روسيا اليوم - بوتين: مأساة فلسطين "نُسيت" لكنها لم تختفِ.. والحل الوحيد هو إقامة دولة فلسطينية مكتملة الأركان روسيا اليوم - العثور على مقبرة جماعية ثانية قرب مدينة قارة بريف دمشق قناة التليفزيون العربي - ما هو "الحل الوسط" الذي يتحدث الرئيس الروسي عن انفتاحه بشأنه بخصوص الحرب ضد أوكرانيا؟ العربي الجديد - فرنسا تدخل كأس العالم 2026 بسلاح النجوم وخبرة ديشان قناة القاهرة الإخبارية - بين القصف والاشتباكات.. النبطية ومحيط الشقيف في قلب التصعيد العسكري روسيا اليوم - مقتل ضابط إسرائيلي بصاروخ موجه أطلقه "حزب الله" في جنوب لبنان (صورة) روسيا اليوم - بوتين: "سو-57" أفضل طائرة مقاتلة في العالم قناه الحدث - مستشار خامنئي: المسودة الحالية لمذكرة التفاهم مع واشنطن غامضة الجزيرة نت - الأدوية تكاد تنفد.. الموت يهدد الآلاف من مرضى السرطان في غزة وكالة الأناضول - تركيا وسوريا تبحثان فرص التعاون في مجال السياحة
عامة

من خير النخيل فى الجيزة.. أنامل ذهبية تبدع فى صناعة منتجات الجريد.. حرفة يدوية بدأت من أقفاص الطيور إلى غرف نوم كاملة.. زبائنها من المحافظات وأجانب يعشقون التراث.. أحد الصناع: بيخرج من بين أيدينا تحف.

اليوم السابع
اليوم السابع منذ 3 أشهر
3

في ركنٍ هادئ بجوار منزله بقرية أم خنان، يفترش عم محمود الأرض كل صباح ممسكًا بـ جريد النخيل؛ لا لافتة تعلو رأسه، ولا ورشة فخمة تحيط به، فقط يدان خشنتان تعرفان طريقهما جيدًا، وعينان تحفظان مقاسات الكرسي...

ملخص مرصد
في قرية أم خنان بالجيزة، يواصل الحرفي عم محمود (66 عامًا) ممارسة حرفة صناعة منتجات الجريد يدويًا منذ 55 عامًا، حيث بدأ بصناعة أقفاص الطيور والخضروات قبل أن يتخصص في صناعة الكراسي والطاولات والغرف الكاملة من الجريد، ويحظى بزبائن من محافظات مصرية مختلفة ومن خارجها.
  • يمارس عم محمود حرفة صناعة منتجات الجريد منذ 55 عامًا بدءًا من سن العاشرة
  • يصنع كراسي وطاولات وغرف نوم كاملة حسب طلب الزبائن من الجريد
  • يحظى بزبائن من محافظات مصرية مختلفة ومن خارجها خاصة من فرنسا وألمانيا
من: عم محمود (66 عامًا) - حرفي مصري أين: قرية أم خنان، الجيزة، مصر

في ركنٍ هادئ بجوار منزله بقرية أم خنان، يفترش عم محمود الأرض كل صباح ممسكًا بـ جريد النخيل؛ لا لافتة تعلو رأسه، ولا ورشة فخمة تحيط به، فقط يدان خشنتان تعرفان طريقهما جيدًا، وعينان تحفظان مقاسات الكرسي قبل أن يُرسم، كأن الخبرة صارت بوصلة لا تخطئ.

يمسك العود، يقيسه بعينه، يقطعه بثبات، ثم يشرع في تشكيله بخبرة السنين ودقة عاشق لحرفته، شيئًا فشيئًا تتكوّن طاولة، ويرتفع ظهر كرسي يحمل بصمته الخاصة، لا يستعجل الوقت؛ فالحرفة عنده ليست سباقًا، بل صبر طويل ونَفَس ممتد، وإيمان بأن الجمال يولد من التأني.

حولَه تدور الحياة ببساطتها الجميلة؛ أحفاده يحيطون به، أحدهم يراقب التفاصيل في صمت، وآخر يجرّب تقطيع عود صغير بجدية تفوق عمره، وثالث يلهو قريبًا حتى لا يفوته شيء، تختلط ضحكاتهم بصوت الدق على الجريد في مشهد نابض يجمع بين يدٍ تُتقن الصنعة وعيون تتعلّمها لأول مرة.

وعلى القرمة التي شهدت شبابه وشيخوخته، يتكئ عم محمود، البالغ من العمر 66 عامًا، على ذاكرة أطول من عمره، ويمسك بالجريد كما لو كان يمسك بخيوط حكايته الأولى التي بدأت قبل أكثر من نصف قرن ولم تنقطع حتى اليوم، يقول: " قضيت 55 سنة من عمري في المهنة، اشتغلت وأنا عندي 10 سنين، بدأت بالشغل البسيط اللي بيتباع زي أقفاص العيش والحمام والخضار والفاكهة، كنت صغير، لكن كنت بحب أقعد وسط الجريد وأتعلّم وأجرب، وكل يوم كنت باخد خبرة أكتر من اللي قبله، واحدة واحدة لقيت نفسي كبرت والمهنة كبرت جوايا".

ومع مرور السنوات التي بدّلت ملامحه ولم تبدّل شغفه، تغيّرت تفاصيل العمل وبقي جوهر الحرفة كما هو: صبر طويل ونَفَس ممتد وإيمان بأن كل قطعة تُصنع بحب قبل أي شيء: " لما كبرت شوية ما بقتش أقدر أعمل الشغل التقيل زي زمان، فبدأت أركز أكتر في صناعة الكراسي والترابيزات، لأن الشغل فيها عايز مزاج وصبر، الكرسي ما يتعملش بسرعة، لازم كل عود يتحط في مكانه صح ويتشد ويتربط بإتقان".

وليست المهنة عنده عملًا يوميًا ينتهي مع الغروب، بل علاقة عمرٍ طويل بين يدٍ تعرف طريقها، وجريدٍ يطاوع من يحبه، وفلسفة بسيطة عنوانها الصبر قبل الربح: " دلوقتي أقدر أصنع أي حاجة تخطر على بالك من جريد النخيل، أنتريهات كاملة، وغرف نوم فيها التسريحة والكومودينو والسرير والدولاب والنيش، وكل ده بيتعمل حسب طلب الزبون، مافيش حاجة اسمها ما ينفعش طول ما في جريد في شغل".

وبنبرةٍ يغلب عليها الرضا أكثر من الشكوى، يتحدث عن مهنةٍ قديمة تقاوم تغيرات الزمن وتعيش على البركة أكثر مما تعيش على المكسب، فالحرفة في نظره ليست مجرد صناعة أثاث، بل ميراث قرى كاملة عاشت على ظل النخيل، ومصدر رزق شريف لا يقاس بكثرته بل ببركته: " المهنة دي قديمة ولسه موجودة في قرى كتير، رغم إن دخلها بسيط، بس إحنا عايشين وراضيين والحمد لله، اللي بيرزقني بيه ربنا من شغلي بعيش بيه، إنما الجيل الجديد صعب يعيش على دخل الحرفة دي، المصاريف بقت كتير ومسؤوليات البيت كبيرة، عشان كده الشباب مش بيكملوا فيها زي زمان".

ومن حدود القرى المجاورة التي عرفته صغيرًا، إلى زبائن جاءوا من محافظات بعيدة بل ومن خارج البلاد بحثًا عن قطعة تحمل روح المكان، امتدت شهرة أنامله: " في الأول كان زبايني من المناطق اللي حوالينا، وبعد فترة بدأ يجيلي ناس من محافظات مختلفة مخصوص عشان شغلي، وكمان أجانب، أغلبهم من فرنسا وألمانيا، بيعشقوا التراث المصري ومنتجات الطبيعة، كانوا يطلبوا تصميمات معينة وأنا أنفذها ليهم زي ما هم عايزين وأحسن، وبعضهم حتى لو ما فيش شغل ييجي يزورني على قد المحبة اللي بينا".

وبنظام يومي، يبدأ صباحه بين الجريد وينهيه بتحفةٍ جديدة تضيف فصلًا آخر إلى حكايته الطويلة: " يومي بيبدأ من 9 الصبح لحد 5 المغرب، زمان كنت بعمل كرسيين أو تلاتة في اليوم، إنما دلوقتي بعمل كرسي واحد بس، أديه كل خبرتي ومجهودي، أهم حاجة يطلع تحفة تعجبني أنا قبل ما تعجب الزبون".

وبين خطوات التصنيع التي تبدو بسيطة لمن يراها من بعيد، تكمن أسرار مهنة لا يتقنها إلا من عاش تفاصيلها يومًا بعد يوم، عامًا بعد عام، حتى صارت جزءًا من تكوينه: " فيه ناس مخصصة لتقطيع الجريد من النخل ونزع الخوص منه، وأنا بشتريه منهم، وبعدها أسيبه في الشمس خصوصًا في الشتاء حوالي 30 يوم لحد ما يستوي ويبقى جاهز للشغل، لأن الجريد لو ما استواش كويس ما يطلعش شغل مظبوط".

ويضيف وهو يشير إلى أدواته: " أنا بشتغل على القرمة، وهي خشب صفصاف بستخدمه كقاعدة للشغل، وأدواتي بسيطة: البطارة للتقطيع، وخشبة، ولقط بمقاسات وأحجام مختلفة، ومسمار بستخدمه في تحديد علامات ومسافات الدق على قطعة الجريد، كله شغل يدوي، والإيد هي الأساس".

ومن تعدد المقاسات واختلاف الزخارف، تتشكل القطعة النهائية التي لا تشبه غيرها، كأن كل كرسي يحمل شخصية خاصة به: " الكرسي بيتعمل من مقاسات مختلفة حسب التصميم والزخرفة، وطول ما هو موجود في الظل ما يحصلش له حاجة، وده كله من خير النخيل".

ومع اتساع السوق وتعدد الأيدي التي تعمل في المهنة، لا يخفي عم محمود إحساسه بأن الحرفة لم تعد كما كانت، وأن معيار الجودة لم يعد هو الحكم الوحيد بين الصنايعية كما كان في زمنه، يقول وهو يشد إحدى عيدان الجريد ليضبط استقامتها: " مش أي حد يقعد على القرمة ويقطع جريد، ناس كتير بتعمل أقفاص، لكن صناعة الكراسي محتاجة نفس طويل وإتقان، المهنة دي فن فيها كفاح وعمل وإبداع، إحنا مش بنعمل كرسي تقليدي، إحنا بنطلع تصميمات وأشكال مختلفة من نفس المنتج وبجودة عالية، وده اللي بيبان في الآخر، بيخرج من بين إيدينا تحف الناس تتحاكى بيها، حاجة ليا أنا قبل ما تكون للزبون، ومش أي جريد يتقفل وخلاص".

وعندما يذكر النخلة، يفيض صوته بامتنانٍ صادق: " كل ده من خير النخيل، النخلة ادّتنا التمر والجريد والخوص والليف، بنعمل منها كراسي وترابيزات وأقفاص وعرايش ومقاطف وحبال، حتى البلاد اللي ما فيهاش نخيل بيروح لها شغل النخيل، وكل الناس بتاكل منها عيش".

وبين صيفٍ يزدحم بالطلبات وشتاءٍ يهدأ فيه الإيقاع قليلًا، تبقى الحرفة قائمة مادام هناك من يرى فيها فنًا لا مجرد وسيلة رزق: " إحنا بنشتغل صيف وشتاء، الطلب على الكراسي بيقل شوية في الشتاء ويزيد على أقفاص الطيور والفاكهة، لكن طول ما في صحة بنشتغل والحمد لله".

ومع تقدّم العمر، لم يخف وهج الشغف، بل صار أكثر صفاءً، كأن السنوات علمته أن القيمة في الجودة لا في الكثرة، وفي العمل راحة لا مشقة: " أنا ما بحبش النوم ولا الكسل، بحب أشتغل عشان أكل عيش بالحلال، كل جنيه جاي من مهنتي حلال، طول ما أنا قاعد شغال مش بحس بتعب، لو ارتحت أتعب، العمر بيجري لكن سعيد وأنا شغال، غاوي حرفتي ومغرم بيها، كبرت فيها وعشت عمري كله فيها، ودايمًا بطور من شغلي عشان أكون حاضر ومنتجاتي تتماشى مع أذواق الناس".

وفي دعاءٍ يختصر رحلة كفاح كاملة، يبوح بأمنيته وهو ينظر إلى القرمة التي صارت جزءًا من يومه ومن عمره: " عمري ما مليت من المهنة دي، ولا قلت خلاص مش مكمل، رغم إن أولادي يقولوا لي ارتاح، أنا دايمًا بقول يارب خدني وأنا قاعد على القرمة… أموت وإيدي في المهنة، وكل اللي نفسي فيه ربنا يكرمني وأطلع عمرة مع أم أحمد".

وحين ينتقل الحديث إلى بيته وأسرته، يلين الصوت وتظهر ملامح الامتنان لامرأة شاركته الطريق بكل ما فيه من بساطة وتعب: " أم أحمد كتر خيرها، صبرت واتحملت معايا كتير، عشنا حياة بسيطة لكن راضيين، ربنا رزقنا بالأولاد واتعلموا واتجوزوا، ودلوقتي فرحانين بأحفادنا والحمد لله".

وبينما يدور أحفاده حوله في مشهد يختلط فيه اللعب بالتعلم، يلمع في عينيه أمل صغير بأن تبقى الحكاية مستمرة: " أولادي ما اتعلموش المهنة، لكن سايبين لي أحفادي زياد وإياد ومحمود أعلّمهم، ينزلوا يلعبوا حواليا وأنا شغال، يتفرجوا ويحاولوا يقلدوني، وأنا بسيبهم، فرحتي بيهم بالدنيا كلها، وربنا يبارك لنا فيهم".

وبابتسامة هادئة، وجه عم محمود تحية لكل من يكافح بصمت، كأنه يرى نفسه في وجوههم: " بحيي أي حد بيشتغل ليل ونهار عشان لقمة العيش الحلال، صنايعية الجريد بقوا قليلين، فيه ناس كبيرة في السن لسه بتبدع، لكن الشباب مش مكمل، وده ممكن يهدد المهنة، بس إحنا بنقول الحمد لله، وربنا يدينا طولة العمر والصحة ونكمل".

في هذا الركن البسيط لا تُصنع مجرد كراسٍ وطاولات، بل تُحفظ حكاية كفاح هادئ، وحرفة قديمة تتجدد بروح جديدة، بين عمل شريف وتفاصيل صغيرة تمنح المكان دفئه، وتؤكد أن الأصالة ما زالت قادرة على الحياة ما دام هناك من يعمل بحب، ويورّث الشغف قبل الصنعة.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك