وبالمقارنة مع إحصائيات عام 2024 المنسوبة لوزارة الداخلية العراقية، تظهر الأرقام الحالية طفرة مرعبة في معدلات العنف؛ فبينما سجلت الوزارة في العام الماضي 14 ألف دعوى، قفز الرقم في عام 2025 ليصل إلى أكثر من 36 ألف حالة.
هذا الارتفاع بنسبة تجاوزت 150% في غضون عام واحد فقط، يعطي مؤشراً خطيراً بشأن تفاقم العنف الأسري.
قالت شمس اللجماوي، مساعد رئيس المرصد العراقي لحقوق الإنسان، إن كل رقم في هذه الإحصائية يخفي قصة إنسانية مؤلمة؛ امرأة تخشى الرجوع إلى منزلها، أو طفل يعيش في حالة خوف دائم، أو مسن يشعر بأنه فقد الأمان داخل أسرته.
وأضافت، أن القلق الحقيقي يكمن في الضحايا الصامتين الذين لا يملكون خياراً سوى الصمت، لأن الإبلاغ قد يعني التشرد أو النبذ الاجتماعي.
وسبق أن حذر باحثون اجتماعيون من أن العنف الأسري في العراق بدأ يأخذ طابعاً بنيوياً، فيما أشارت منظمات دولية إلى أن غياب دور الإيواء الحكومية الفاعلة يجعل القوانين بلا أثر حقيقي.
كما يؤكد مختصون في علم النفس الجنائي أن الأطفال الذين ينشأون في بيئات عنيفة يكونون أكثر عرضة لإعادة إنتاج العنف في المستقبل، ما ينذر بدوامة مجتمعية طويلة الأمد.
يرى المرصد العراقي لحقوق الإنسان، أن العائلة العراقية تواجه ضغوطاً معيشية واجتماعية حادة تهدد استقرارها.
ورغم قوة الروابط الأسرية في العراق، إلا أن الأزمات المتراكمة، وضعف إنفاذ القانون، وتعدد مراكز النفوذ، أدت إلى بروز أنماط عنف لم تكن معهودة، مما حوّل بعض المنازل في كثير من الأحيان من مساحة أمان إلى بيئة مشحونة بالتوتر.
ويحذر المرصد من أن استمرار هذا الواقع يهدد بتحويل المنزل من مساحة أمان إلى بيئة خوف، ما يستدعي تدخلاً عاجلاً لحماية الأفراد، وضمان ألا يكون العنف هو الثمن الذي يدفعه الضحايا للحفاظ على “تماسك شكلي” للأسرة.
يُمكن القول إن الفجوة الصادمة بين الأرقام المسجلة والواقع الميداني تعود إلى ما يوصف بـ (الإرهاب الاجتماعي والاقتصادي) الذي يواجهه الضحايا؛ حيث يمنعهم الخوف من الوصمة الاجتماعية، والاعتماد المالي على المعتدي، من الإبلاغ عن الانتهاكات.
يُضاف إلى ذلك، النقص الكبير في دور الإيواء الحكومية الآمنة، مما يجعل خطوة التبليغ محفوفة بالمخاطر، إذ تنتهي كثير من القضايا بعودة الضحية قسراً إلى المعتدي تحت ضغوط عائلية أو عشائرية.
وليس مبرراً هذا الغياب التام للمعلومات الرسمية الشفافة بشأن عدد دور الإيواء وقدرتها الاستيعابية في العراق، فحجب هذه البيانات أو عدم تحديثها يعرقل جهود الحماية والمراقبة الحقوقية، ويترك الضحية أمام مستقبل مجهول يفتقر لأدنى مقومات الأمان الملموس.
وفي السياق ذاته، أقر برلمانيون معنيون بملف المرأة والطفل بأن الخلافات السياسية حالت دون تشريع قانون خاص بحماية الأسرة، رغم تزايد الانتهاكات تحت غطاء “الخصوصية”.
قال المرصد العراقي لحقوق الإنسان، إن المادة 41 من قانون العقوبات العراقي لا تزال تُستغل لتبرير العنف تحت مسمى “حق التأديب”، في ظل غياب قانون مستقل لمناهضة العنف الأسري.
ويؤدي هذا الفراغ التشريعي إلى إخضاع قضايا جنائية خطيرة لتسويات عشائرية، ما يضيع حقوق الضحايا ويكرس الإفلات من العقاب.
وتنص المادة 41 من قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 على أنه:
“لا جريمة إذا وقع الفعل استعمالاً لحق مقرر بمقتضى القانون، ويعتبر استعمالاً للحق: تأديب الزوج لزوجته، وتأديب الآباء والمعلمين ومن في حكمهم الأولاد القصر في حدود ما هو مقرر شرعاً أو عرفاً أو قانوناً”.
وبناءً على ما تقدم، يطالب المرصد العراقي لحقوق الإنسان بـ:
الإسراع في تشريع قانون مناهضة العنف الأسري بعيداً عن التجاذبات السياسية.
تعديل قانون العقوبات وإلغاء المادة 41 وكل النصوص التي تشرعن العنف.
توسيع شبكة دور الإيواء الحكومية وتأمينها في جميع المحافظات، مع توفير دعم نفسي وقانوني مجاني للضحايا.
إطلاق برامج توعوية وطنية تعيد تعريف الروابط الأسرية على أساس الكرامة والحماية، لا القوة والإخضاع.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك