خاض «الأستاذ هيكل» معارك كثيرة، فما بين المعارك الصحفية والمعارك الشخصية سجالات كثيرة، وبصراحة: كسب «الأستاذ هيكل» معارك صحفية وشخصية كثيرة، لكنه في نفس الوقت خسر معارك أكثر، لكنها لم تُقلل منه، لم تنل من مصداقيته؛ لأن لديه رصيداً كبيراً من الثقة لدى الرأي العام، فـ«الأستاذ هيكل» مثل قطعة الذهب التي لا تصدأ أبداً مهما مر عليها أوقات صعبة أو أعاصير وأتربة وبراكين وزلازل، بل إن قطعة الذهب يزداد ثمنها وبريقها ولمعانها مع مرور الوقت مهما تعددت المعارك والصدامات.
يأخذ البعض على «الأستاذ هيكل» أنه يفتح النار سريعاً على كل من يختلف معه في الرأي حتى لو توافق معه في البداية، فقد كتب مقالاً عريضاً عنوانه (عبدالناصر ليس أسطورة) بعد وفاته، رغم أن الجميع يعلم أن «عبدالناصر» و«هيكل» لا يفترقان، وهما نفس الفكر، وطريقهما طوال فترة تجاوزت الـ(30) عاماً كان طريقاً واحداً، وهو الذي برر هزيمة 1967 وكتب خطاب الهزيمة، واعترف «عبدالناصر» بمسئوليته عنها، لكنه عاد وكتب مقالاً قال فيه نصاً: (إن النظام هو سبب الهزيمة لأنه فشل في تطبيق سياسات عبدالناصر)، وبمجرد أن اختلف مع «السادات» فتح النار عليه لدرجة أنه هو الذي كتب خطاب «السادات» التاريخي الذي ألقاه في البرلمان بعد الانتصار.
معارك «الأستاذ هيكل» لم تنتهِ، فهو يضع عليها بُهارات أكثر ويُشعلها فلا تهدأ أبداً، ومن أهم معاركه كانت مع الأستاذ مصطفى أمين، وكانت نتيجتها أنه تم حبس مصطفى أمين سنوات طويلة، لكن بعد استبعاد «الأستاذ هيكل» من رئاسة تحرير «الأهرام» في عام 1974 هاجم «السادات» هجوماً لاذعاً، بل هاجم اتفاقية فض الاشتباك في سبتمبر 1975 في صحف عربية وأجنبية، مما جعل جريدة الأهرام تقود حملات ضده بأقلام توفيق الحكيم، الذي اتهمه بأنه (يُتاجر باسم عبدالناصر)، وانضم له مصطفى أمين ليرد له الهجوم، ويقود حملات مضادة نالت من مصداقية «هيكل»، وانضم لهما «محسن محمد» في جريدة الجمهورية، وموسى صبري في جريدة أخبار اليوم.
لكن «السادات» وجّه لـ«الأستاذ هيكل» ضربة قاضية حينما أصدر كتابه «البحث عن الذات» ولم يذكر اسم «هيكل» مُطلقاً في الكتاب إلا مرة واحدة قال فيها نصاً: (إن هيكل أحد أهم مستشاري عبدالناصر وهو من نصح عبدالناصر لاتخاذ قرارات التنكيل بالعائلات الكبيرة لعُقدة نَقص لديه ولحِقد دفين بداخله من العائلات الكبيرة).
لكن فصول المواجهة بين «الأستاذ هيكل» مع الرئيس السادات انتهت في (عام 2000) حينما حضر «الأستاذ هيكل» ندوة في نادي الصيد، وقال فيها نصاً: (أعتذر ضمنياً للرئيس السادات، فبالرغم من معارضتي لاتفاقية كامب ديفيد فأنا سعيد بأثر رجعي لما فعله السادات لأن أرضي عادت ولم تعُد أرض وطني مُحتلة).
نفس السيناريو حدث مع الرئيس الراحل حسني مبارك، في حُكمه قال عنه في عام 1987 نصاً: (أؤيد إعادة انتخابه مرة أخرى، وحملات الهجوم عليه تؤكد أن هناك تخبطاً وحيرة لدى من يقودون هذه الحملات لأن مبارك ورث سياسات خاطئة ولم يصنعها)، ثم فتح عليه النار ووصف صورة «مبارك» بأنها مثل (صورة البقرة الضاحكة في إعلان جبنة لافاش كيري، وحال مصر كان أفضل قبل تولي مبارك السلطة)، ليرد عليه «مبارك» سريعاً ويقول له نصاً في خطابه: (إن عجلة التاريخ لا تعرف العودة للوراء، وهناك أصوات آتية من الماضي لا مكان لها في حاضر الوطن ومستقبله)، ليبدأ «هيكل» في استفزاز جديد، ويقول في محاضرة بالجامعة الأمريكية عام (2002): إن السلطة شاخت في مواقعها والتوريث قادم.
للتاريخ لا بد أن نقول: إن «الأستاذ هيكل» قال في كتابه (حرب الخليج) نصاً: أتفهم الدوافع والأسباب لدى صدام حسين لغزو الكويت، لكن لديّ اعتراض على التوقيت.
ولهذا فإن «الأستاذ هيكل» تعرض لحملات عنيفة من صحف دول الخليج لأنه لم يدن الغزو العراقي على الكويت، وزادت هذه الحملات بعد انحياز «هيكل» لإيران ودفاعه عن بشار الأسد وحزب الله.
وزادت حملات ضده بعد أن جلس مع محمد مرسي، وقال نصاً: (هذا رئيس يدعم الديمقراطية وعلينا الانتظار)، لكن الإخوان حرقوا منزله ومكتبته، لكنه عاد وجلس مع قياداتهم، وقال نصاً: (إن هدفي من الجلسة هو بحث سُبل إعادة الجماعة للواجهة من جديد)، لكنه تراجع ودعم ثورة 30 يونيو 2013.
ما نريد قوله أن «الأستاذ هيكل» تحليلاته تصيب مرات وتُخطئ مرات، يتوقع الصح مرات ويُخفق مرات، يكسب معارك صعبة لكنه يخسر معارك سهلة.
هذه هي حياته الصحفية، بين (القلم والمستندات والصدامات والتبرير والتمجيد والبرستيج والقوة والشهرة) وبين (القلق والمحاكم والخطأ والاعتذار والإحباط والتخبط وسوء التقدير).
من هنا جاءت أسطورة «هيكل»، أسطورة حقيقية صنعها بنفسه وساعدته في ذلك المواقف التاريخية التي عاصرها وشارك فيها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك