يدرك كل ذي عقل بأنه من الغباء الاعتقاد بأن ضم الضفة الغربية سيكون بواسطة إعلان.
إن تحركات الحكومة تجعل الضم واقعاً ملموساً الآن وبشكل علني.
وقد أكدت المحادثات التي أجريتها مع دبلوماسيين في الفترة الأخيرة أثناء مؤتمر ميونيخ للأمن ما كنت أعتقده: الجميع، باستثناء ربما المواطنين في إسرائيل، يعرفون حجم المأساة التي تنكشف أمامنا.
وعندما سئلت عن سبب عدم رفض المجتمع الدولي للتحركات التي يدينها بنفسه، حصلت على عدة إجابات، وكان الاستنتاج الواضح منها واحد: لقد تمت التضحية بالضفة الغربية على مذبح خطة ترامب في قطاع غزة والنظام العالمي المتغير.
إن أي محاولة لتفسير تحركات إسرائيل في الضفة الغربية في السنوات الثلاث الأخيرة ستبدو بالفعل كقائمة طويلة من التفاصيل البيروقراطية، لكن مهم معرفة جوهرها: نقل سريع للأراضي إلى إدارة الدولة ومنع الفلسطينيين من الوصول إليها، سحب الصلاحيات والأموال من السلطة الفلسطينية مع الإضرار بالسكان الذين يعتمدون على رواتبهم منها كمصدر دخل، هدم بيوت الفلسطينيين وتجميد هدم البؤر الاستيطانية، تسهيل شراء الأراضي من قبل المستوطنين بشكل كبير وإلغاء الانتقادات الموجهة لمعاملات التحايل.
يشمل ذلك أيضاً تغيير هيكلية السيطرة في الضفة الغربية ونقلها من السلطة العسكرية إلى السلطات المدنية، وتعيين مستوطنين وأشخاص من اليمين المتطرف في مناصب رئيسية، وتطهير عرقي في مناطق “ج” على يد المستوطنين الذين يأتون من بؤر استيطانية تمولها الدولة وتحصل على الحماية العسكرية، وتفكيك مخيمات اللاجئين، وإلغاء الانسحاب من شمال الضفة الغربية، وعقاب جماعي للمزارعين الفلسطينيين من قبل الجيش.
إضافة إلى ذلك، تلاشت أثناء الحرب أي حدود فاصلة متبقية بين الجيش والمستوطنين، وازداد غض نظر النيابة العسكرية عن تورط الجنود في الجرائم، والشرطة سمحت بازدياد العنف ضد الفلسطينيين بوتيرة غير مسبوقة.
بكلمات أخرى، تتم على أرض الواقع عملية الضم بكل معنى الكلمة تقريباً، باستثناء الإعلان الرسمي، ما يتيح لترامب ونتنياهو مجالاً للنفي، ويخدم مصالح المستوطنين وممثليهم في الحكومة.
تظهر المحادثات مع الدبلوماسيين بأن الكثيرين منهم يعرفون الوضع على حقيقته، لكن نظراً لأن هدفهم النهائي هو ضمان استمرار إسرائيل في التقدم عبر مراحل خطة ترامب في غزة، فإن رغبتهم في استخدام الضغط عليها بخصوص الضفة الغربية تتضاءل.
يشعر الأوروبيون بالفعل أن نفوذهم محدود مقارنة مع دول الخليج التي تتمتع بنفوذ أكبر على إدارة ترامب، التي تعتمد عليهم في تنفيذ خطتها في غزة، التي تسمى “خطة السلام”، حتى من قبل الذين يعرفون أنها ليست كذلك.
في حين أن الحرب في غزة دفعت مسؤولين أوروبيين إلى التهديد بتجميد اتفاق الشراكة مع إسرائيل (الذي يشكل إطار التجارة والتعاون بينها وبين الاتحاد الأوروبي)، فإن مصدراً دبلوماسياً قال لي بأنه يصعب تصور حدوث ذلك رداً على التطورات في الضفة الغربية.
ومن العوامل الأخرى التي يشير إليها الدبلوماسيين والتي تصعّب منع إسرائيل من فعل ما تشاء هو اقتراب موعد الانتخابات في إسرائيل، وهو ما يدفع سموتريتش إلى تسريع خطوات الضم تحسباً لاختفائه المحتمل من الساحة السياسية، وإهمال إدارة ترامب لما ينظر إليه بأنه “تفاصيل”.
الآن يعاني كل النظام الدولي من الصدمة ويحاول إعادة تقييم بقاء هيئات مثل حلف شمال الأطلسي (الناتو) والأمم المتحدة، ومستقبل غرينلاند وأوكرانيا، والتعامل مع التوترات بين دول الخليج بشأن السودان واليمن، ومستقبل النظام في إيران.
إن المصالح بعيدة المدى لدول العالم في مواجهة إدارة ترامب تقلل الرغبة في اتخاذ أي إجراءات تتجاوز التنديد، وبالتالي يتم تهميش قضية الضفة الغربية.
لقد وصف مسؤول سابق رفيع المستوى في المؤسسة الأمنية ما يحدث في الضفة الغربية بأنه “عاصفة كاملة”: الحرب في غزة، حكومة اليمين المتطرف في إسرائيل، ورئاسة ترامب.
وبحسبه، فإن سموتريتش الذي أعطاه نتنياهو سلطة إدارة الضفة الغربية، يحدث تغييرات بعيدة المدى تغيرها جذرياً، ومن بين هذه التغييرات: نقل الاستشارات القانونية من الجيش إلى وزارة العدل، ما أدى إلى تغيير جذري في صلاحيات الدولة في المناطق المحتلة، وقرار استئناف الاستيطان، ناهيك عن نقل صلاحية إصدار رخص البناء في الخليل، وهو ما سيزيد سيطرة المستوطنين على الفلسطينيين في المدينة التي تعتبر رمزاً للفصل العنصري.
أي خطوة تتخذها الحكومة والجيش في الضفة الغربية تهدد حل الدولتين أو اتفاق أوسلو وتخفي أكثر مما تظهر، الأمر الذي يتيح لنا التحدث عن الخوف من شيء لم يحدث حتى الآن، وإن حدوثه في المستقبل سيكون بمثابة نهاية القصة.
ولكن المجرمين لا يعلنون في العادة عن جريمتهم قبل تنفيذها، وإذا كان يمكن تنفيذها في ظل حرف الانتباه، فهذا أفضل.
لم يبق من النظام القديم إلا ما يخدم إسرائيل – اتفاق أوسلو، حل الدولتين وما يسمى بالطبيعة المؤقتة للحكم العسكري.
كل شيء باستثناء ذلك قابل للتفكيك والإزالة.
هناك ترقب عالمي بأن تمهد الانتخابات في إسرائيل الطريق لتغيير موقفها من الفلسطينيين.
وبالنظر إلى أن الإشارة الصريحة إلى الاحتلال تعتبر تضليلاً حتى في نظر من يعتبرون أنفسهم وسط – يسار، فإن تغيير الوضع في الضفة الغربية لن يكون أمراً سهلاً.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك