أثار ظهور رئيس جنوب السودان سلفا كير ميارديت، وهو يسير ببطء وصعوبة، متكئاً على عصا خلال مشاركته في القمة الأفريقية التي عقدت أخيراً في أديس أبابا، تساؤلات ومخاوف من تأثير أي تدهور صحي لهذا الجنرال الذي يحكم البلاد منذ الاستقلال عام 2011 بقبضة سياسية قوية على توازنات السلطة وتحالفاتها القائمة.
فإلى أي مدى ينظر المراقبون إلى هذا الوضع الذي يأتي في وقت حساس بالنسبة إلى هذا البلد الذي يعاني تحديات سياسية وأمنية كبيرة، فضلاً عن تزايد الانقسامات العرقية، مما يجعل أي غياب في مؤسسة الرئاسة سبباً لتفجر صراع عنيف؟في السياق، قال الكاتب والمتخصص في الشؤون الأفريقية محمد تورشين إن" جنوب السودان دولة محورية ووليدة في القارة الأفريقية، وحظيت باهتمام عالمي كبير إبان الحرب الأهلية الأولى (1955- 1972) والثانية (1983 - 2005)، وفي ظل ما تشهده من تعقيدات وأزمات مستمرة فإن إمكان وقوع حرب ثالثة أمر وارد"، وتابع" الوضع في هذا البلد، بخاصة بعد الأنباء المتكررة والمتواترة عن تدهور الحالة الصحية لرئيسها، سيفتح الباب لكل الاحتمالات السيئة باعتبار أن هناك صراعات سواء كانت داخل أروقة الحركة الشعبية (الحزب الحاكم)، أم صراعات عرقية بين مجموعات الدينكا والنوير والشلك وغيرها"، وبين تورشين أن" مسألة فراغ كرسي الرئاسة لأي سبب كان، صحياً أم غيره، من دون أن يكون هناك شخص يتولى إدارة البلاد بصورة متفق عليها من كل الأطراف، سيضع جنوب السودان أمام تحد حقيقي وإمكان اندلاع مواجهات مسلحة حقيقية، لا سيما أن نائب الرئيس وأشد منافسيه رياك مشار يحاكم أمام القضاء في قضايا تتعلق بالتمرد وما إلى ذلك، وبالتالي فإن مسألة تولي السلطة فيها عدد من الإشكالات باعتبار أن هناك صراع جنرالات، إذ كل طرف يترقب أو يرغب في أن يتولى إدارة شؤون البلاد"، وتابع" في تقديري الاتجاه الوحيد لحل هذه المشكلة يكمن في إجراء الانتخابات في موعدها المحدد بعد أن جرى تأجيلها لأكثر من عامين، على أن تكون حرة ونزيهة بمشاركة كل الأطراف من دون التلاعب في نتائجها ومن دون التأثير في مجرياتها، بدءاً من مسألة الدعاية الانتخابية مروراً بكل خطوات هذه العملية، لأنها مسألة في غاية من الأهمية من أجل الخروج بعملية انتخابية ووفاق وإجماع تام من القوى السياسية مجتمعة"، حذر من تفجر الأوضاع في أية لحظة بحال لم تجر الانتخابات في موعدها.
ومضى المتخصص في الشؤون الأفريقية قائلاً أيضاً" التحالفات القائمة الآن بموجب اتفاق عام 2018 أو اتفاق الخرطوم وغيره هشة وقامت على ظرفية معينة لناحية أن البلد كان يعاني حرباً أهلية يرغب في الخروج منها والتعافي، وهي تحالفات شبه منهارة بالنظر لما يجري من محاكمات لقيادات عليا داخل حزبه وخارجه بينها نائب الرئيس نفسه، لذلك الوضع في جنوب السودان معقد وقابل للانفجار في أية لحظة".
من ناحيته، قال الباحث في الشؤون الاستراتيجية والسياسية عروة الصادق" بالفعل إن تدهور وضع سلفا كير الصحي أثار تساؤلات داخلية وإقليمية حول مستقبل ترتيبات السلطة في دولة ما تزال مؤسساتها في طور التماسك، إذ يرتبط الاستقرار السياسي في النظم الانتقالية بشخص الرئيس ودوره في إدارة التوازنات بين المكونات العسكرية والسياسية والقبلية، وأية إشارة إلى تراجع القدرة الصحية للقائد الأعلى قد تدفع الفاعلين إلى إعادة حساباتهم، واستشعار احتمالات انتقال السلطة، واستباق ذلك بتموضع سياسي مبكر"، وأضاف" هذا الوضع يفتح المجال أمام تنافس مكتوم بين شخصيات بارزة داخل الحركة الشعبية ومراكز النفوذ المرتبطة بها، بخاصة في ظل تاريخ من الانقسامات التي أخذت طابعاً سياسياً وعرقياً في آن واحد.
ومع غياب آلية مؤسسية واضحة ومجربة لانتقال القيادة داخل الحزب الحاكم والدولة، تزداد المخاوف من انتقال الصراع من دائرة الترتيب الداخلي إلى المجال العام، بما يحمله ذلك من احتمالات استقطاب قبلي أو اصطفاف عسكري"، ولفت إلى أن" التحدي الأكبر يتمثل في أن جنوب السودان ما يزال يعتمد على شبكة توازنات دقيقة بين قادة عسكريين سابقين تحولوا إلى فاعلين سياسيين، وأي فراغ في رأس السلطة قد يربك هذه المعادلة، بخاصة مع هشاشة البنية الأمنية وضعف دمج القوات وفق اتفاق السلام، مما يجعل احتمال الانزلاق إلى توتر أمني قائماً إذا غاب التوافق بين النخب المؤثرة"، وزاد الصادق" نجد أن هناك وعياً متزايداً داخل الإقليم والمجتمع الدولي بخطورة أي انهيار في جوبا على الاستقرار الإقليمي، لذلك قد تمارس ضغوط سياسية ودبلوماسية لضمان انتقال منظم ومتفق عليه داخل مؤسسات الحكم، وتحصين المشهد من الانفلات، خصوصاً مع اقتراب الانتخابات المقررة في ديسمبر (كانون الأول)، التي تمثل محطة مفصلية في مسار الشرعية الدستورية، وعليه يمكن القول إن التأثير المحتمل لأي تدهور صحي للرئيس سلفاكير يرتبط بمدى قدرة النخبة الحاكمة على إدارة ملف الخلافة داخل الأطر المؤسسية، وتعزيز الثقة بين المكونات، وتقديم تطمينات واضحة للقوى المسلحة والمجتمعات المحلية، فاستقرار جنوب السودان يتطلب تحصين الدولة من شخصنة السلطة، وترسيخ قواعد انتقال سلس يضمن استمرار العملية السياسية ويحمي البلاد من دوامة صراع جديد"، وواصل" في نظري التحالفات السياسية القائمة حالياً لتسيير الحكم تعكس صيغة شراكة اضطرارية أكثر من كونها تحالفاً مستقراً قائماً على برنامج سياسي موحد، إذ جاء الاتفاق نتيجة توازن قوى ميدانية وضغوط إقليمية ودولية، وأنتج حكومة وحدة وطنية تضم أطرافاً كانت في حال صراع مسلح، مما جعل العلاقة بينها محكومة بالحذر وتبادل الشكوك، فالتحالف بين سلفاكير ونائبه مشار شكل العمود الفقري للترتيبات الانتقالية، غير أن هذا الترتيب ظل رهيناً بمدى الالتزام بتنفيذ البنود الأمنية، بخاصة إعادة هيكلة القوات ودمجها في جيش وطني موحد، وهو ملف تأخر تنفيذه وأثر بصورة مباشرة في مستوى الثقة بين الشركاء، إذ تبقى السيطرة على السلاح عنصراً حاسماً في معادلة السلطة داخل الدولة".
وأكد الباحث في الشؤون الاستراتيجية والسياسية أن" الانتخابات المقررة في ديسمبر تمثل اختباراً جوهرياً لهذه التحالفات، فهي من جهة فرصة للانتقال من شرعية الاتفاق إلى شرعية الصندوق، ومن جهة أخرى مصدر قلق إذا جرت في بيئة أمنية غير مكتملة الترتيب أو في ظل استقطاب سياسي حاد، لذلك فإن نجاح الشراكة الحالية يقاس بقدرتها على تهيئة المناخ القانوني والأمني واللوجستي لعملية انتخابية ذات صدقية، لذلك استقرار جنوب السودان يتطلب تطوير التحالفات القائمة من مجرد تقاسم سلطة إلى شراكة مؤسسية تستند إلى إصلاحات حقيقية في قطاع الأمن، وتعزيز الحكم المحلي، وإدارة عادلة للموارد النفطية، مع توسيع قاعدة المشاركة السياسية، فكلما تحولت معادلة الحكم من توازن أشخاص إلى توازن مؤسسات، اقتربت البلاد من مرحلة أكثر رسوخاً واستقراراً".
وبين الصادق أن" هذه الدولة ما تزال في طور التأسيس المؤسسي، وتواجه ضغوطاً اقتصادية مرتبطة بالاعتماد الكبير على النفط، إضافة إلى تعقيدات البنية الاجتماعية ذات الحساسية العرقية، غير أن وجود اتفاق سلام قائم، يمنح المسار فرصة للاستمرار إذا أحسن التعامل مع المرحلة المقبلة، وفي تقديري مستقبلها يتوقف على قدرة قياداتها على الانتقال من منطق تقاسم النفوذ إلى منطق بناء الدولة، عبر تعزيز سيادة القانون، وترسيخ مفهوم المواطنة الجامعة فوق الانتماءات الضيقة، وتوجيه الموارد نحو التنمية والخدمات، مع استمرار الدعم الإقليمي والدولي في إطار يحترم السيادة الوطنية ويشجع الاستقرار"، ولفت إلى أنه" مهما كلف الأمر فإن الاستقرار ممكن، شرط إدارة ملف الخلافة داخل الأطر المؤسسية، وتسريع تنفيذ اتفاق السلام، وتهيئة المناخ لانتخابات ذات صدقية".
وختم الباحث في الشؤون الاستراتيجية والسياسية حديثه قائلاً" المشهد لا يختزل في الحالة الصحية للرئيس أو التنافس على الخلافة فقط، إنما يتعلق بمدى انتقال الدولة من مرحلة التوازنات الشخصية إلى مرحلة ترسيخ المؤسسات، وتعزيز الثقة بين المكونات، وإدارة الانتخابات بصورة توافقية، فكل خطوة في هذا الاتجاه تدعم الاستقرار السياسي، وكل تعثر يعيد فتح احتمالات التوتر، والحرص الإقليمي والدولي، إلى جانب الإرادة الوطنية، يظل عاملاً حاسماً في ترجيح كفة الاستقرار".
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field).
من جهته، أشار المحلل السياسي عبدالجليل سليمان إلى أن" ظهور سلفا كير في وضع صحي متدهور أعاد للواجهة المخاوف المتعلقة باستقرار الحكم في هذا البلد الوليد، بالتالي فإن أي تدهور إضافي في صحته أو غيابه المتكرر عن المشهد الرسمي قد يخل بتوازنات السلطة الهشة، ويفتح المجال أمام صراعات مباشرة وخفية بين القيادات البارزة حول خلافته"، ورأى سليمان أن" الانقسامات العرقية والولاءات المحلية تزيد من هشاشة المشهد، وتضاعف احتمال اندلاع العنف المسلح في بعض المناطق في هذا البلد، في ظل تحذيرات الأمم المتحدة من انهيار أمني محتمل"، وتابع" من منظور التحالفات السياسية القائمة بموجب اتفاق السلام لعام 2018، فإن هذه الترتيبات لا تزال تعتمد على توازن دقيق بين الأطراف المختلفة، وأي فراغ قيادي قد يقوض قدرة التحالفات على إدارة الدولة، ويؤثر مباشرة في الانتخابات المقررة في ديسمبر المقبل"، ونوه المحلل السياسي إلى أن" مستقبل جنوب السودان مرتبط بمدى قدرة النخب على إدارة هذه التوترات الداخلية، وحماية مؤسسات الدولة من الانهيار، والحفاظ على حد أدنى من الاستقرار، وإلا فإن البلاد معرضة لتصعيد أوسع للنزاع، وعجز عن تسيير الانتخابات، وتفاقم الانقسامات السياسية والأمنية في آن واحد".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك