بقلم: فضيلة أ.
د.
محمد الضويني، وكيل الأزهر الشريف.
يُطل علينا شهر رمضان المبارك في كل عام محمَّلًا بنفحاتٍ إيمانية، ومنحٍ ربانيَّة، وفرصةٍ صادقة لمراجعة النَّفس، وتجديد الصلة بالله تعالى، في زمن تتسارع فيه الصوارف، وتتزايد فيه المشاغل، ويغيب فيه كثير من الناس عن مقاصد العبادة وجواهرها، وليس رمضان زمنًا عابرًا في حياة المسلم، ولا موسمًا تعبديًّا محدود الأثر، وإنما هو محطة إصلاح شاملة، تأتي للعبد كل عام، ليستنهض فيها همته وينقي نفسه من كل ما شابها خلال العام، تُبعث فيها القلوب بعد غفلتها، وتُعاد فيها صياغة العلاقة بين العبد وربه، وبين الإنسان ومحيطه ومجتمعه.
ولا يتحقق الاستقبال الحقيقي لشهر رمضان المبارك بالمظاهر وحدها، كما يفعل الناس عادة، وإنما يقوم على وعي عميق بقيمة هذا الشهر ومكانته، واستعداد قلبي وروحي يسبق دخوله، ويستمر أثره بعد انقضائه، وقد كان سلف الأمة الصالح يدركون عِظم هذه الأيام، فكانوا يهيئون أنفسهم لها دومًا، حتى رُوي أنهم كانوا يدعون الله ستة أشهر أن يبلغهم رمضان، ثم يدعونه ستة أشهر بعده أن يتقبله منهم، وكان يحيى بن أبي كثير يقول: «اللهم سلمنا إلى رمضان، وسلم لنا رمضان، وتسلمه منا متقبلًا»، إدراكًا منهم بأن القبول هو الغاية الكبرى، وأن العمل لا يثمر إلا إذا اقترن بالإخلاص وحسن الاستعداد.
ومن أعظم معالم هذا الاستعداد الإكثار من قراءة القرآن الكريم، وملازمته تلاوة وتدبرًا وعملًا، فشهر رمضان هو الشهر الذي {أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ}.
وليس المقصود مجرد كثرة القراءة كهدف في حد ذاته؛ بل أن يعود القرآن رفيق القلب، وموجه السلوك، وبوصلة القيم، ومصدر الوعي والبناء، حين يقرؤه الإنسان ويتدبر معانيه أحسن تدبر.
وقد بين القرآن الكريم الغاية الكبرى من فريضة الصيام في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، فالتقوى هي جوهر هذا الشهر وهذه الفريضة العظيمة التي امتن الله بها على الأمة، وهي الثمرة التي ينبغي أن يخرج بها المسلم من رمضان، إذ لا قيمة لصيام لا ينهى عن فحشاء ولا منكر، ولا أثر لعبادة لا تنعكس على الأخلاق والسلوك.
ومن هنا كان الصيام الحقيقي هو الذي يُزكِّي النفس، ويهذب اللسان، ويضبط الجوارح، ويغرس في القلب معاني الرحمة والعدل والإنصاف.
وقد كان رسول الله ﷺ يبشر أصحابه بقدوم هذا الشهر الكريم، كما جاء في الحديث الشريف: «قدْ جاءَكمْ شهرُ رمضانَ، شهرٌ مباركٌ افترضَ اللهُ عليكُمْ صيامَهُ، يفتحُ فيهِ أبوابُ الجنةِ، ويغلقُ فيهِ أبوابُ الجحيمِ، وتغلُّ فيهِ الشياطينُ، فيهِ ليلةٌ خيرٌ مِنْ ألفِ شهرٍ، مَنْ حُرِمَ خيرَها فقدْ حرِمَ».
وهي بشرى تحمل في طياتها دعوة صريحة إلى اغتنام الفرصة، واستشعار قيمة الزمان، وعدم التفريط في أيام معدودات، هي من أنفس ما يملكه الإنسان في عمره.
وشهر رمضان ليس شهر العبادة الفردية فحسب، بل هو موسم للإحسان، وباب واسع للتكافل الاجتماعي، حيث تتجلى فيه أسمى صور التراحم، ويُستشعر فيه واجب البحث عن الفقراء والمساكين، وكفالة الأيتام، ورعاية الأرامل، وصلة الأرحام، والإنفاق على الجيران والمحتاجين؛ فالإسلام لا يفصل بين العبادة والسلوك، ولا بين القرب من الله وخدمة عباد الله، بل يجعل من العبادة دافعًا لبناء الإنسان وحفظ كرامته.
كما أن رمضان فرصة لترسيخ القيم التي تقوم عليها قوة المجتمعات واستقرار الأوطان، من انضباط واحترام وتوادد وتراحم، وفي هذا السياق، تبرز أهمية التحذير من الانشغال بالشواغل والصوارف التي تسرق الأوقات، وتصرف القلوب عن طاعة الله، سواء تمثلت في الإفراط في متابعة الشاشات، أو الانغماس غير الواعي في وسائل التواصل الاجتماعي، أو إهدار الليالي في ما لا نفع فيه؛ فرمضان أيام معدودات، يربح فيها من أحسن استثمارها، ويخسر من فرط فيها وأهمل نفحاتها.
إننا أحوج ما نكون إلى أن نستقبل هذا الشهر الكريم بقلوب حاضرة، وعقول واعية، وأن نجعله نقطة انطلاق نحو إصلاح دائم، لا موسمًا عابرًا ينقضي أثره بانقضائه، نسأل الله تعالى أن يبلغنا شهر رمضان، وأن يعيننا على صيامه وقيامه، وأن يجعلنا فيه من المقبولين، وأن يعيده على أمتنا بالخير والوحدة والاستقرار.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك