يعد النظام التأديبي في أية مهنة هو المعيار الأساس الذي يكرس الثقة والمسآلة، وهو بمثابة انعكاس للعدالة عند بقية الناس لما يقدمه من ضمانات ووضوح في علاقة رجل القانون وباقي المرتفقين، إذ لطالما نادى الجميع بضرورة ترسيخ ثقافة الشفافية ونشر المقررات التأديبية ترسيخا لبدأ سيادة القانون، ويبقى هذا المقال مجرد رأي شخصي لا غير.
وعليه سنقسم موضوعنا لمحورين الأول: حدود الشفافية في ظل الواقع التأديبي والمحور الثاني: النشر بالحروف المختصرة كحلٍّ وسط واقعي.
المحور الأول: حدود الشفافية في ظل واقع تأديبي هش.
تشكل الشفافية أحد المرتكزات الأساسية لدولة القانون، غير أن تنزيلها في مجال التأديب المهني يظل رهيناً بمدى نضج الإطار المؤسساتي المنظم له.
ففي تجارب مقارنة عديدة، كما هو الحال في ولاية كاليفورنيا بالولايات المتحدة، يتم نشر القرارات التأديبية الصادرة في حق المحامين بشكل علني، تحقيقاً لمبدأ المساءلة وحماية للمتقاضين.
وعلى المستوى الوطني، يعتمد المجلس الأعلى للسلطة القضائية نشر المقررات التأديبية المتعلقة بالقضاة، باعتبار القضاء سلطة دستورية تخضع لرقابة المجتمع.
غير أن تعميم هذا النموذج على باقي المهن القانونية، دون مراعاة خصوصية الواقع الوطني، يثير إشكالات حقيقية.
فالنظام التأديبي القائم يعاني، في حالات متعددة، من ضعف التعليل، وغموض الآجال، وصعوبة تتبع مسار الشكايات، فضلاً عن تفاوت الممارسات بين الهيئات المهنية.
وفي ظل هذه الاختلالات، قد يتحول النشر الكامل للمعطيات الشخصية من أداة للشفافية إلى مصدر للمساس بحقوق الأفراد والإضرار غير المبرر بسمعتهم المهنية، خاصة إذا لم تكن القرارات محاطة بضمانات إجرائية كافية.
ومن ثم، فإن المطالبة بالعلنية المطلقة، في غياب إصلاح شامل للنظام التأديبي، قد تطرح أكثر مما تقدم من حلول، وتؤدي إلى نتائج عكسية لا تخدم المهنة ولا ثقة المواطن.
المحور الثاني: النشر بالحروف المختصرة كحلٍّ وسط واقعي.
بين مطلب الشفافية وضرورة حماية الحقوق الفردية، يبرز خيار النشر الجزئي للمقررات التأديبية، عبر الاكتفاء بالحروف الأولى من الأسماء، كحلٍّ وسط يجمع بين الواقعية والمسؤولية.
ويقوم هذا الخيار على نشر القرارات التأديبية النهائية مرفقة بنوع المخالفة، والأساس القانوني، والعقوبة المقررة، وتاريخ صدور القرار، دون الكشف الكامل عن هوية المعني بالأمر.
هذا النموذج من النشر لا يروم التشهير، ولا يسعى إلى إضعاف المهنة، بل يهدف إلى إظهار أن آليات المحاسبة قائمة وتُفعّل فعلاً، مع الحفاظ على الحد الأدنى من حماية السمعة المهنية في سياق تأديبي لا يزال في طور التطوير.
كما يساهم في بناء رصيد معرفي يسمح بتوحيد الاجتهاد التأديبي، ونشر ثقافة وقائية داخل الهيئات المهنية، وتعزيز الإحساس بالمساواة في المساءلة بين مختلف الفاعلين في منظومة العدالة.
وإلى جانب ذلك، فإن اعتماد هذا الأسلوب من الشفافية الجزئية يمكن أن يشكل مرحلة انتقالية نحو إصلاح أعمق، يقوم على تحسين جودة التعليل، وضبط الآجال، وتوحيد المساطر، قبل الانتقال مستقبلاً إلى مستويات أعلى من العلنية.
إن استعادة ثقة المواطن في المهن القانونية لا تتحقق بالصمت ولا بالعلنية غير المحسوبة، بل عبر اعتماد مقاربة متدرجة وعقلانية للشفافية.
فالنشر الجزئي للمقررات التأديبية، بصيغة مختصرة وبالحروف فقط، يمثل خطوة إصلاحية ممكنة في الظرف الراهن، توازن بين حماية المهنة وصيانة حقوق أعضائها، وبين حق المجتمع في الاطلاع على آليات المحاسبة.
وهي خطوة، وإن بدت محدودة، تشكل أساساً ضرورياً لبناء نظام تأديبي أكثر نضجاً وفعالية في المستقبل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك