عمد الأمريكيون بعد احتلالهم للعراق إلى محاولة تطبيق ما يعرف في العلوم السياسية بالديمقراطية التوافقية، بوصفها النظام الأفضل لإدارة الحكم في الدول التعددية التي تشهد انقسامات سياسية وثقافية واجتماعية عميقة.
وترتكز هذه الديمقراطية البديلة في محاولتها إدارة التنوع، على ما يسميه عالم السياسة الأمريكي آريند ليبهارت في كتابه “الديمقراطية التوافقية في مجتمع متعدد” بالحكم بالإجماع من خلال إجراءات مقننة تضمن تقاسم السلطة كما هو الحال في نماذج ديمقراطية ناجحة قدمتها كل من هولندا وبلجيكا وسويسرا والنمسا.
وكان مجلس الحكم الذي أعلن عنه في تموز 2003، الخطوة الأولى في هذا السياق؛ فقد حرص الأمريكيون، وبالضد من اعتراضات الفاعلين السياسيين الشيعة، على اعتماد مبدأ التمثيل النسبي وفقا للحجوم الديمغرافية المفترضة، من خلال معطيات أمريكية حول مكونات الشعب العراقي، وهو مبدأ أساسي في الديمقراطية التوافقية.
وقد ظهر ذلك جليا في قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية الذي وضعه الأمريكيون كدستور مؤقت عام 2004، وقد ركز هذا القانون على مسألة كون العراق بلدا تعدديا لا يمكن أن يحكم إلاّ من خلال «الشراكة في السلطة» بين مكوناته الثلاثة الرئيسية، فضلا عن تمثيل للأقليات الأخرى، لهذا كان القانون حريصا على مبدأ الفيتو المتبادل؛ عبر منح مجلس الرئاسة، المكون من رئيس الجمهورية ونائبيه، وهم يمثلون الجماعات الرئيسية في العراق، حق الفيتو (المادة 36) وعبر منح إمكانية رفض الدستور من خلال رفض ثلثي ثلاث محافظات أو أكثر له (المادة 162/ ج).
كما عمد القانون إلى تبني مبدأ الاستقلالية لكل مكوّن في إدارة شؤونه الخاصة من خلال منع تركيز السلطة في الحكومة الاتحادية، ومنح سلطات واسعة للحكومات المحلية، إضافة إلى الممارسة السياسية التي أنتجها الأمريكيون التي ضمنت، إلى حد ما، مسألة أن يكون الحكم من خلال ائتلاف واسع، والتمثيل النسبي في التعيينات!
لكن دستور عام 2005، قوّض بشكل منهجي، هذه المبادئ، وتبنى نظاما سياسيا يقوم على أساس أنموذج “أكثروي” – نسبة إلى الأكثرية – وبسبب طبيعة القوى السياسية الرئيسية في العراق التي كرست التماهي بين الأكثرية السياسية والأكثرية الديمغرافية، وطبيعة الاستقطاب الطائفي القومي والمذهبي القائم، أصبح للأكثرية “المفترضة” من خلال تمثيلها النسبي في البرلمان، القدرة عمليا على احتكار السلطة.
فقد أغفل الدستور، عمدا، الإشارة إلى قضية التمثيل النسبي في التعيينات في المناصب العليا في الدولة، وفي الإدارة المدنية العامة.
وبسبب عدم وجود إحصائية دقيقة للحجوم الديمغرافية لمكونات الشعب العراقي، ورفض الفاعل السياسي الشيعي تضمين استمارات الإحصاء السكاني الذي جرى عام 2024 خانة للقومية أو المذهب، واقتصر على تضمينها خانة خاصة بالديانة فقط، ظلت الادعاءات المتعلقة بالحجوم الديمغرافية خاضعة للسرديات وعلاقات القوة وحدها، وهو ما يمنع عمليا من الوصول إلى تمثيلٍ نسبي حقيقي، حتى في القوات المسلحة الذي تحدث عنه الدستور، الأمر الذي انعكس على السجالات المتعلقة بالتوازن في المؤسسة العسكرية والأمنية.
إن مراجعة طبيعة التغييرات التي جرت على المناصب العليا في الدولة، تكشف بشكل واضح عن محاولة منهجية من الفاعلين السياسيين الشيعة لاحتكار هذه المناصب، وعدم الالتزام حتى بالنسب التي تسوقها سردياتهم، عبر آليات عديدة؛ بينها إعادة توزيع الحقائب الوزارية، أو تفريغها من محتواها، أو الاستحواذ على الهيئات المستقلة وما يقوم مقامها، أو السيطرة عى المناصب العسكرية والأمنية جميعها، أو احتكار القضاء احتكارا مطلقا!
إن مقارنة سريعة بين عدد الوزارات التي منحت للسنة والكرد في حكومة عام 2006 وحكومة 2022 تكشف عن حصول السنة على 8 وزارات، والكرد 7 وزارات، من مجموع 30 وزارة، أي ما نسبته 50% في العام 2006، في مقابل حصول السُنة على 6 وزارات، والكرد على 4 وزارات، أي ما نسبته 42% عام 2022!
وفي إطار صفقات الشخصية عقدها بين عامي 2018 و2020 مع الفاعلين السياسيين الشيعة، تخلى رئيس مجلس النواب الأسبق عن وزارتي الدفاع والرياضة والشباب من الحصة السنية!
اتهام كل من يرفض هذا الاحتكار بتهمة جاهزة هي تهمة الطائفية! وتسويق سردية غريبة مفادها أن الاحتكار بذاته ليس سلوكا طائفيا، وإنما تعريته هي سلوك طائفي.
وقد كانت الوزارات السيادية الخمس، وهي وزارات الخارجية والنفط والمالية والدفاع والداخلية توزع بالشكل الآتي: اثنان لكل من الشيعة والسنة، وواحدة للكرد، لكن الفاعل السياسي الشيعي عمد إلى إضافة وزارة التخطيط في مرحلة لاحقة إلى الوزارات السيادية، ليستحوذ على ثلاث وزارات سيادية أصيلة، ويمنح السنة وزراة سيادية أصيلة واحدة مع وزراة التخطيط، ويبقي على وزارة واحدة للكرد! ثم عمد إلى تفريغ منصب وزير الدفاع من محتواه، وحوَّله إلى وظيفة معنية بالعقود فقط، واحتكر جميع الصلاحيات العسكرية والإدارية من خلال مكتب القائد العام للقوات المسلحة.
أما فيما يتعلق بالهيئات المستقلة، أو ما يقوم مقامها، فثمة احتكار شيعي كامل لهذه المناصب، أولا عبر السيطرة على مناصب لم تكن مخصصة له، أو احتكار الهيئات المستحدثة، فمن مجموع 21 منصبا، خصص 18 منصبا منها للفاعلين الشيعة وهي البنك المركزي العراقي، وهيئة النزاهة، وهيئة المساءلة والعدالة، وهيئة الحج والعمرة، ومفوضية حقوق الإنسان، وهيئة الاستثمار العامة، وهيئة المنافذ الحدودية، وهيئة الأوراق المالية، وهيئة الإعلام والاتصالات، ومجلس أمناء شبكة الإعلام العراقي، وشبكة الإعلام العراقي، ومجلس الخدمة الاتحادي، وهيئة السجناء السياسيين، ومؤسسة الشهداء، وهيئة التصنيع الحربي، وأمانة بغداد، ودائرة المنظمات غير الحكومية، وبيت الحكمة!
فيما لم يعط لكلٍّ من السنة والكرد والتركمان سوى منصب وحيد: ديوان الرقابة المالية للسنة، والمفوضية العليا المستقلة للانتخابات للكرد، والهيئة العامة لمراقبة تخصيص الواردات الاتحادية للتركمان!
أما المناصب العسكرية والأمنية العليا فقد احتكرها بالمطلق الفاعل السياسي الشيعي لها؛ وهي رئاسة أركان الجيش (كان مخصصا للكرد)، ورئاسة جهاز المخابرات (كان مخصصا للسنة)، وقيادة جهاز مكافحة الإرهاب، ورئاسة جهاز الأمن الوطني، ورئاسة مستشارية الأمن الوطني، ورئاسة هيئة الحشد الشعبي، وقيادة الشرطة الاتحادية، فضلا عن احتكار الغالبية العظمى من المناصب العسكرية والأمنية دون ذلك!
أما المناصب القضائية، فهناك ثلاثة مناصب رئيسية هي: رئاسة المحكمة الاتحادية، ورئاسة مجلس القضاء الأعلى، ورئاسة مجلس الدولة، وهذه المناصب تحتكرها شخصيات شيعية، فضلا عن احتكار الغالبية العظمى من المناصب القضائية دون ذلك!
ومن الآليات التي يعتمدها الفاعلون السياسيون الشيعة لتكريس هذا الاحتكار للسلطة والدولة معا، اتهام كل من يرفض هذا الاحتكار بتهمة جاهزة هي تهمة الطائفية! وتسويق سردية غريبة مفادها أن الاحتكار بذاته ليس سلوكا طائفيا، وإنما تعريته هي سلوك طائفي!
التمثيل النسبي الحقيقي، وليس الشكلي، في إدارة السلطة والدولة في دولة كل شيء فيها يقوم على التصنيف الهوياتي، من رئاسة الجمهورية إلى منصب حارس المدرسة الطينية، ليست مكرمة، أو إيثارا يمنحها من احتكر السلطة بالسلاح، بل هي حقوق سياسية غير قابلة للتصرف، وبعكسه لا يمكن سوى الحديث عن دولة طائفية فاشلة!

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك