نحصى احتياطى القمح، ونراقب مخزون السكر، ونطمئن إلى وفرة السلع قبل المواسم، خصوصًا مع اقتراب شهر رمضان حيث ترتفع معدلات الاستهلاك وتتضاعف المخاوف.
نتابع التصريحات الرسمية عن كفاية المخزون الإستراتيجي، فنرتاح قليلاً… أو هكذا يُفترض.
لكن الحقيقة أن القلق لم يعد مرتبطًا بندرة السلع، بل بندرة أشياء أخرى لا تُخزَّن فى صوامع، ولا تُقاس بالأطنان، ولا تُستورد بالسفن.
هناك مخزون أخطر من أن ينفد، وأشد أثرًا إذا تآكل: مخزون الرضا، ومخزون الامتنان، ومخزون الطمأنينة.
هذا المخزون تحديدًا تتربص به ما يمكن أن نسميه «طيور الظلام».
لا تُرى بالعين، لكنها حاضرة فى تفاصيل يومنا.
تأكل من رصيدنا النفسى كلما استسلمنا للمقارنات، وكلما صدّقنا الشائعات، وكلما جعلنا منصات التواصل معيارًا لقيمة حياتنا.
تلتهم الرضا حين نقيس سعادتنا بعدد الإعجابات، أو حين نُقارن بيوتنا ببيوت غيرنا، وأرزاقنا بأرزاق الآخرين.
فى كل عام نستقبل رمضان بالزينة والفوانيس والعروض التجارية.
تمتلئ الشاشات بإعلانات الطعام، وتزدحم الأسواق، وتُملأ البيوت بما لذ وطاب.
ومع ذلك، يتسلل سؤال صامت: لماذا لا نشعر بنفس البهجة القديمة؟ لماذا تضاء البيوت وتخفت القلوب؟ لماذا تكثر الموائد ويقل الشكر؟كنا صغارًا نفرح بقدوم رمضان قبل أن نفهم فقهه.
كان يكفينا صوت المدفع، وفانوس بسيط، وطبق قطايف، وسهرة عائلية حول مائدة متواضعة.
لم تكن الخيارات كثيرة، لكن المشاعر كانت عميقة.
لم تكن الأطباق متنوعة، لكن الضحكات كانت صادقة.
لم تكن الصور تُنشر على الملأ، لكنها كانت تُحفر فى الذاكرة.
زاد الاستهلاك، واتسعت الخيارات، وتضاعفت المغريات، لكن الشغف تقلّص.
أصبح رمضان موسمًا للتنافس فى المظاهر بدل أن يكون موسمًا للتنافس فى القيم.
كثرت الموائد وقلّت الصدقات الخفية، ارتفعت الأصوات وهدأت الأرواح.
صرنا نهتم بتصوير اللحظة أكثر من عيشها، وبعرض النعمة أكثر من شكرها.
ليس فى نقص الطعام، بل فى نقص الرضا.
ليس فى غلاء الأسعار، بل فى غلاء الطمأنينة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك