ما أهم الأعمال التي ينبغي للمؤمن ألا يغفل عنها عند استقباله لشهر رمضان؟أهم الأعمال في استقباله لشهر رمضان هو أن يتخلص المسلم من الذنوب والمعاصي، أن يبادر إلى التوبة، وألا يسوف وينتظر دخول رمضان، صحيح أن رمضان شهر المغفرة وهو شهر الرحمة، وقد أودع الله تبارك وتعالى فيه من الفضائل والعطايا ما لا مزيد عليه، لكن هذه المعاصي والذنوب التي يتلبس بها الفرد قيود تكبله، فما لم يطهر نفسه بحسن المتاب إلى الله تبارك وتعالى فإن هذه القيود تسجره وتمنعه من الإقبال على رمضان بما فيه من نفحات وبركات، وبما أودع الله عز وجل فيه من عطايا يريد أن يأخذ منها وأن يغتنم الكنوز المودعة فيه.
سيجد أن هذه المعاصي والآثام تكبله، وسبب ذلك غشاوات في القلب، وإذا أظلمت النفس من الداخل فإنه يصعب قيادها، وإن حاولت في أول الأمر في مطلع الشهر أن تقلد الغير وأن تسير مع الركب، مع ركب المجتمع في شهر رمضان، إلا أنها لا تلبث أن تنكفئ وأن تنقلب على عقبيها للأسف الشديد، ولذلك فإن في صدارة ما يحتاج إليه المسلم إبان استقباله لشهر رمضان المبارك هو أن يتطهر من المعاصي والذنوب، وألا يؤخر ذلك، بل يبادر، وهذا أمر لا يحتاج إلى طقوس، وإنما عليه أن يستحضر انكسار القلب، وأن يعزم على ترك ما هو فيه، وأن يستغفر ربه تبارك وتعالى، ويندم على ما أتاه، وأن يتوب إلى الله تبارك وتعالى.
فإن كان عليه حق لله تبارك وتعالى بادر إليه، وإن كان عليه حق كمظلمة لأحد من الناس فإن عليه أن يؤدي هذه المظلمة ليستبرئ ذمته، إذا فعل ذلك حينئذ سيجد أن رمضان هذا الشهر الذي سيستقبله مليء بالخيرات والبركات والفضائل، رمضان هو الذي يعطي العباد، يعطيهم من الفضائل التي جعلها الله تبارك وتعالى فيه، فهو شهر الصيام، هذه العبادة الجليلة التي تربي النفوس وتخلصها من الشهوات ومن الشبهات، وتحقق فيها معنى العبودية الخالصة لله تبارك وتعالى، تطهر له قصده ونيته، سيجد أن رمضان هو شهر القرآن كما قال ربنا تبارك وتعالى: شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان، عرف رمضان بأنه الشهر الذي أنزل فيه القرآن، وهو شهر الدعاء لأن السياق الذي ورد فيه ذكر الصيام في سورة البقرة ورد فيه قول الله تبارك وتعالى: وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعان،
ولأنه شهر ليلة القدر التي هي خير ليلة على الإطلاق، خير من ألف شهر كما قال ربنا تبارك وتعالى، فهو شهر الدعاء، وهو شهر ليلة القدر، هو شهر الاعتكاف، أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم، هذه الآية التي كانت في ختام آيات الصيام ورد فيها ذكر الاعتكاف، هذه المغانم كلها هي من العطايا المودعة في شهر رمضان، فعلى المكلف أن ينظر ما الذي يستطيع أن يأخذه، أن يغنمه من هذا الشهر المبارك الفضيل.
هذا على المستوى الفردي، لكن هناك معنى آخر لا ينبغي لنا أن نهمله، وهو استحضار معنى الانتماء إلى الأمة، نعم ذلك أن من مقاصد العبادات لا سيما الفرائض تحقيق معنى الأمة، فنحن أمة أكرمنا الله تبارك وتعالى بهذا الدين العظيم، هذا الدين الحنيف السمح الذي يربي النفوس على الكمالات البشرية، ويحملها على الفضائل وعلى العبودية الحقة الخالصة لله تبارك وتعالى، ويصوغ منها أمة تقدم للعالم كله نموذجا في الأخلاق والآداب، في حسن الصلة بالله تبارك وتعالى، في التطلع إلى اليوم الآخر، في معرفة أن الحياة ما هي إلا دار عبور، وأنها تعمر بالصالحات والطاعات، وفي إقامة هذه الحياة كلها على معاني الفضيلة وعلى كرامة هذا الإنسان، وعلى صون حقوق هذا الإنسان، وعلى الترفع والتسامي عن الشهوات والحيوانية والطينية والإبليسية، وكل ما يلف لفها من الرذائل والقبائح والمستهجنات.
هذه الأمة تثبت للعالم أنها خير أمة أخرجت للناس، تثبت ذلك بأفعالها، بعباداتها، بصومها، بتمسكها بأخلاقها، بأفعالها وأقوالها، بدعوة الناس إلى الخير، بهذه الرسالة العظيمة التي جاءت بها، والعالم اليوم كما لا يخفى على أحد، دون دخول في تفاصيل، في أمس الحاجة إلى أن يجد مثل هذه المجتمعات، إلى أن يجد مثل هذه الأمة، لأنه فقد الأمل فيما سوى أهل هذا الدين من أن يمكن أن يحافظوا على شيء من المعاني الإنسانية والفضائل وكرامة هذا الإنسان واحترام هذا الإنسان بمكوناته من عقل وعاطفة وروح وجسد، فقد الأمل من سائر الملل والأديان، ولم يبق إلا هذا الدين، فعلى أهل الإسلام أن يثبتوا أنهم جديرون بهذه المسؤولية، وأنهم يتحملون هذه الأمانة، ولا يفعلون ذلك إلا بحسن أدائهم للعبادات، وبتماسكهم، وباغتنام ما أودعه الله تبارك وتعالى في شهر رمضان من فرصة للتآخي والتراحم والتعاطف، ونبذ أسباب الخصومات والنزاعات والشقاق والتنازع والاحتراب فيما بينهم.
أن تكون لهم كلمة واحدة، وأن يكونوا صفا واحدا، وأن يجتمعوا على ما يجمعهم من الخير والهدى والرشد، وأن ينبذوا ما يكاد بهم مما يضعفهم ويورثهم الذلة والهوان، هذا المعنى الجمعي للصيام لا بد أن يكون حاضرا، فرمضان فرصة لكل ذلك على المستوى الفردي بما فيه من الأسرة والمجتمع الصغير، وعلى مستوى الأمة بما فيها من مجتمعات المسلمين ومن شعوب المسلمين في كل البقاع، والله تعالى أعلم.
سؤالي يتعلق بقضاء رمضان الفائت، وخاصة من قبل النساء اللواتي كنا مريضات أو في أثناء ولادة أو كانت في ظروف معينة، وكذلك الرجال، فما هو حكم عدم القضاء في الأيام الماضية؟ وكيف يتم التصرف؟أولا لنحرر المسألة: إن الناس ممن لزمهم القضاء لعذر في صوم رمضان فأفطروا فلزمهم القضاء، أما لمرض أو سفر، ففي هذه الحالة كان الواجب عليهم أن يبادروا إلى قضاء رمضان.
لكن من الناس من يلازمه العذر، فيمتد به المرض فلا يقوى على القضاء بين الرمضانين، ومن الناس من يسهو وينسى فلا يتذكر إلا إبان دخول شهر رمضان أو قبله بيوم أو يومين، مع أن الأيام التي عليه هي أكثر من ذلك، هؤلاء معذورون باتفاق أهل العلم، ولا شيء عليهم إلا القضاء بعد خروج رمضان الحالي إن استطاعوا، نعم إذ القضاء دين في ذمتهم، يؤدون هذا الدين حينما يستطيعون بعد خروج رمضان الآتي، جميل.
وصنف آخر من الناس هم الذين يهملون، يرتفع العذر الذي أبيح من أجله الإفطار في رمضان، ولكنهم تهاونوا وتكاسلوا حتى دخل عليهم رمضان القادم، هؤلاء في أمرهم خلاف، فطائفة من أهل العلم يقولون بأن عليهم القضاء بعد خروج رمضان مع التوبة والكفارة أو الفدية، بعضهم يعبر بالكفارة وبعضهم يقول الفدية، وهي إطعام مسكين، فيجمعون مع التوبة بين القضاء والفدية.
وهذا قول طائفة غير يسيرة من أهل العلم، وطائفة أخرى يقولون بأن عليهم التوبة ولكن لا فدية عليهم، فتبرأ ذممهم بالقضاء فقط، وهذا القول هو الذي عليه الفتوى لأنه أرجح، فعليهم التوبة إلى الله تبارك وتعالى مع القضاء، ولا دليل على لزوم الفدية أو الكفارة عليهم، فأموالهم معصومة ولا يمكن أن يقال بالأخذ منها إلا بدليل شرعي.
وربنا تبارك وتعالى يقول: فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر، إذا ما الفارق؟ الفارق في التوبة، بين الصنف الأول والصنف الثاني، وينبغي للمسلم أن يحرص على أن يبادر إلى القضاء قبل أن يدخل عليه رمضان القادم، فقد كانت أمهات المؤمنين رضوان الله تعالى عليهن كما روت السيدة عائشة أنها كانت تؤخر القضاء إلى شعبان، فدل ذلك على أنه لا ينبغي أن يدخل الشهر الآتي قبل أن يقضي المكلف ما عليه.
ولما كانت تؤخر قضاء ما عليها إلى شعبان لأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يكثر من الصيام في شعبان، فكانت رضي الله تعالى عنها تقضي ما عليها في شعبان إذا الخلاصة أن على من وقع في ذلك سواء كان لعذر أو بدون عذر أن يقضي، وإن كان بدون عذر فإن عليه مع القضاء أن يتوب إلى الله تبارك وتعالى، ويكون قضاؤه بعد أداء صيام رمضان الحال عندما يستطيعون ويتمكنون من ذلك، والله تعالى أعلم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك