يفرض شهر رمضان المبارك إيقاعه الخاص على مفاصل الاقتصاد في العالم العربي، متجاوزاً كونه مناسبة دينية وروحية ليتحول إلى" موسم ذهبي" ومحرك أساسي لعجلة الأسواق والإنفاق الاستهلاكي.
فمع حلول الشهر الفضيل، تتبدّل أولويات الأسر وتنتعش قطاعات استراتيجية، بينما تبرز تحديات اقتصادية جديدة تفرضها التحولات العالمية في سلاسل الإمداد ومعدلات التضخم.
تؤكد البيانات الصادرة عن أسواق عربية عدة أن إنفاق الأسر على الأغذية والمشروبات يقفز بنسب تتراوح بين 25% و50% خلال هذا الشهر مقارنة بالأشهر العادية.
هذا الضغط الاستثنائي لا يقتصر على السلع التقليدية كالتمور واللحوم، بل يمتد ليشمل قطاعات التكنولوجيا، والترفيه، والملابس، وتطبيقات التوصيل، وصولاً إلى السياحة الداخلية التي تنتعش بفعل عروض المطاعم والفنادق.
وفي هذا السياق، يرى الخبراء أن رمضان يمثل" دورة استهلاكية سنوية كبرى" تدفع الشركات المحلية والعالمية إلى تعديل استراتيجياتها التسويقية واللوجستية لتواكب القوة الشرائية الموجهة نحو سلع بعينها.
خاص24| خبيرة تغذية تفجر مفاجأة عن عادة التمر والحليب عند الإفطار - موقع 24في شهر رمضان الكريم تتجدد التحذيرات الغذائية التي تثير قلق الصائمين حول بعض الأطعمة التقليدية، ومن أبرزها التمر مع الحليب أو اللبن الذي اعتاد المسلمون على تناوله عند الإفطار اقتداءً بالسنة النبوية، لكن تصريحات بعض المتخصصين حول خطورة هذا المزيج أثارت جدلاً واسعاً بين الحقيقة العلمية والمعتقدات.
على الرغم من هذا الرواج المعتاد، طرأت تغيرات جوهرية على" سلة الاستهلاك" الرمضانية في السنوات الأخيرة، حيث أشار الخبير الاقتصادي الدكتور سمير رؤوف في حديثه لـ24 إلى أن" نمط الاستهلاك العربي، وتحديداً في مصر، انتقل من ثقافة الوفرة والعزومات الممتدة إلى ثقافة الترشيد"، موضحاً أن تقلبات أسعار الصرف والاضطرابات العالمية في سلاسل الإمداد أجبرت المستهلكين على انتهاج سياسة" الشراء على قدر الحاجة".
وتعمق الدكتور رؤوف في تفاصيل المشهد قائلاً: " إن الأزمة لم تعد محلية فحسب، بل هي أزمة مركبة ترتبط بتعطل الإمدادات من دول مثل السودان (في قطاع اللحوم) وإثيوبيا، وحتى التوترات الجيوسياسية التي أثرت على استيراد الحبوب والخضروات".
وأضاف أن المستهلك بات اليوم يراقب قيمة النقود بدقة؛ فالمائدة التي كانت تزدحم بأصناف عديدة لثلاثين يوماً، باتت اليوم تكتفي بعزومة أو اثنتين طوال الشهر لجمع العائلة، مع التركيز على الوجبات الاقتصادية التي تشبع الأفراد دون تكلف.
بشرى للصائمين.
لماذا يعتبر رمضان 2026 الأقل إرهاقاً منذ عقود؟ - موقع 24يستعد أكثر من مليار ونصف المليار مسلم حول العالم لاستقبال شهر رمضان المبارك لعام 2026، والذي يحمل هذا العام بشرى" الصيام المعتدل" لغالبية الدول العربية والإسلامية، حيث يتزامن الشهر الفضيل مع نهاية فصل الشتاء وبداية الربيع، مما يقلص ساعات الصيام مقارنة بالأعوام الماضية.
وفيما يخص التقسيم الزمني للاستهلاك، أوضح رؤوف أن الأسبوع الأول من رمضان يظل الأعلى استهلاكاً للحوم والدواجن (خاصة البط والديك الرومي في الثقافة المصرية)، لتبدأ بعدها مرحلة الهدوء النسبي في منتصف رمضان، حتى تعود لنشاطها مجدداً بالتزامن مع عيد الفطر.
أما السحور، فيعتبره الخبير الاقتصادي" قطاعاً متميزاً للألبان والبقوليات"، حيث ينتعش الطلب على الزبادي والفول والبيض بشكل يومي ومستقر.
في نفس السياق، كشف سمير رؤوف عن جانب تقني مهم، حيث قال: " المنتجون والمزارعون أنفسهم اضطروا لتغيير أنماطهم؛ فمنتج السلعة أصبح يستخدم تكنولوجيا جديدة لتقليل الهدر في الموارد وتحمل التكاليف الثابتة المرتفعة من أراضٍ وعمالة، مما يعني أن المنظومة بالكامل من المنتج إلى المستهلك تعيد تشكيل نفسها تكنولوجياً واقتصادياً للبقاء داخل دائرة المنافسة".
" رمضان آمن".
حملة لتعزيز السلامة في المنازل وخيام الإفطار بأبوظبي - موقع 24أطلقت هيئة أبوظبي للدفاع المدني حملة" رمضان آمن" تزامناً مع حلول شهر رمضان المبارك، ضمن نهجها الاستباقي لتعزيز الوعي المجتمعي بمفاهيم السلامة والوقاية، وترسيخ السلوكيات الآمنة بما يضمن حماية الأرواح والممتلكات خلال الشهر الفضيل.
لسنوات طويلة، ارتبط رمضان بظاهرة سلبية تتمثل في" الهدر الغذائي"، إلا أن الأزمة الاقتصادية العالمية الحالية خلقت نوعاً من الانضباط الذاتي لدى الأسر، حيث أكد الخبير الاقتصادي، أن الهدر بدأ يتقلص بشكل ملحوظ؛ فالمبدأ السائد الآن هو أن" ما لا يُؤكل اليوم يُوضع على الطاولة غداً".
وبينما يظل قطاع الأغذية هو الرابح الأكبر، تعاني قطاعات أخرى مثل الملابس من ركود ملحوظ، حيث أكد رؤوف أن" التضخم جعل المواطن يضع الأولويات للصمود الغذائي؛ فإذا اشترى ملابس، فإنه يكتفي بقطعة واحدة لإرضاء الأطفال، بينما يتنازل الكبار عن احتياجاتهم لصالح توفير متطلبات المائدة الرمضانية".
وفي ختام حديثه، شدّد الخبير الاقتصادي على أن شهر رمضان يظل المحرك الأقوى للمشهد الاقتصادي العربي موسمياً، لكنه في 2026 يقدم درساً في" اقتصاديات الصمود"؛ حيث تتقاطع فيه قيم الكرم والتقاليد مع واقع التضخم وارتفاع الأسعار، لترسم خريطة استهلاك أكثر واقعية وحرصاً على الموارد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك