تتميز القصة القصيرة، باعتبارها جنسا قائما على اقتصاد مقصود في الشخصيات والأحداث والأزمنة والأمكنة، بقدرتها الفائقة على التقاط جزئيات دقيقة من الوجود اليومي للإنسان في هذا العالم، جزئيات تعلّق بما يراه، وبما يعتريه من انفعالات ملتبسة وغير مفهومة، وبما يعيشه من لقاءات وأحداث ومواقف وتحولات فجائية في حياته اليومية.
وبصيغة أخرى تلتقط القصة القصيرة «منعطفات القدر»، أو انهيارات توازن في مسارات ووضعيات من حياة الإنسان، تحدث فجأة تحت تأثير هزات وتقلبات غير عادية، فتربكه في لحظات مخصوصة وذات أهمية من وجوده الممتد في الزمان.
لا تخرج مجموعة «طرفة عين» للكاتب المغربي بوشعيب عطران، الصادرة عن دار مؤسسة مقاربات للنشر والصناعات الثقافية في فاس (المغرب 2024) عن هذا المنحى، إذ ينهض فعل القص فيها على التقاط لحظات تحول وانعطافات وفقدان التوازن غير المتوقعة الفعلية والممكنة، التي تطول شخصيات المجموعة، من خلال أحداث تقع في طرفة عين، وبشكل مفاجئ وغير مرتقب تقلب أوضاع الشخصيات وحالاتها الوجودية والنفسية والاجتماعية والاعتبارية، إلى النقيض مما كانت عليه قبل تلك الأحداث/التحولات، لتكون هذه الأحداث المحوِّلة فاصلة بين فترتين زمنيتين متقابلتين وبين وضعيتين متباينتين من وجود الشخصيات.
لا يتوقف القص في مجموعة «طرفة عين» عند رصد التحولات التي تطول لحظات من وجود الإنسان، بل يكشف عن أثرها على الشخصيات القصصية التي كانت قبل التحولات المفاجئة تعيش في الغالب حالات تتوزع بين العزلة والخيبة والتوتر والفزع والأرق والخوف، وغيرها من الوضعيات المقلقة، لتنقلها إلى وضعيات أحسن وأريح ولو للحظة قصيرة تبدو لها منفلتة من الزمن، أو تلقي بها في وضعيات أسوأ وأضيق مما كانت عليه.
يضع الكاتب اليد على تداعيات تلك التحولات على الشخصيات، إذ تلقى ارتياحا في نفوس فئة، وتقابل بالرفض لدى فئة أخرى، ما يعني أن التحول انتقال من وضع مرغوب أو غير مرغوب فيه إلى نقيضه، ويعني أيضا الحصول على شيء أو فقدان آخر، حسب موقف الشخصيات التي تعيش فيه، من حيث استفادتها منه، أو وقوعها ضحية لتبعاته مهما كان ذلك التحول لحظيا وطارئا ومنفلتا وعابرا في حياتها.
قد يكون هذا التحول تم بالفعل، بفعل فاعل بشري أو بفعل الزمن وتقلباته، أو يكون قد تم من خلال حلم نوم، أو حلم يقظة في لحظة شرود يمكّن الشخصية من الخروج، ولو لحظيا من وضعية ترضيها أو لا ترضيها إلى نقيضها، الأمر الذي يفتح قصص المجموعة على عوالم الحلم، بما تتضمنه من أحداث غريبة تنتشل الشخصيات من حالات إلى أخرى، لتنقلها من الواقع إلى الحلم، الذي يؤثث بناء أغلب قصص المجموعة، تمشيا مع التقابل بين الواقع والممكن الذي يبني به الكاتب قصصه.
فما يتراءى للشخصيات في هذه الأحلام يخرجها من وضع ليدخلها إلى وضع آخر نقيض له، لكن سرعان ما يتبدد ويتلاشى فتعود إلى واقعها وكأنها كانت في لعبة مدبّرة.
تجري هذ التحولات الفجائية للشخصيات، في الغالب، عبر انتقالاتها وتحركاتها في أمكنة معلومة وأخرى مجهولة، تسير فيها أو تنتقل إليها تروم تفقّدها، أو اكتشافها، لتجد نفسها على موعد مع اللامتوقع، وما لم يكن في حسبانها، وكأنها دخلت في متاهة دون علمها، كما تؤكد بعض عناوين المجموعة («دوامة»، «ارتطام»، «مأزق»، «انحسار»، «انمحاء»، «مزيج مشؤوم»)، إذ تؤكد قصص المجموعة أنه لا إمكانية لأي تحولات من دون تغيير الأمكنة وخروج الشخصيات من دائرة عوالمها المألوفة.
يقود التغيير الفجائي الناظم للقص شخصيات المجموعة إلى وضعيات تخرجها من المألوف، ويدخلها في مسارات تحكهما الغرابة والدهشة واللايقين والإحراج والتوتر والورطة، لتجد الشخصيات نفسها وكأنها كانت ضحية لعبة مدبّرة، كما يقحم القارئ بدوره في هذه المتاهات القصصية الذي يجد نفسَه داخلها عبر الانتقال من متاهة إلى أخرى، على امتداد قصص المجموعة وهو يتابع اللّعَب القصصية التي دُبّرت بها.
هكذا يقدم لنا بوشعيب عطران أضمومة قصصية تلتقط تحولات وانعطافات فجائية تحدث في طرفة عين، من لحظات، من مسارات حيوات شخصيات إنسانية تنقلها من أوضاع مريحة، أو حرجة إلى نقيضها، في الواقع والحلم، لتضعها في لعبة من المتاهات، وتمتد هذه اللعبة لتنطلي على القارئ الذي يجد نفسه هو الآخر ينتقل من متاهة إلى أخرى.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك