تخيّل نفسك تعبر طريقاً، فجأة يهتز الهاتف ليخبرك بأن ما تحت قدميك كان مسرحاً لجريمة وقعت قبل مئة عام، أو نقطة التقاء عاشقين في رواية تحبها: هل تواصل السير بالطريقة نفسها؟ وهل يبقى أبطالك رهن الصفحات، أم يقفزون من بروازهم ليشاركوك اللحظة؟ما سبق ليس مجرد خيال، بل حقيقة يصفها أحد القراء الذي عاش لحظة التداخل بين الواقع والنص قائلاً: " كنت أقف عند زاوية شارع محدد في بروكلين بنيويورك، أقرأ تقريراً ميدانياً على هاتفي يصف حادثة وقعت في تلك البقعة تماماً.
فجأة، شعرت برعشة لأن الرصيف الذي أقف عليه أصبح هو الدليل على صدق الرواية.
التكنولوجيا هنا لم تأخذني بعيداً عن الواقع، بل أجبرتني على النظر بتركيز أكبر إلى شقوق الرصيف وتفاصيل المباني التي كنت أتجاهلها يومياً".
يمكن النظر إلى السرد المكاني بوصفه شكلاً من" أركيولوجيا السرد"، تتكشف فيه المدينة مخزوناً من القصص والذكريات.
فالشوارع والمباني تحمل في طياتها، طبقات سردية كُتبت عبر الزمن، تتجاور فيها آثار العابرين وتحولات العمران كما تتجاور فصول رواية طويلة؛ لافتة باهتة؛ عمود متآكل.
هكذا نجحت التقنية في تحويل القارئ من" شبح" يمر عبر المدينة دون أثر، إلى" مكتشف" يعيد قراءة الفراغات العمرانية.
إنها تجربة تجعله يتساءل بينما يمشي: كم حكاية مخبأة خلف هذا الجدار لم أقرأها بعد؟ويُعد مقال جيريمي هايت (2008) بياناً تأسيسياً لهذا المنظور، إذ يقترح انقلاباً في طريقة قراءة المدن وكتابتها.
فالمدينة، في تصوره، أرشيف ضخم للقصص المطمورة، تتراكم فيه طبقات الزمن كما تتراكم طبقات الإسفلت والحجر.
وبالاستعانة بتقنيات مثل الـGPS، يجري التنقيب بالحركة داخل المكان، لتحرير الحكايات العالقة في الشوارع والمباني، وإعادتها إلى التداول السردي.
حوّل جويس دبلن من مدينة مادية إلى نصٍّ جغرافي معيش.
إن فلسفة جيريمي هايت في أركيولوجيا السرد لا تهدف إلى إضافة خيال غريب عن المكان، بل تسعى لإماطة اللثام عما هو كائن بالفعل؛ وهنا تبرز أهمية مفهوم" الطِرس" (Palimpsest).
قد تبدو الكلمة غريبة، لكنها تحمل تاريخاً مذهلاً من" إعادة التدوير" الثقافي، فقد كانت المخطوطات القديمة تُمسح ليُكتب فوقها نص جديد، غير أن النص القديم لم يختف تماماً، بل يترك خلفه آثاراً تطلُّ برأسها من بين السطور الجديدة، لتصبح الوثيقة الواحدة حاملة لـ" طبقات" زمنية متراكبة.
تشبه أي مدينة هذا المخطوط تماماً؛ فالمباني الحديثة والشوارع الصاخبة ليست إلا" النص الجديد" الذي كُتب فوق تاريخٍ ممتدّ.
أما تلك الأسماء القديمة للحارات، وبقايا الأعمدة البالية، والذكريات المنسية، فهي" النص الأصلي الممسوح" الذي يرفض المحو.
وتعد" وليمة متنقلة" نموذجاً مثالياً لهذه القراءة؛ حيث يمارس همنغواي ما يُعرف بـ" الجغرافيا النفسية"، مُعيداً رسم إحداثيات المدينة وفق احتياجاته؛ فتتحول مقاهي مونبارناس من حيز عام إلى مختبرات كتابة خاصة، ومكتبة سيلفيا بيتش ملاذاً جيوسياسياً للمغتربين.
إن باريس هنا بمثابة" طرس" أعاد الكاتب حفره ليمزج بين طوبوغرافيا الشوارع وتجربة الجوع والإبداع، مؤكداً أن المكان الأدبي حالة ذهنية عابرة للحدود، أو" وليمة" يحملها المرء معه جزءاً من هويته المكانية أينما ارتحل.
وعلى النقيض، تبدو" عوليس" نموذجاً للمطابقة الطوبوغرافية؛ حيث حوّل جويس دبلن من مدينة مادية إلى نصٍّ جغرافي معيش، فجعل من كل زاوية شارع أو حانة محطة زمنية في رحلة يوم بلوم.
وهو ما برره جويس لصديقه فرانك بوجين بقوله: " أريد أن أعطي صورة لدبلن كاملة بحيث لو اختفت المدينة فجأة من الأرض، أمكن إعادة بنائها من كتابي".
بهذا، ينتقل المكان من كونه فضاءً للتذكر كما عند همنغواي، ليصبح بنية موازية للواقع تتطابق فيها جغرافيا النص مع جغرافيا الأرض.
على خلاف التصور الكلاسيكي للفن بوصفه مساحة للهروب من الواقع، جاء الأدب المكاني/ الجغرافي المشروط Locative Fiction ليقلب المعادلة، ناقلاً القارئ من موقع الهروب إلى موقع الاكتشاف.
ظهر هذا الشكل السردي استجابة لفتور التلقي بالعينين فقط.
ومع انتشار ثقافة الواقع المعزز، وتطبيقات التتبع الجغرافي، وألعاب التجوال التفاعلي، بدأت هذه التجارب على شكل أعمال فنية قصيرة تفتح مقاطع نصية عند زيارة مواقع محددة، وسرعان ما تطورت إلى مشاريع تضم سرديات طويلة، وطبقات صوتية وبصرية تتفاعل مع حركة القارئ وتوقيته داخل الفضاء العام.
غير أن القيمة الحقيقية للسرديات المكانية تكمن في الإزاحة التي تُحدثها في مفهوم القراءة.
فالقارئ لم يعد محايداً، بل مشاركاً في رحلة مقدسة لبلوغ النص.
عند استخدام هذا النوع من التطبيقات، تظهر خريطة نابضة بنقاط مضيئة، كل نقطة تمثل مقطعاً سردياً" مخفياً"، لا يُفتح إلا حين يقترب القارئ: هناك فصل ينتظرك على بُعد 400 متر اقترب أكثر، النص لم يُفتح بعد!
حين يصل إلى الإحداثيات المطلوبة، تظهر محطة الوصول: أنت الآن داخل نطاق القصة.
هنا يُفعَّل" السياج الجغرافي"؛ يصبح المكان قفلاً للنص، والبقاء داخله شرطاً لاستمرار القراءة.
إذا حاولت الابتعاد، انتبه، النص يتلاشى والحكاية يعاد تشفيرها.
يمتزج النص بأصوات الشارع والطقس والفراغ المحيط في" أدب الظل".
في بعض الأعمال، يكفي الوقوف في النقطة الصحيحة لفتح المقطع، بينما تتطلب أعمال أخرى الحركة داخل الدائرة الجغرافية، أو اتباع مسار بعينه، أو البقاء مدة زمنية محددة قبل السماح بالقراءة.
لهذا لا يسمح التطبيق بالقفز بين المقاطع، أو قراءتها خارج سياقها، ولا يمكن جمع الرواية كاملة في جلسة واحدة؛ فكل جزء مرتبط بلحظة وموقع لا يتكرران بالطريقة نفسها.
بهذه الآلية، يتحول القارئ إلى مستكشف يجمع شذرات القصة من الشوارع، ويغدو السرد تجربة مشروطة بالحركة والانتظار والامتثال لتعليمات التطبيق، حيث لا يُمنح النص إلا لمن وصل!
في هذا السياق، تصبح الجغرافيا هي مونتاج النص الموزّع على نقاط فيزيائية، ما يجعل القصة غير خطية بطبيعتها، خاضعة لمسار جسد القارئ لا لخطة الكاتب.
ومع كل موقع، تتراكب طبقة تخييلية فوق الواقع، فينشأ ما يمكن تسميته" أدب الظل"، بحيث يمتزج النص بأصوات الشارع والطقس والفراغ المحيط.
تضيف المشاركة الجماعية بُعداً جديداً إلى هذا النموذج؛ فعندما يُتاح للقراء كتابة نصوص مرتبطة بأماكنهم، تتحول الرواية إلى كائن حي ينمو بعدد المشاركين، وتتشكل بنيته وفق كثافة البشر على الخريطة.
يقول أحدهم" لقد منحتني الرواية سلطة 'تأليف المدينة'.
عندما كتبتُ تقريراً عن محطة قطار مهجورة في مدينتي، شعرت أنني وضعتُ 'لغماً أدبياً' سينفجر في وجه أي عابر سبيل يملك التطبيق.
لقد تحولت علاقتي بمدينتي من مستهلك للشوارع إلى حارس لذاكرتها المتخيلة".
يرى إيلي هورويتز، العقل المبدع خلف هذا التطبيق، أن النجاح الحقيقي لا يكمن في التكنولوجيا وحدها، بل في تلك الحالة الشعورية التي انتابت القراء: 'لقد رأينا أشخاصاً يقطعون مسافات شاسعة لفك شفرة فصل واحد، أحدهم وصف لي شعوره وهو يقف في زاوية شارع عادية تماماً ممسكاً بهاتفه، وكأنه جاسوس أو منقب عن الآثار ينظر حوله بريبة، يشعر في تلك اللحظة أنه يرى خبايا وأسراراً لا يراها الآخرون'.
بالنسبة لهورويتز، هذه هي الغاية الأسمى: أن ننتشل الواقع من رتابته ونجعله يبدو غريباً ومثيراً مرة أخرى.
ومع كل ما يَعِد به الأدب الجغرافي المشروط من متعة وابتكار، تبرز مسألة" ديمقراطية المكان" عقبةً.
فالموقع، الذي يُفترض أن يكون بوابة للنص، يتحول في كثير من الأحيان إلى أداة إقصاء.
وبينما تغصّ المدن الكبرى بنقاط مضيئة وحكايات قابلة للاكتشاف، يواجه القرّاء في الأطراف والجغرافيا المنسية نصوصاً مبتورة، مثقلة بـ" ثقوب سردية" لا يمكن تجاوزها بالحيلة أو الخيال.
وقد عبّر أحد المشاركين من ريف إنكلترا عن هذا الشعور بمرارة حين وصف تجربته بـ" النفي الأدبي"، حيث تظل الخريطة من حوله صامتة فيما تزدهر القصص في مراكز الثقل الحضري.
وتؤكد بيانات المستخدمين هذا التباين، إذ أبدى عدد معتبر منهم إحساساً بالعجز عن إتمام التجربة بسبب ما يمكن تسميته" الحرمان الجغرافي".
من هنا يفرض هذا الشكل السردي سؤالاً مهماً: هل يظل الأدب فعلاً حرّاً وشاملاً حين يُربط بإحداثيات لا تكشف أسرارها إلا لمن يملك القدرة على الوصول؟ أم أننا أمام سرديات مبتكرة، لكنها ما تزال أسيرة خريطة غير عادلة؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك