يمثل كل اشتغال محلي أو وطني أو حتى قطري على نصوص مسرحية من التراث العالمي مناسبة لإعادة اختبار أثرها في حيز جغرافي وزمني مغايرين لزمكان إنتاجها، كما يمثل تجربة لإعادة النظر في التوزيع الصارم لجغرافيا الفرجة وحدودها الوهمية المطبِقَة على الفعل الإبداعي والمسرحي وتلقيه، واشتغالا فنيا على تفكيك تلك الأعمال الخالدة، وإعادة تركيبها في بيئات مختلفة تعميقا لفهمها وإعادة تأملها، واختبارا في الوقت نفسه للاستجابات التي تثيرها شخصية من شخصياتها لدى المتلقين -وفق التصور البريختي-، فإذا كانت استجابة إحدى الشخصيات بطريقة معينة تتماشى وعصرها تاريخيا، وإذا كانت تستجيب بصورة مختلفة في عصور أخرى، ألا يعني ذلك أن هذه الشخصية هي الإنسان؟ وأن استجابته تتشابه مع استجابة أي شخص آخر مع ذلك الموقف ولو تغيرت الظروف؟
وفقا لهذا التصور العام تتأطر هذه القراءة للعرض المسرحي «عرس القمر» الذي قدمته فرقة «لمسة فن»، في إطار جولة فنية قادتها إلى العديد من المدن المغربية، وهو عرض من دراماتورجيا وإخراج محمد زيطان، استلهم من خلاله مسرحية أعراس الدم للشاعر الإسباني فديريكو غارثيا لوركا.
مما يجعلنا نطرح مجموعة من الأسئلة تفاعلا مع سياق التصور المسطّر لتلقيه: لماذا العودة إلى هذا العمل الآن؟ وكيف أعادت الرؤية الإخراجية إنتاجه وتقديمه؟ وما هي أبرز المواقف التي يحاجج عبر شخصياته من أجل تحقيق الإقناع بها؟تتأطر الرؤية الإخراجية لـ «عرس القمر»، من بين ما تتأطر به، بمبدأ أن «الاشتغال الواعي والتوظيف المبتكر للعلامات والرموز ضمن بنية الحدث الممسرح، يجعل -تجربة الفنان- مخزنا للرؤى والدلالات المتعددة التي تنقل الأفكار من إطارها الذهني المجرد إلى التجسد الملموس»، ويظهر هذا المبدأ في كيفية توظيف عناصر العرض وجعلها تؤدي دلالات متعددة تتجاوز وظيفتها التقريرية فقط.
يبرز هذا مثلا في مقدمة العرض حيث يتم تسخير عناصر السينوغرافيا لإنتاج خطاب مكثف يستحضر ذكرى لوركا، قبل الشروع في بناء العرض بالتدريج، وذلك بتوظيف صورته على طرفي الخشبة كأنها مدخل أو بوابة متخيلة نحو عوالمه، في تدبير سينوغرافي يستدعي إرثه الإبداعي واسمه وما يحمله من دلالات بوصفه عتبة لتلقي العرض وتفكيك علاماته، كما يعدّ تكريما رمزيا له يتجاوز حدود وطنه الأم، ليصير تكريما كونيا له، تثمينا لما قدمه للإنسانية وللحرية والحب بوصفه شاعرا شهيدا، ثبت على اختلافه ومبادئه في مرحلة من أحلك مراحل التاريخ الإسباني إبان الحرب الأهلية الموازية للحقبة الفرنكوية.
إن هذا الإجراء السينوغرافي على اقتضابه يؤسس توجيها مهما لتلقي العرض، ودعوة لإعادة التعامل مع هذا الإرث الغربي والكوني، في سياق مختلف تماما، وفي مكان وزمان مغايرين، أمام متلق عام ومختلف تماما قد لا يكون مدركا لقيمة ذلك الاسم، ورمزيته.
تتوالى مقاطع المشهد الاستهلالي، عندما تضاء الخشبة على الأم كلارا (سلمى المختاري) أو الكونتيسة الثكلى، التي تظهر وهي تخيط ثوبا أحمرَ، يميزه طوله الشديد الذي يمتد من آلة الخياطة ليعبر الخشبة وينسدل مغطيا مقدمة الخشبة، ومواجها الجمهور كاسرا بذلك الجدار الوهمي الرابع، باحثا عن القرب أكثر من الجمهور، يضاف إليه صوت آلة الخياطة المكبّر الذي يتجاوز بدوره محيط آلة الخياطة، ليملأ فضاء المسرح برمته ممتزجا بغناء إسباني يشبه الترانيم القديمة، تضاف إليهما الإنارة المتوسطة التي تضفي أجواء الحزن والرتابة والوجوم على فضاء اللعب.
يخبر هذا الاشتغال الواعي والتوظيف المبتكر للعلامات والرموز مجتمعة المتلقي أن ثمة ألما طافحا يتجاوز حواف الذات التي تحمله، وأن ثمة جروحا تكاد تتجاوز الذات الإنسانية لتغرق العالم بدمها القاني، وأن «كلارا « تجاهد صابرة لتصلح تلك الاختلالات، برتقها وخياطة ما تمزق منها، أو منهما سيان، فكلاهما حامل ومحمول.
يتحول الثوب الأحمر بعد هذا إلى ممشى تقف عليه الأم كلارا، لترقص الفلامينكو بحركات عنيفة ضاربة الأرض بقوة معلنة عن صمودها، قبل أن تعود للانهيار واحتضان الثوب ومواصلة الأنين تألما، ولعل هذه الانتقالات السريعة من حالة إلى حالة وهذا التغيير السريع في دلالات العناصر باستعارتها مرة لتعزيز التعبير عن الألم ومرة للتعبير عن الصمود، يكشف عن تغير الحالات النفسية العسيرة التي تعيشها الشخصية وهي تصارع من أجل الصمود، هي التي تستمر ثابتة وهي تراقب ابنها بابلو (أنس بوزركان) يتمرد عليها من أجل انتزاع مباركتها للزواج بخطيبته بيلار (نهيلة نايتولحيان) سليلة عائلة أعدائها «فيليكس» التي لم تقبل بها إلا على مضض، فتظل صامدة حتى تتسرب إليها نميمة ما يتهامس به الفضوليون خارجا عنها أسرتها، عبر الجوقة التي وظفت لنقل الأخبار التي لا تسر، وعندها يفيض ألمها وحنقها على الجميع وتصرخ تحت ضغط تسارع الأحداث، مخرجة غضبها وما يعتمل في صدرها من حنق، قائلة:
-»كم… من العمر يلزمني لأنسى، كم من الأماسي والليالي الطويلة تلزمني لكي تخمد هذه النار الملتهبة في صدري؟ في البدء قتلوا الزوج، وبعده بقليل فجعت بابني البكر…» يؤسس هذا الاستهلال مدخلا مكثفا، وحيزا مقتضبا لكن مشبعا بالدلالات التي توجه المتلقي وتجعله يدرك البعدين المأساوي والدرامي للعرض.
يهيمن على بداية العرض المسرحي بصريا اللونان الأحمر (لون الثوب الذي تخيطه كلارا الأرملة) والأسود (الذي ترتديه)، والذي تبقيه رداء لها طيلة العرض، تعبيرا عن حزنها الشديد والممتد في الزمن على من فقدت من أفراد أسرتها، لونان كافيان للتعبير عن الحزن والألم والخطر المحذق بالجميع، خطر الموت الذي سيختم الفصل الأخير بموت الابن بابلو عندما يتواجه مع ليوناردو (أسامة العروسي)، هيمنة لونية لا يكسرها إلا تنوع ألوان الدون أجوستين (أحمد بارودي) الذي يبدو أن اختلاف ملابسه وتعدد ألوانها يكشف تعدد مواقفه وقدرته على التلون بما يخدم موقعه وقربه من محبوبته كلارا.
تحتل الشخصيات مكانة مهمة في هذا العمل بالنظر إلى بعده النفسي والاجتماعي، بوصفها تكوينا فنيا من مستويات متعددة، يعكس كل مستوى منها رؤية وموقفا معينا من المجتمع أو من طبقة سياسية معينة، «فالشخصية كلمة خطيرة لأنها تتضمن الأحكام والترابط والفردية التي قد لا تكون متحققة» في الواقع كما يعتبرها رونالد هيمان، لذلك يعد رسم الشخصيات وتكوينها عملية مهمة وقابلة للتأويل في أدق تفاصيلها.
من ذلك – مثلا – شخصية الجنرال (محمد رضى لمنادي) والد الخطيبة، الذي يعد التركيز على رتبته العسكرية وانتماؤه إلى «الكتيبة السوداء» استحضارا لجرائم الجنرال فرانكو ولإرثه الدموي في التاريخ الإنساني القائم على قمع المثقفين والمعارضين على حد سواء، كما يعد ربطا للمسرحية بسياق تاريخي تميز بالعنف والفوضى واختلال القيم، فحتى وإن كان من المؤكد تاريخيا أن الجنرال فرانكو لم يصدر أمرا مباشرا بإعدام لوركا، إلا أن مناخ القمع الذي ساهم نظامه في إطلاقه كان سببا في تصفيته، مما يجعله مسؤولا عن موته، ولعل في استحضاره بوصفه رمزا للفساد وخيانة الأمانة، إدانة ضمنية للاستبداد والعنف والدموية في مناخ سياسي عالمي راهن متشنج يتجه يوما بعد يوم إلى مزيد من التوتر المفضي إلى مواجهات قد لا تكون نتائجها طيبة.
يضاف إلى هذا شخصية الدون أجوستين الذي جسّد عكس نموذج الجنرال، لكن بمستوى نزاهة لا تجعله أفضل منه تماما، فهو العاشق لها المتربص بها المتطلع إلى الزواج بها دون احترام لذكرى صديقه (زوجها الهالك) والذي سيساهم حضوره في كشف فساد الجنرال ودمويته، ثم الخادمة إلينا (ثورية بوهالي) التي مثلت الشخصية الواقعية المدركة لحدودها ولرغباتها الجسدية، والتي وظفت توظيفا بليغا لتبرز قيمة الحلم الذي يكاد يتحقق للخطيبة الجاحدة، التي لم تدرك يوما قيمته لتهرب ليلة زفافها رفقة حبها القديم ليوناردو، فيطاردهما العريس بابلو وينتهي بهما الأمر بمواجهة دامية.
طيلة العرض المسرحي، تتصارع الشخصيات مع رغباتها وفيما بينها مدافعة عن قيمها، وعما تمثله صراعا يتمفصل إلى مستويين:
– صراع فردي يمثله مثلا تمزق الخطيبة بين مشاعرها ومحيطها وهي تدافع عن حقها في حب قديم يكاد زواجها يعصف به، والصديقة إلينا التي تنتصر للواقع المتمثل في الارتباط برجل يمنحها الإحساس بالاكتمال ويشبع تطلعها إلى الحب المادي الجسدي الواقعي، ثم الدون أجوستين الذي ينتصر على نفسه ويقف في مواجهة الجنرال من أجل كشف دمويته وزيف فضيلته … إلخ.
– وصراع آخر ثنائي أبرزه الصراع بين الأم والابن مختزلا المواجهة الأبدية بين إرث الأجيال، وبين الذاكرة المثقلة بالرغبة في الثأر والحاضر الذي يسطّره التطلع إلى صفحات جديدة «فالأبناء والأحفاد لا ذنب لهم» كما يصرخ في وجه أمه وهي تحرضه على الثأر لوالده وأخيه من عائلة الجنرال….
ومما لا شك فيه أن بلورة هذا الصراع وفق لغة مشهدية، لم تكن لتتحقق لولا عمل المخرج على توليف باقي مفردات العرض المسرحي الفنية والتقنية، لا سيما أسلوب الأداء المدروس بعناية و التصور السينغرافي لـ (صفاء علالي) والاقتراحات الفنية التي قدمها مصمم المابينغ والفيديو (معاد بياري)، أضف إلى ذلك انزياحات الانارة والموسيقى التعبيرية التي جاءت ملائمة للأجواء الدرامية التي تستدعيها المشاهد في سياقاتها الدرامية والجمالية.
ختامًا، لا يمكن لقراءة مقتضبة أن تحيط بعرض يزخر بكم كبير من الرموز التي تحمل في تفاصيلها دلالات كثيرة، لكن يمكن القول إن الاشتغال الدرامي في عرض «عرس القمر» قد شكل تجاوزا للنص المسرحي كما هو عند لوركا، من خلال تفكيك أحداث المسرحية وشخصياتها وإعادة لتركيبها في سياق وزمان مختلفين، بمقصدية محددة تدين العنف والفساد والدموية وتبرز آثارها الوخيمة على الأفراد خصوصا، بوصفهم ذلك المكون الصغير داخل المجتمع (البناء الكبير) الذي يتألم في عزلته ووحدته، دون أن يتمكن من تغيير الأقدار المتحكمة في ألمه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك