في الظاهر ) للمسؤولية بين السائق والراجل.
خلال هذه المحطات، يتم سنويًا الكشف عن أرقام ومعطيات صادمة تؤكد، مرة أخرى، خطورة الوضع المروري واستمرار نزيف الطرقات، بما يحمله من قتلى وجرحى ومعطوبين، وما يخلّفه من دماء ودموع داخل آلاف الأسر المغربية.
أرقام تتغير في تفاصيلها، لكنها تتشابه في خلاصتها: حوادث السير ما تزال تحصد الأرواح بوتيرة مقلقة، رغم كل حملات التحسيس.
غير أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في غياب الأنشطة أو تعدد المتدخلين، بل في طابعها المناسباتي.
فبمجرد انتهاء هذه الأيام التحسيسية، تخفت الأصوات، وتُطوى العروض، وتعود الفوضى المرورية إلى سابق عهدها، وكأن الأمر يتعلق بواجب سنوي لرفع العتب، لا بسياسة عمومية مستدامة.
إن ما تؤكده هذه المعطيات المتكررة، سنة بعد أخرى، هو الحاجة الملحة إلى برنامج وطني سنوي دقيق، واضح الأهداف، محدد المسؤوليات، ومرفق بآليات التتبع والتقييم.
برنامج لا يكتفي بالتحسيس، بل يربط بين التربية الطرقية داخل المدرسة، والتخطيط الحضري السليم، واحترام الفضاء العمومي، والتطبيق العادل للقانون، دون انتقائية أو استهداف للحلقة الأضعف.
فنزيف الدماء على الطرقات لا يمكن وقفه بنداءات ظرفية، ولا بعروض موسمية، بل بإرادة سياسية حقيقية تجعل من السلامة الطرقية أولوية دائمة، لا حدثًا عابرًا في رزنامة المناسبات.
إلى أن يتحقق ذلك، سيظل اليوم الوطني للسلامة الطرقية مناسبة لتعداد الخسائر… بدل أن يكون موعدًا للاحتفال بإنقاذ الأرواح.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك