برلين ـ «القدس العربي»: في فيلمه الجديد «الجميع يعشق بيل إيفانز « Everybody Digs Bill Evans، المشارك في المسابقة الرسمية لمهرجان برلين السينمائي في دورته السادسة والسبعين (12 إلى 22 فبراير/شباط الجاري) لا يقدّم المخرج البريطاني غرانت جي سيرة موسيقي تقليدية، بل رحلة داخل الصمت الذي يعقب الكارثة، والمساحة النفسية التي تتكوّن حين يُنتزع من الفنان صوته الداخلي، قبل أن يُنتزع صوته الموسيقي.
الفيلم لا يتعامل مع عبقرية عازف البيانو الأمريكي، وأحد أبرز مؤلفي موسيقى الجاز الأمريكيين، بيل إيفانز، بوصفها موهبة استثنائية فقط، بل يصورها كثمنٍ نفسي وعصبي باهظ دُفع على سنوات من الحساسية المفرطة، والعلاقات المتكسّرة، والإدمان، والشعور الخانق بالذنب.
لا يصور الفيلم الإبداع كخلاص، بل كعبء يدمّر صاحبه ببطء.
منذ مشاهده الأولى داخل نادي فيلدج فانغارد في نيويورك عام 1961، يضعنا الفيلم في قلب لحظة موسيقية نادرة: انسجام شبه إعجازي بين إيفانز وعازف الكونترباص سكوت لافارو.
الكاميرا تتبع الأيدي العازفة فوق مفاتيح البيانو، وضربات الأوتار، والتنفس المتلاحق، والعيون المغمضة، التي تعيش حالة نشوة أقرب إلى التصوف منها إلى الأداء الفني.
هذا الحوار الموسيقي يبدو كمحادثة حب صامتة، كاملة الانسجام، قبل أن تُقطَع فجأة بحادث سير مأساوي يودي بحياة لافارو، ويترك إيفانز في فراغ لا يمكن ملؤه بأي نغمة أخرى.
من هذه اللحظة، يتحوّل الفيلم من احتفال بالموسيقى إلى تأمل في الغياب.
يجسّد أندرس دانيلسن، الذي طالما أبهرنا بأدائه كشخصية رئيسية في العديد من أفلام المخرج الدنماركي ـ النرويجي يواكيم تريير، لي إيفانز كشخص ينكمش على ذاته بدل أن ينهار انهياراً تاماً.
يلغِي حفلاته، ينسحب من العالم، ويغرق أكثر في الهيروين والإدمان، فالألم النفسي الذي يعصف به يحتاج إلى مخدر قوي كي يُحتمل.
أداء لي قائم على الصمت والنظرات المطفأة أكثر من الحوار، وكأن الجسد نفسه لم يعد قادراً على حمل عبء الفقد.
هو رجل يعيش كالشبح، بين دخان السجائر والذكريات، غير قادر على بناء علاقة سليمة مع حبيبته أو شقيقه أو حتى نفسه.
يسكنه شعور قوي بالفقد، وبأن الصلة الإبداعية والتماهي الروحي والموسيقي مع سكوت لافارو لا يمكن أن يعوض.
السيناريو المقتبس عن رواية «استراحة بين نغمتين» للكاتب أوين مارتل، يركّز على أشهر قليلة من حياة إيفانز، لكنها تختصر مساراً طويلاً من الانكسار النفسي.
العلاقة مع لافارو تُصوَّر وكأنها علاقة عاطفية عميقة بقدر ما هي موسيقية، ففقدانه يشبه فقدان شريك حياة لا مجرد زميل فرقة.
حين ينتقل إيفانز للعيش مع أسرته في فلوريدا، في محاولة للتداوي من ألمه النفسي، تتبدّل نبرة الفيلم، من دون أن يخفّ ثقله.
هنا تدخل لوري ميتكالف بدور الأم، التي تجمع بين الحنان الصامت والقوة العملية، وبيل بولمان بدور الأب الذي يبدو مرحاً ظاهرياً، لكنه يخفي خيبة عمر كامل من حياة أصغر من أحلامه.
مشاهد الأم وهي تراقب ابنها المرتعش في نوبات الانسحاب من المخدر بقلق وحب صامتين، من أكثر لحظات الفيلم صدقاً وإنسانية، حيث يصبح الحب فعل رعاية لا خطاباً عاطفياً.
أما الأب، فيكشف في لحظة مؤثرة عن شعوره بأنه ضغط نفسه سنوات داخل حياة ضيقة، لم تكن تشبه ما حلم به يوماً، في توازٍ موجع مع الابن الذي استهلكته عبقريته.
اختيار التصوير بالأبيض والأسود لمعظم الفيلم يمنحه كثافة نفسية عالية، كأن العالم بعد موت لافارو، فقد ألوانه فعلاً.
وحين تظهر مشاهد قصيرة بالألوان في السبعينيات والثمانينيات، لا نشعر بانفراج حقيقي، بل بإيحاء أن الجرح لم يُشفَ، وأن العودة إلى الموسيقى لم تكن خلاصاً كاملاً، بل استمراراً للحياة رغم الألم.
الموسيقى نفسها تُقدَّم بحذر ذكي: شذرات قصيرة، لا حفلات طويلة ولا استعراضات مهارية.
كأن الفيلم يقول، إن العبقرية لا تحتاج إلى إثبات، وإن الأهم هو ما يحدث حين تتوقّف الموسيقى.
ومع ذلك، تبقى نغمات إيفانز الناعمة والحزينة أكثر ما يعلق في الذاكرة، وأكثر ما يدفع المشاهد للبحث عنها بعد انتهاء الفيلم.
أداء لي المرهف في الفيلم يذكرنا بدوره في فيلم «أوسلو 31 أغسطس» ليواكيم تريير.
هو في الفيلمين فنان مرهف يسكنه الألم والحزن ويدفعه الألم النفسي لتدمير الذات.
ما يميّز «الجميع يعشق بيل إيفانز» أنه لا يسقط في فخ أفلام السيرة المعتادة ذات الصعود والانهيار والانتصار.
لا لحظة خلاص كبرى، ولا بطولة سهلة، بل حياة تُستكمَل رغم الانكسار، وموسيقى تولد من قلب الألم لا من تجاوزه.
الفيلم أشبه بمقطوعة جاز طويلة، مليئة بالتردّدات، بالصمت بين النغمات، وبالأسئلة التي لا تجد جوابا.
حزين نعم، لكنه حزن شفيف، ناعم، يشبه موسيقى إيفانز نفسها: لا تصرخ، بل تهمس، وتبقى.
إنه ليس مجرد تحية لموسيقي عظيم، بل تأمل سينمائي بالغ الرهافة في العلاقة المعقّدة بين الإبداع والألم، وبين العبقرية والوحدة، وبين ما نعطيه للفن وما يأخذه منا في المقابل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك