في عمق المشهد السياسي الفلسطيني المعقد، تتشابك الخيوط وتتداخل المصالح بطريقة تبدو في ظاهرها متناقضة، لكنها في الجوهر تكشف عن حقيقة استراتيجية صارخة: بات بقاء حركة حماس واستمرار فاعليتها يمثل حاجة ملحة لخطين متوازيين لا يلتقيان؛ الاحتلال الإسرائيلي من جهة، والشارع الفلسطيني المثقل بالخيبات من جهة أخرى.
فبالنسبة للمؤسسة الحاكمة في تل أبيب، وتحديداً اليمين المتطرف بقيادة نتنياهو، فإن وجود حماس ليس مجرد «شماعة»، بل هو مصلحة استراتيجية عليا وثابت انتخابي.
يحتاج اليمين الإسرائيلي إلى هذه الحركة لتأجيج مشاعر الخوف، وتغذية الشعور الجمعي بالتهديد لدى الناخب؛ فهي «الفزاعة» المثالية التي تضمن توحيد الجبهة الداخلية خلف أطروحات التشدد، وتوفر في الوقت ذاته الغطاء السياسي والإعلامي الأقوى أمام المجتمع الدولي، للتنصل من أي استحقاق سياسي.
بقاء حماس كضرورة وطنية يجب أن لا يتحول إلى صك غفران يبرر أخطاءها، أو يجمد حق النقد؛ لأن القضية أكبر من حركة، والشعب أبقى من أي فصيلإن الاحتلال يستثمر هذا الوجود لتكريس الانقسام وفصل غزة عن الضفة الغربية، بهدف وأد أي أمل في وحدة جغرافية وسياسية قادرة على حمل مشروع الدولة، ومواصلة التوسع الاستيطاني تحت لافتة «محاربة الإرهاب».
والحقيقة أن إسرائيل لا ترفض الدولة الفلسطينية بوجود حماس، بل ترفضها بالمطلق، لكن حماس تمنح هذا الرفض مبرراً وظيفياً حياً.
على الضفة المقابلة، وفي قلب الوجدان الشعبي، يكتسب وجود الحركة أبعاداً مغايرة تماماً، حيث تحولت بفعل الأمر الواقع إلى «رأس حربة» وضرورة وطنية فرضتها الظروف.
لقد جاء هذا الالتفاف كمحصلة طبيعية لثلاثة عقود من «السنين العجاف» للمفاوضات العبثية، التي عاد منها الفلسطينيون بخفي حنين، ولم تنتج سوى مزيد من قضم الأراضي وتكريس الفصل العنصري.
أمام هذا الأفق المسدود، لم يعد الشارع يرى في الدبلوماسية الناعمة سبيلاً للتحرر.
وهنا تكمن المفارقة الاستراتيجية؛ فالطرف الأهم في هذه المعادلة برمتها، هم الفلسطينيون أنفسهم، هذا الشعب المجبول تاريخياً بثقافة الثورة والتمرد الفطري، وقد فهمت حماس سيكولوجية هذا المارد الكامن في الوجدان؛ فالإنسان الفلسطيني يجيد الفصل بين خياراته بدقة؛ قد يختلف الكثيرون مع حماس في أيديولوجيتها الحزبية أو خياراتها السياسية، لكنهم في لحظة المواجهة العسكرية وفرض غطرسة المحتل، يعودون فوراً إلى طبيعتهم الثورية الأولى التي لا تقبل الضيم، فيلتفون حول المقاومة كخيار وجودي رادع.
وفي المقابل، سارت قيادة حركة «فتح» الحالية في مسار مغاير تماماً تصادم مع هذه الطبيعة الثورية، لقد تبنت نهجاً يرى في المفاوضات خياراً وحيداً، واستماتت في الحفاظ على مكتسبات اتفاق أوسلو الشحيحة، مراهنة على تحولات دولية وإقليمية لم تأتِ أبداً.
هذا الرهان المجاني ترافق مع ملفات فساد مستشرية تتغلغل في عروق السلطة، التي باتت حركة فتح تتحمل وزر أخطائها بصفتها الحزب الحاكم.
لكي نتوخى الإنصاف والموضوعية، يجب التأكيد على أن هذا النقد البنيوي لا يستهدف حركة فتح كإرث نضالي وتاريخي صاغ الهوية الوطنية؛ فالشارع الفلسطيني لا يزال يحنّ إلى زمن الشهيد الرمز ياسر عرفات (أبو عمار) وصلاح خلف (أبو إياد)، تلك القيادات التاريخية، التي حتى إن فاوضت دبلوماسياً، كانت تبقي أصابعها على الزناد، وتملك الجرأة لإيلام الاحتلال.
المعضلة أن القيادة الحالية لفتح تخلت تماماً عن عقيدة المقاومة، وهو الفراغ الذي تقدمت حماس لملئه مستعيدة أدبيات الثورة الأولى.
ولكيلا نخلط المفاهيم، لا بد من تفكيك مصطلح «البقاء» ذاته؛ فالجميع يحتاج بقاء حماس بالمعنى العسكري كقوة مقاومة وفاعل ميداني، وهذا ما يريده الشعب كرادع، وما يحتاجه الاحتلال كغطاء.
لكن الخلاف ينفجر حول بقائها بالمعنى الإداري والحزبي كحكومة تفرض إرادة سياسية حصرية؛ وهو الأمر الذي يضع عبئاً معيشياً وحياتياً هائلاً على كاهل الحاضنة الشعبية في غزة، المحاصرة بين متطلبات الصمود اليومي واستحقاقات المواجهة.
هذا الفهم لا يعني أبداً تبرير كوابح حكم حماس داخلياً؛ فمعاناة الناس من حروب متكررة، وحصار خانق، وقمع لحرية التعبير، ملفات ثقيلة لا يمكن تجاوزها بالتعبئة الإعلامية، لا يمكن أن نطلب من المواطن البسيط أن يكون بطلاً إقليمياً بينما هو يكافح لتوفير رغيف خبز لطفله.
بقاء حماس كضرورة وطنية يجب أن لا يتحول إلى صك غفران يبرر أخطاءها، أو يجمد حق النقد؛ لأن القضية أكبر من حركة، والشعب أبقى من أي فصيل.
هذا التناقض الداخلي يعقد مواقف بقية الأطراف؛ فالسلطة الفلسطينية تعتبر بقاء الحركة تهديداً لشرعيتها، لكنها تستفيد منه كورقة ضغط مضادة وكعذر لتبرير عجزها.
أما المحور الإقليمي المعادي للإخوان فيضغط لتهميش حماس، لكنه يخشى زوالها بالكامل كونه قد يؤدي إلى فراغ أمني مرعب، أو سيطرة فصائل أكثر تشدداً.
وفي الجانب الآخر، يوفر داعمو حماس لها غطاءً مالياً وسياسياً وعسكرياً ليضمنوا استمرارها كأداة نفوذ وورقة ضغط ثقيلة في وجه مشروعات إعادة ترتيب الشرق الأوسط والتطبيع.
وبذلك، يتقاطع بقاء حماس مع مصالح متضاربة لمجموعة واسعة من اللاعبين، مما يفسر استمرارها رغم كل محاولات الإقصاء.
أمام هذا الاستعصاء، يبرز السؤال الوجودي: كيف يمكن للفلسطينيين الخروج من هذه المعادلة الصفرية؟ إن المخرج الحقيقي لا يكمن في الرهان على شطب فصيل أو استبدال آخر، بل في صياغة مراجعة شاملة للمشروع الوطني برمته.
إننا بحاجة ماسة إلى إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية، كمظلة وحدوية حقيقية وجامعة، تعيد تعريف دور السلطة من جهاز خدماتي وأمني مقيد، إلى أداة إسناد وطني تدمج بذكاء ورصانة بين العمل السياسي والدبلوماسي الشرس في المحافل الدولية، وبين الحفاظ على قوة الردع الفعلية للمقاومة على الأرض.
في المحصلة، يقف المشهد اليوم أمام معضلة تاريخية: فكّ المصلحة الإسرائيلية الذي يستخدم حماس كفزاعة لإلهاء العالم، وعزل غزة، وفكّ الضرورة الفلسطينية الذي يدفع الناس نحو القوة بعد سقوط أوراق التفاوض.
وبين هذين الفكّين، يبقى الشعب الفلسطيني وحده هو الضامن والرهان الأخير لئلا تتحول معادلة التعقيد هذه إلى مقبرة للحقوق التاريخية.
إن الحل المنشود ليس بقاء حماس أو رحيلها، بل إنهاء الاحتلال الذي سد الأفق السياسي؛ فحماس بمشروعها هي النتيجة الحتمية لوجود هذا الاحتلال، وتعنته المستمر هو الذي يغذي مبررات وجودها كوجه آخر لرفض الأمر الواقع.
وسواء سلّم العالم بذلك أم لم يسلم، تظل الحقيقة ثابتة: لا دولة مع احتلال، ولا سلام مع استيطان.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك