ما إن أنهى الثانوية العامة قبل عامين، حتى اكتشفت والدة الشاب (وسام) أنه ما يزال يتناول بعض أنواع الأدوية التي كانت تساعده على النشاط والاستيقاظ لساعات طويلة، قد تستمر لأيام، حتى يتمكن من مراجعة الدروس المتراكمة عليه قبل أيام من الامتحان الوزاري.
اضافة اعلان.
في حين أن أصدقاء وسام، أو من هم أصغر منه سنا يحاولون تقليده في الحصول على تلك الأدوية، التي يمكن أن تكون مناسبة لمن يعانون من أعراض وأمراض معينة، حتى يتمكنوا من تكرار تجربته، وللمساعدة على النشاط والاستيقاظ لساعات طويلة يتمكنون خلالها من إتمام الدراسة المتراكمة.
المراهقون واللجوء للحبوب والمنشطات.
يعلق كثيرون حول استخدام المهدئات أو المنشطات العقلية للمراهقين أو الشباب، مستشهدين ببعض المقاطع على مواقع التواصل الاجتماعي، التي تبين على سبيل المثال، فتاة تعرضت لموقف أدى إلى توترها أو تشنج الأعصاب لديها، فتسارع إلى حقيبتها وتتناول حبة بشكل سريع، لتظهر بعدها تحسن حالتها النفسية والمزاجية وأنها أصبحت أفضل و" أهدأ".
اختصاصي الصحة النفسية والعلاج النفسي الدكتور محمد عيد الشخانبة يؤكد أننا بتنا في الآونة الأخيرة نسمع كثيرا عن لجوء بعض المراهقين وحتى طلبة الجامعات إلى تناول أدوية معينة بهدف تحسين الأداء الدراسي أو البقاء في حالة يقظة لفترات أطول لإنجاز الواجبات وإكمال المشاريع المطلوبة منهم.
وغالبا ما تندرج هذه الأدوية ضمن فئة المنشطات، مثل مادة الكبتاغون وغيرها من المسميات والأنواع الطبية الأخرى، حيث يشير الشخانبة إلى أن هذه المواد قد تمنح شعورا مؤقتا بزيادة التركيز وإطالة ساعات الاستيقاظ، لكنها في المقابل تحدث اضرارا جسيمة في الجهاز العصبي.
ولكن بعيدا عن تحول هذا النوع من تناول الأدوية إلى حالة من" الإدمان" في بعض الحالات، إلا أن الحديث هنا يدور حول الاعتياد الذي لم يتطور إلى الإدمان، وإنما تناولها بين الحين والآخر، بحجة الحاجة إليها بسبب الظروف النفسية أو الدراسة وغيرها من مبررات الأبناء.
وفي حالة أخرى، تشتكي والدة إحدى الفتيات (اليافعات) من أنها وجدت في غرفة ابنتها مجموعة من عبوات الأدوية الفارغة، وعند الاطلاع عليها تبين أنها أقراص دوائية تساعد على النوم (مهدئة)، لتتفاجأ ايضا أن ابنتها كانت ومنذ وقت طويل تتناول تلك الأنواع دون علم ذويها.
ويوضح الشخانبة بأن الجهاز العصبي يحتاج بطبيعته الى فترات من الراحة حتى يحافظ على توازنه ووظائفه السليمة، وعندما يجبر الإنسان جهازه العصبي على العمل فوق طاقته وحرمانه من النوم والراحة، فإن ذلك قد يؤدي إلى تلف واضطرابات قد تظهر خلال أشهر قليلة، وليس بالضرورة بعد سنوات طويلة.
إضافة إلى ذلك، فإن هذه الأدوية تحمل قابلية عالية للإدمان، فالمراهق الذي يتناول حبة واحدة قد يتمكن في البداية من السهر لساعتين أو ثلاث ساعات إضافية، ومع تكرار الاستخدام تصبح الجرعة نفسها غير كافية لتحقيق الأثر ذاته، فيضطر إلى زيادة الجرعة تدريجيا.
ومع مرور الوقت، بحسب الشخانبة، قد لا تعود حبتان كافيتين، فيلجأ إلى ثلاث أو أكثر، وهنا يدخل في دائرة الإدمان، حيث يفقد الدواء فعاليته السابقة ويبدأ الشخص بما يعرف بـ" مطاردة النشوة الأولى"، أي محاولة استعادة الإحساس الأول الذي شعر به عند أول استخدام، فيزيد الجرعة ليصل إلى التأثير ذاته، دون أن يدرك أن ذلك يزيد من خطورة الوضع.
ما يثير تساؤل الأهل هو قدرة الأبناء على الحصول على مثل هذه الأدوية المختلفة، حيث تبين من بعض أولياء الأمور أن الأصدقاء يقومون بتبادل تلك الأدوية فيما بينهم، حتى باتت متاحة لهم ويستخدمونها دون الرجوع لوصفة طبية أو من خلال توصية طبيب.
" عادي كلها حبة منوم"؛ بهذه الكلمات علقت إحدى الأمهات في مجموعة للسيدات على مواقع التواصل الاجتماعي، بعد أن ردت الابنة على استفسار الأم، إثر عثورها على أقراص تساعد على النوم في غرفتها.
وتقول الأم (كتبت تحت مسمى عضو مجهول الهوية) إن ابنتها كانت قد اشتكت أنها مجهدة بعد أسابيع من الامتحانات، ما دفعها لتناول بعض الحبوب المهدئة لتتمتع بساعات من الراحة والنوم العميق، على أمل أن تستعيد طاقتها بعد ذلك.
في حين أن الأم، وبعد أشهر، تكتشف أن الفتاة، التي ما تزال حديثة العهد بالدراسة الجامعية، اعتادت الآن على تناول الأدوية المهدئة مع كل حالة تشعر فيها بالتعب والإجهاد والتوتر من أي ظروف قد تمر بها، بحجة أنها الطريقة الوحيدة التي تستطيع من خلالها الراحة واستعادة الطاقة.
اختصاصي العلاج النفسي والإدمان الدكتور عبد الله أبو دنون يبين ايضا أن ما يحدث اليوم بين بعض المراهقين من استخدام المهدئات والمنومات أو المنشطات الدراسية دون وصفة طبية ليس أمرا بسيطا أو عابرا، بل نحن أمام سلوك قد يبدأ بنية" تنظيم النوم" أو" التركيز في الامتحانات"، لكنه قد ينتهي باعتماد نفسي وجسدي يصعب علاجه إذا لم يكتشف مبكرا.
والمراهق بعمر 16 سنة ما يزال دماغه في طور النمو، خصوصا مناطق التحكم في الاندفاع واتخاذ القرار (الفص الجبهي)، لذلك يكون أكثر عرضة لتجربة الأدوية دون إدراك كامل للمخاطر.
التوقف المفاجئ وأعراض انسحاب خطيرة.
لذلك فإن التوقف المفاجئ قد يؤدي إلى أعراض انسحاب مزعجة وخطيرة، عدا عن خطورة الاستخدام الطويل أو العشوائي للمهدئات، والتي قد تبدأ فعليا بكونها علاجا لعدة حالات تستوجب هذا الدواء، لكنها قد تتحول إلى اعتماد جسدي ونفسي إذا استخدمت دون إشراف طبي أو لفترات ممتدة.
ورغم أن المهدئات قد تُشعر الشخص بالاسترخاء والهدوء في البداية، إلا أن لها آثارا جانبية وإمكانية عالية للإدمان، وفق الشخانبة، ومع الاستمرار في استخدامها يحتاج الشخص إلى زيادة الجرعة للحصول على التأثير نفسه.
كما أن التوقف المفاجئ عنها يؤدي إلى أعراض انسحابية شديدة، مما يدفعه إلى الاستمرار في تناولها.
كما تؤثر هذه الأدوية في التركيز والفهم، وقد تسبب العصبية واضطرابات صحية متعددة، وفي نهاية المطاف يقع الشخص في فخ الإدمان.
لذلك ينصح الشخانبة الشباب والطلبة، أو أي شخص، بتجنب تناول أي دواء دون استشارة طبية حقيقية ودون حاجة ملحة، ومن المهم تنظيم الدراسة أولا بأول حتى لا تتراكم المواد، فلا يضطر الطالب إلى ضغط نفسه في نهاية الأسبوع أو خلال فترة الامتحانات فيلجأ إلى المنشطات.
كما أن وضع برنامج لتنظيم الوقت واستثمار عطلة نهاية الأسبوع بذكاء، يساعدان كثيرا على التكيف مع الواجبات والالتزامات دون الحاجة إلى أدوية.
ومن المشكلات الأخرى المرتبطة بالإدمان، كما يبين الشخانبة، ظهور الأعراض الانسحابية عند التوقف عن التعاطي، فقد يعاني الشخص من صعوبة شديدة في النوم وصداع ورجفة، واضطرابات في الكلام وتوتر حاد، فيعود إلى تناول الدواء لا بهدف التنشيط، بل فقط لتخفيف هذه الأعراض والعودة إلى حالته الطبيعية، وبذلك تتكرس حالة الإدمان.
وقد تتفاقم المضاعفات لتصل إلى مشكلات خطيرة مثل الجلطات الدماغية، أو اضطرابات نفسية حادة كالذهان، الذي يتمثل في توهمات وهلاوس ورؤية أو سماع أشياء غير موجودة، وقد يصل الأمر في بعض الحالات إلى الوفاة على المدى البعيد.
تغيرات سلوكية وأولها العصبية الزائدة.
بيد أن الشخانبة يؤكد أن الخطورة لا تقتصر على المنشطات فحسب، بل تشمل ايضا المهدئات، فبعض الأشخاص الذين يعانون من ضغوط نفسية أو قلق أو اضطرابات في النوم يلجأون إلى المهدئات بدلا من مواجهة المشكلة والبحث عن حلول حقيقية أو الاستعانة بمختصين.
ومن جانب آخر، ينوه الشخانبة إلى الأهل أن يكونوا يقظين لأي تغيرات سلوكية على أبنائهم، مثل التحول المفاجئ في نمط النوم، العصبية الزائدة، السهر المتواصل لأيام، النوم المفرط خلال النهار، فقدان الوزن بشكل ملحوظ، ثقل الكلام، الكذب المتكرر، طلب المال بكثرة، أو المبالغة في الخصوصية ومنع الآخرين من الاقتراب من الهاتف أو الحاسوب أو الغرفة، أو افتعال المشكلات.
وتحدث أبو دنون عن مجموعة من الأعراض التي قد تكون دليلا للأهل والمحبين للتعرف على ما إذا كان الابن الشاب أو المراهق، من كلا الجنسين، يعاني من مشكلة والتي بعدها يمكن الانتقال إلى بداية العلاج، لأن الجهل بتلك الأعراض من شأنه أن يصعب العلاج فيما بعد، ثم تتحول الحالة إلى إدمان.
وقد تكون أبرز الأعراض، عوضا عما تحدث عنه الشخانبة، إذ يشير أبو دنون إلى أن أي تغيير في سلوك الأبناء قد يكون هو اللحظة الأولى التي يكتشف فيها الأهل إدمان أبنائهم على المهدئات أو المنشطات، بحيث يصبح أكثر عدائية مع المحيطين وأهل بيته على وجه التحديد، ويكون هذا التغيير في السلوك واضحا جدا ولا مبرر له.
كما أن زيادة الإنفاق لدى الأبناء قد تكون إحدى المؤشرات التي تستدعي الشك والمتابعة لدى الأهل، بحيث يعتقد أبو دنون أن المبالغة في زيادة المصروف دون وجود طريق واضح لتلك الزيادة تستوجب على الأهل السؤال والمتابعة: أين تذهب تلك النقود وما هي مشتريات الأبناء، خاصة المراهقين منهم أو من هم على مقاعد الدراسة.
هذه كلها مؤشرات قد تدل على وجود مشكلة تستدعي التدخل المبكر، وتستدعي انتباه الأهل والتدخل لحماية أبنائهم.
كما يؤكد الشخانبة أن هناك دورا يقع على عاتق الدولة وأجهزة الرقابة ووزارة الصحة، ومسؤولية كبيرة في ضبط بيع هذه الأدوية.
كيف نحمي أبناءنا من الوقوع بدائرة الإدمان؟يكون ذلك من خلال منع صرفها دون وصفة طبية، وتشديد الرقابة على الصيدليات والجهات التي تروج لها، وفرض عقوبات صارمة على من يبيعها بطرق غير قانونية، إذ إن كثيرا من الأدوية قد تصرف بسهولة دون رقابة كافية، رغم إمكانية إساءة استخدامها.
ويشدد أبو دنون على الأهل عدم البدء بالغضب، لأن الغضب والإهانة قد يدفعان المراهق إلى الكتمان والإنكار، بل فتح حوار هادئ بعبارات تطمئن الابن والرغبة في مساعدته، والبدء بالانسحاب التدريجي ومراجعة طبيب نفسي لتقييم الجرعة ووضع خطة سحب تدريجي.
وفي الختام، تبقى الوقاية والتوعية والتنظيم السليم للحياة والدراسة هي الأساس في حماية أبنائنا من الوقوع في دائرة الإدمان ومخاطره الجسيمة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك