يقول الشاعر الأمير بدر بن عبدالمحسن (رحمه الله):
يقذفنا بدرنا المضيء إلى الشمس.
إلى «ظمأ الشمس» ثم يتركنا ليشرب هو ظمأها.
كيف لهذا البدر أن يقدم لنا البلاغةَ والجزالةَ والاستعارات (الواقفة) في حضن الشمس والتي لا يجيدها ولا يمسك بناصيتها إلا هو وحده.
كيف تشرب الظمأ الذي يجعل القلب يصغي لصوت قطرةٍ متخيَّلة وتحيلنا لأكوام الأسئلة حول هذه المفردات البارعة التي تنفذ إلى دمانا قطرة.
قطرة.
قطرة.
إنه نتيجة طبيعية لبلاغة بلغت ذروتها،
فحين يقول: «حاولت ما أغمض عيوني».
نحن لا نقرأ محاولة سهر بل مقاومة النسيان.
ممانعة الفقد، وصراع الإنسان مع اللحظة الأخيرة قبل الانكسار.
هو ينسج ارتباك الروح ساعة الوداع.
جملة قصيرة، لكنها مثقلة بما لا يُقال:
عجز اللغة، وضيق الحيلة، وانكسار الإرادة أمام قَدَرٍ يمشي بهدوء.
هنا تتحوّل الاستعارة من زينة لغوية.
الظمأ ليس عطشاً، والشمس ليست جرماً سماوياً، والجفن ليس عضواً بيولوجياً.
كلها رموز تتبادل الأدوار حتى يصبح العاشق هو الصحراء، وتصبح المحبوبة هي المطر المؤجَّل.
لا يفسّر بل يقذف الصورة ثم ينسحب،
أنه لا يمنح المعنى كاملاً بل يترك فراغاً ذكياً.
نحن أمام شاعر لا يراهن على الإيقاع وحده وإنما على المسافة بين الكلمة والقلب.
على ذلك الصمت الذي يلي الجملة، وعلى الرجفة التي تعقب الصورة.
هو ما يبقى عالقاً بعد أن ينتهي الكلام.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك