لم يكن خطاب وزير الخارجية الأمريكية ماركو روبيو أمام مؤتمر ميونيخ للأمن مجرد كلمات عابرة ألقاها عابر سبيل، بل تعبيرا فجا عن قناعات الرجل الجالس على" عرش الدبلوماسية" الأمريكية، بسيادة" الجنس الأبيض"، وتبرير التمييز العرقي والعنصري بحق السود والمهاجرين.
روبيو هو ابن مهاجرين كوبيين قدما إلى الولايات المتحدة في عام 1956، حيث عمل والده نادلا، بينما كانت أمه عاملة نظافة في فندق"، وألف كتابا بعنوان" 100 فكرة مبتكرة لمستقبل فلوريدا"، وقام بتدريس دروس العلوم السياسية في جامعة فلوريدا الدولية، وتكررانتخابه ثلاث مرات لعضوية مجلس الشيوخ الأمريكي عن الحزب الجمهوري، قبل أن يشغل منصب وزير الخارجية الـ72 للولايات المتحدة في ظل إدارة الريس الأمريكي دونالد ترامب.
إعلان الحرب الأمريكية ضد الحضارة الأوروبية.
يتبنى روبيو سردية ربما تبدو للبعض أنها تصالحية مع حلفاء واشنطن الأوروبييين، لكن سرديته لا تختلف كثيرا عن سياسات ترامب تجاه أوروبا، حيث عبر عن قلقه الحضاري مما أسماه بـ" تآكل القوة الأوروبية"؛ وهي نفس اللغة التي سبق أن حذرت منها جريدة" ذا جارديان" البريطانية"، مؤكدة أنها “إعلان للحرب الأمريكية ضد الحضارة الأوروبية" وضمن" صراع الحضارات".
في هذا الإطار، تتجسد قناعات روبيو إذت بـ" صراع الحضارات"، الذي أطلقه السياسي الأمريكي الراحل صمويل هنتنجتون والقائم على فكرة أن" الصراعات المستقبلية الكبرى لن تكون بين الدول القومية والمصالح المادية، بل بين مجموعات ثقافية ودينية مختلفة حول الهويات والقيم".
بنفس منهج ترامب، يهدد روبيو -وإن كان بطريقة أكثر عاطفية أو دبلوماسية- القارة العجوز بأنها إذا لم تتخذ موقفا مؤيدا للسياسات الراديكالية الأمريكية، فإن" واشنطن مستعدة للقيادة منفردة إذا لزم الأمر"، وأن على الأروربيين الاختيار بين الانضمام إلى" مشروع الترميم" الذي يقوده ترامب أو مواجهة" المحو الحضاري" بمفردهم، واضعا الأوروبيين أمام خيار صعب، حيث يطالبهم بالسير في ركب ترامب أو تج مواجهة عواقب العزلة!
يسعى روبيو لإحياء الإسلاموفوبيا.
اعتاد روبيو العزف على وتر حماية الحضارة الغربية البيضاء على حساب المهاجرين والآخرين، وإحياء سياسات العنصرية والإسلاموفوبيا التي سادت واشنطن –والغرب- بعد هجمات 11 سبتمبر 2001.
وقتها، أقنع الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش القادة الأوروبيين بدعم" الحرب على الإرهاب"، والتي قادها ضمن مشروع أمريكي كارثي هدد ملايين البشر، وتسبب في نزوح جماعي لشعوب من مختلف أنحاء الشرق الأوسط، وكرس للعنصرية والكراهية ضد المسلمين واللاجئين والأقليات العرقية في الولايات المتحدة وأوروبا.
تقول الخبيرة في الشئون الاستراتيجية ومديرة مشروع الآفاق الجديدة شدى إسلام: أخشى أن يكون خطاب روبيو في مؤتمر ميونيخ للأمن، والذي دعا فيه إلى الدفاع عن الحضارة الغربية المسيحية البيضاء ضد ما وصفه بالمهاجرين العرقيين" الملوثين"، والتصفيق الحار الذي تلقاه من النخبة الأوروبية، يشير إلى أننا نعاود السير على نفس المسار الكارثي؛ ربما بدت نبرة روبيو أكثر مرونة من ترامب، ونائب الرئيس جيه دي فانس؛ لكن رسالة الاستبعاد العرقي بقيت دون تغيير.
وبعد أن عشت وعملت على تغطية ما بعد أحداث 11 سبتمبر، أدرك تماما خطورة تلك الرسائل العنصرية، مثلما أدرك خطورة الترويج لفكرة الإسلاموفوبيا؛ وكلها تلميحات تضمنها خطاب روبيو المتأثر بالتفوق الأبيض.
نيويوركر: روبيو خان كل مبدأ تبناه أملا في انتزاع السلطة.
بصفته وزيرا للخارجية، يمتدح خصم الأمس ترامب بعبارات ثناء علنية مفرطة، في موقف لا يختلف كثيرا عن طبيعة شخصيته التي عبرت عنها مجلة" نيويوركر" الأمريكية قائلة" الثابت الوحيد في مسيرة ماركو روبيو هو أنه خان كل مبدأ تبناه يوما ما من أجل انتزاع السلطة لنفسه".
يظهر روبيو غريزة لاقتناص الفرص بطرق أغضبت زملاءه، حيث يقول في مذكراته: كنت مستعجلا للوصول إلى مستقبلي؛ وارتكبت سلسلة من الأخطاء الفادحة.
ويتعمد روبيو الظهور في صورة" الوريث لنهج الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريجان، الذي دعا إلى مناهضة لا هوادة فيها للشيوعية، وتعزيز قوي للقوة العسكرية".
ترشح روبيو لانتخابات الرئاسة الأمريكية لعام 2016 في قرار وضعه في مواجهة مباشرة مع صديقه ومللاشده" جيب بوش" الذي كان آنذاك من أبرز المرشحين.
وقال أحد المقربين السابقين من روبيو: " كان جيب مقتنعا بأن روبيو سيتنحى وفاء له، لكن روبيو كان له رأي آخر.
ويقول أحد المقربين من بوش: تصدعت الصداقة بينهما، لكنهما تصالحا لاحقًا؛ روبيو هو الابن الضال، وجيب يسامحه دائما".
سخرية روبيو من صغر حجم يد ترامب.
لم يكن جيب بوش الضحية الوحيدة، حيث اشتعلت حملة ضارية بينه وبين دونالد ترامب، فقد وصف ترامب بأنه" محتال يروج لأكبر عملية خداع في تاريخ السياسة الأمريكية.
وبعد أن أطلق عليه ترامب لقب" ماركو الصغير"، رد روبيو ساخرا من سمرة ترامب الاصطناعية، ومن صغر حجم يد ترامب والتي ثارت جدلا ساخرا لسنوات، حيث تشير التقارير، بما في ذلك قياسات متحف مدام توسو، إلى أن طول يده اليمنى يبلغ حوالي 18.
4 سنتيمترا، وهو أقل من متوسط طول يد الرجل العادي.
وكعادته في اقتناص الفرص، تحول روبيو من مهاجم لترامب إلى مدافع شرس عنه، في جدلية انتهت بتنصيبه وزير للخارجية في ولاة ترامب الثانية؛ وبحمله حقيبة الخارجية الأمريكية، دفع روبيو في اتجاه المواجهة ضد فنزويلا وإيران، وفرض تعريفات جمركية متقلبة على شركاء مثل الهند والصين.
كما يدعو –على نحو متزايد- إلى موقف أكثر تشددا تجاه روسيا.
مدافع شرس عن السياسات العنصرية و" إسرائيل".
وبرز روبيو كمنفذ رئيسي لتشدد الإدارة في الهجرة، فألغى عشرات الآلاف من التأشيرات، وأبرم اتفاقات لترحيل مهاجرين إلى سجون شديدة الحراسة في السلفادور، واستخدم التأشيرات أداة ضد منتقدين أجانب، ووقف تدفق المهاجرين، وتهميش الصين، التي حققت اختراقات اقتصادية عميقة في أمريكا الجنوبية، وتحجيم أنظمة الحكم اليسارية –الرافضة للهيمنة الإسرائيلية- في كوبا ونيكاراجوا وفنزويلا، ومنع قضاة في المحكمة الجنائية الدولية من دخول البلاد بعد إدانتهم حرب الإبادة الإسرائيلية في غزة.
وبالنسبة لروبيو، الذي نشأ بين مهاجرين كوبيين في فلوريدا، كان العداء للحكومات اليسارية في أمريكا الجنوبية أشبه بإرث يولد معه الإنسان، محذرا مما وصفه في في عم 2023 بـ" الأهوال التي تجري غير بعيد عن الشواطئ الأمريكية".
ولعل كراهية روبيو الخاصة للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو النموذج الأكثر دلالة على قوته ضمن دائرة نخبة ترامب.
والأمر نفسه بالنسبة لكوبا، حيث تعمد روبيو الدفع بسياسات لترحيل المهاجرين الكوبيين –رغم أصوله الكوبية- ما دفع المهاجرين الكوبيين لنشر صوره –ومعه ثلاثة أعضاء آخرين في الكونجرس من ذوي الأصول الكوبية- مكتوب تحتها" الخونة".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك