لا ترتسم لوحة أوضح للفقر في سوريا بالاقتصار على الفقرين الاقتصادي والسياسي اللذين تناولهما كاتب هذه السطور في مقالة سابقة (القدس العربي، 7 يناير 2026).
يقتضي الوضوح الكلام على الشؤون الثقافية والروحية.
في هذين الشأنين تبدو كلمة الفقر استعارة أكثر حتى مما في عبارة الفقر السياسي، لكن يحدث أن تضيء الاستعارة جانباً من الواقع ربما ما كنا لنراه لولاها، وتاريخ كلماتنا هو تاريخ استعارتها للكلام على أشياء ليست مضمنة في دلالتها المعجمية الأصلية.
طوال عقود خبر المجتمع السوري شروط إفقار ثقافي واسع النطاق، بفعل تدهور التعليم الأساسي والعالي، وغياب النقاش العام وتقييد شديد لحرية التعبير، والرقابة على النشر والأنشطة الفنية، وغياب منابر المعلومات والإعلام المستقلة، وحصر شبه كلي لميزانيات الأنشطة الثقافية بيد النظام ومحظييه، واستتباع قطاع واسع من المثقفين والفنانين والصحافيين.
من لم يُستتبعوا هاجروا، أو هاجرت أنشطتهم.
قلة من الكتاب السوريين مثلاً نشروا كتبهم في سوريا بسبب القيود الرقابية.
وفي سنوات حكم بشار، موّل مخرجون سوريون أفلامهم القليلة بمنح أوروبية جزئياً أو كلياً.
وأهم من ذلك كله انقطع تأثير الثقافة على البنية الاجتماعية بفعل الخوف والتضييق السياسي، ثم بأثر استدخال الرقابة وانفصال متزايد للأعمال الفكرية والفنية عن الحياة الاجتماعية.
التلفزيون، وفي وقت لاحق وسائل التواصل الاجتماعي، أسهمت في تعزيز الانقطاع بين الاجتماعي والثقافي.
لا يمنع انعدام الحرية ظهور أعمال فكرية أو فنية عظيمة، فحتى قرن أو قرنين خليا ظهر الفلتات وعظماء الأدباء والمفكرين في بلدان توصف اليوم بأنها استبدادية و/أو تقليدية (وكانت الديمقراطية والتعليم العام في بداياتهما في كل مكان، على كل حال).
لكن انعدام الحرية يمنع انتشار الثقافة وديمقراطيتها، يقطع تأثيرها على حياة عموم الناس، ويقلل من التثقف العام ونسبة المثقفين.
وبعبارة أخرى، يحول التقييد السياسي دون تحول الثقافة إلى بنية اجتماعية، صعيد مؤثر ومتفاعل لحياة المجتمع، ويقتصر أمرها على أن تكون دوائر نشاط مثقفين أفراد، ضعفاء بالتالي أمام السلطة وأجهزة إكراهها المخترقة للمجتمع، أمام الثروة وإغراءاتها وسبل النفاذ إلى مالكي مفاتيحها، وأمام الدين وشبكات إنتاجه وتوزيعه المنتشرة في كل مكان.
وقد يكون قاسياً القول إننا عرفنا في سوريا قلة من الفلتات وفي الوقت نفسه قلة من التثقف العام.
هنا لا تكفي القيود السياسية المفروضة لتفسير ما يبدو قصوراً ذاتياً، أو تواطؤاً من قبل المثقفين أنفسهم.
هناك خصوصية سوريا تتمثل في نظرة وظيفية وتعبوية للثقافة، أو شكل ضيق من حزبية الثقافة، شارك فيها معظم المثقفين السوريين.
كانت هذه نظرة شائعة في البلدان المستعمرة سابقاً حيث تلح دواعي التقدم والسير للأمام، لكن يبدو أنها كانت أشد قوة في سوريا مما هي في مصر مثلاً أو في لبنان، أو في البلدان المغاربية.
ربما تتفوق علينا في هذا الشأن فلسطين، لكن الشتات الفلسطيني كان منبع خصوبة ثقافية، قد تكون سوريا في اقتراب منها خلال السنوات العشر الأخيرة.
ولا يبدو أن الفقر الثقافي مرشح لغير التفاقم اليوم في سوريا ما بعد الأسدية، وهذا بفعل متعاضد من الرقابة السياسية ونزعات المحافظة الدينية والفكرية، وما لا يقل عن توجس من المثقفين بفعل استقلالهم وعلمانيتهم المبدئيين.
الرقابة على الكتب التي تنشر في سوريا مستمرة، والتدخل في تفاصيل ما يقوله روائيون وكتاب قصة محقق.
ومن غير المحتمل أن تمكن إعادة نشر مؤلفات الكتاب السوريين التي نشرت في بيروت وغيرها في سوريا اليوم.
وليس واضحاً كيف ستسير الأمور بخصوص المسرح والسينما والفن التشكيلي بالنظر إلى التعارض بين الغريزة المحافظة للحكم الجديد ومقتضيات استقلال العمل الفني.
نعرف أنه جرى حظر رسم الموديل العاري في كلية الفنون الجميلة في جامعة دمشق، وأن جهات سياسية دينية تصبو لأن تكون هي من تقرر ما هو الفن الصحيح، والثقافة الصحيحة، والفكر الصحيح، وليس منتجي الفكر والفن والثقافة.
ربما الشعر العمودي وحده في سبيله إلى الانتشار لأنه وحده هو الشعر الصحيح، شعر الهوية الذي لا يسائل في هيكله وفي أغراضه وفي المتوقع منه في دوائر استهلاكه ما هو قائم.
وبعض أصحاب هذا الشعر في السلطة فعلاً.
إلى ذلك فإن التصور الوظيفي والتعبوي للثقافة مستمر، وإن توجه أكثر نحو خدمة الهوية، وليس نحو “التقدم”، بحسب تسويغات زمن مضى.
يقترن الفقران الثقافي والروحي بالعنف السلوكي واللفظي، بحدة الانفعالات والكراهيات، بتطرف الطباع وخشونة التواصلات بين الناس.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك