يكثر المسلمون من العبادات والطاعات خلال شهر رمضان المبارك، سواء في أوله أو آخره، حيث يكثر في العشر الأواخر من رمضان المواظبة على صلاة التهجد، لاغتنام هذه الليالي المباركة، خاصة أنها من أعظم النوافل التي يتقرب بها العبد إلى الله، في جوف الليل، حيث السكون والخشوع وصفاء القلب.
وقالت دار الإفتاء إنه روى الصحابي الجليل أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له»، وهو ما يوضح فضل الثلث الأخير من الليل كأفضل وقت للدعاء والاستغفار.
لا توجد سور محددة أو آيات بعينها يجب قراءتها في صلاة التهجد، بل يقرأ المسلم ما تيسر له من القرآن الكريم، مع الحرص على الترتيل والتدبر، ومن السنة أن يتفاعل المصلي مع الآيات؛ فإذا مر بآية رحمة سأل الله من فضله، وإذا مرّ بآية عذاب استعاذ بالله، وإذا مر بآية تسبيح سبّح الله تعالى.
ويستحب الإطالة في القراءة لمن استطاع، اقتداءً بسنة النبي ﷺ، لكن دون مشقة أو تكلف.
فالعبرة ليست بطول القراءة فقط، بل بحضور القلب والخشوع والتضرع.
ويتساءل كثيرون عن عدد ركعات التهجد، وقد بيّنت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ كان يصلي من الليل إحدى عشرة ركعة أو ثلاث عشرة ركعة، يوتر منها بخمس أو بثلاث، وأحيانًا كان يصلي تسع ركعات لا يجلس إلا في آخرهن.
والقاعدة العامة أن صلاة الليل تُصلى مثنى مثنى، أي ركعتين ركعتين، ثم يُختم بالوتر ركعة واحدة أو ثلاث أو خمس.
ويجوز للمسلم أن يصلي ما تيسر له بحسب قدرته، ولو ركعتين فقط، فالأمر فيه سعة.
ويبدأ وقت صلاة التهجد من بعد صلاة العشاء ويستمر حتى طلوع الفجر، غير أن أفضل وقت لها هو الثلث الأخير من الليل، لما فيه من نفحات إيمانية وفرصة عظيمة للاستغفار والتوبة.
وأوضح الدكتور علي جمعة، عضو المجلس الأعلى لكبار العلماء، أن قيام الليل يبدأ من بعد العشاء وحتى الفجر، ولا يشترط النوم قبله، لكن إن سبقه نوم يُسمى تهجدًا، مؤكدًا أن الطهارة واستقبال القبلة وستر العورة من شروط صحته كسائر الصلوات.
الفرق بين التهجد وقيام الليل وهل تغني عن التراويح؟كل تهجد قيام ليل، وليس كل قيام ليل تهجدًا؛ فالتهجد يكون بعد نوم، أما قيام الليل فيشمل كل صلاة تؤدى في الليل ولو قبل النوم.
وأشار الدكتور مجدي عاشور، أمين الفتوى، أن صلاة التراويح هي قيام الليل المخصوص بشهر رمضان، ولا تغني صلاة التهجد عنها، بل الأفضل أداء التراويح أولًا، ثم القيام للتهجد في الثلث الأخير لمن استطاع.
ومن الأدعية المأثورة التي كان النبي ﷺ يرددها في قيام الليل:
«اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ مَلِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ الْحَقُّ، وَوَعْدُكَ الْحَقُّ وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ، وَقَوْلُكَ حَقٌّ، وَالْجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ، وَمُحَمَّدٌ حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ، اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ وَبِكَ آمَنْتُ وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ، فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ، وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ» وهو دعاء عظيم يجمع بين الثناء على الله، والإقرار بوعده، وسؤال المغفرة.
وتبقى صلاة التهجد في العشر الأواخر من رمضان فرصة ذهبية لا تُعوّض، خاصة مع تحري ليلة القدر، التي هي خير من ألف شهر، فقيامها إيمانًا واحتسابًا سبب لمغفرة الذنوب ونيل رضا الله.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك