في عيد ميلاده الـ66، تعرض أندرو ماونتباتن - ويندسور لإذلال كامل عندما توقفت سيارات الشرطة أمام منزله المنعزل في نورفولك.
لم يكن هذا الموكب الأمني من النوع الذي اعتاد عليه منذ طفولته، بل كان لضباط شرطة قدموا لإبلاغه بمذكرة توقيف وتفتيش ممتلكاته.
أما رد الفعل الحازم والسريع الصادر عن شقيقه، الملك تشارلز، فكان أن العدالة يجب أن تأخذ مجراها، وأن توفر كل المساعدات اللازمة للسماح بإجراء" مسار كامل وعادل وسليم" للتدابير القانونية.
هذا بحد ذاته أمر لافت.
فمن ناحية النبرة والجدية، اصطف القصر سريعاً مع تأكيد كير ستارمر أن" لا أحد فوق القانون"، وأن البروتوكول القانوني" يجب أن يطبق في هذه القضية بالطريقة نفسها التي يطبق بها في أية قضية أخرى".
والمقصود من ذلك أنه لا يجوز أن يعامل الأمير السابق بمعايير تختلف عن أي مواطن آخر، سواء من قبل البرلمان أو القصر.
غالباً ما تجد العائلة المالكة نفسها تحت ضغط شديد.
فقد أدى الصدام بين متطلبات الدور العام وثقافتها الداخلية التي تميل إلى الخصوصية الصارمة إلى أزمات داخلية، كان أبرزها التوترات التي أعقبت وفاة ديانا، غير أنها، في الوقت نفسه، مؤسسة صممت تاريخياً لتجاوز الصدمات والاستمرار، ويُنظر داخلها إلى من يرتدي التاج على أنه المحور الأساس الذي يجب الدفاع عنه.
وأسهم ذلك بدوره في تسريع احتراف أجهزة الاتصال والإرشاد الإعلامي في الدوائر الإدارية والإعلامية المحيطة بكل من تشارلز وويليام.
لكن تكشّف تفاصيل قصة الأمير الطائش الذي أعيد تقديمه اليوم بوصفه منبوذاً داخل المؤسسة الملكية والذي من المحتمل أن يواجه اتهامات تتعلق بإساءة جسيمة لاستخدام المنصب العام عبر شبكاته المالية مع المتحرش بالأطفال الراحل جيفري إبستين، يخلق بالفعل صعوبات جديدة - لا تزال غير قابلة للتنبؤ - في العلاقة المتوترة أصلاً بين القصر والجمهور.
وتكمن المشكلة في أن الاعتقال سيقود، على نحو لا مفر منه، إلى مستوى أعمق من التحقيق في الاتهامات المشينة التي تفيد بأن الأمير أندرو، في ذلك الوقت، كان يعتمد على جيفري إبستين في إطار تبادل للمصالح - بدءاً من مشاركة معلومات حساسة تؤثر في الأسواق حول المصارف والشركات البريطانية، وصولاً إلى قيام إبستين بتوفير شركاء جنسيين له بعد طلاقه من سارة فيرغسون عام 1996.
ومن الناحية الواقعية، تظل أكثر الاتهامات إضراراً تلك التي قدمتها الراحلة فيرجينيا جيوفري - إحدى النساء اللواتي، وهن في سن المراهقة، جرت تهيئتهن لأغراض جنسية والاتجار بهن من قبل إبستين وغيلاين ماكسويل التي أنهت حياتها في أبريل (نيسان) عام 2025 بعد انهيار تدريجي في صحتها النفسية.
وأصدر ماونتباتن-ويندسور مراراً نفيه للاتهامات التي تفيد بأنه أقام علاقات جنسية مع جيوفري.
وتوصل إلى تسوية معها خارج المحكمة في دعوى مدنية، قيل إنها كلفته عدداً من الملايين، لكنه لم يعترف بالمسؤولية القانونية، إذ قال إن هذه التسوية فرضت عليه من قبل الملكة الراحلة ومستشاريها الرئيسين في محاولة مرتبكة لإنهاء القضية خلال الأعوام الأخيرة من حياة والدته.
وأفادت تقارير بأن المبلغ الذي وصل إلى نحو 12 مليون جنيه استرليني، قدم له على هيئة" قرض" عندما كان لا يزال أميراً.
ولا تزال بعض الأسئلة المحرجة للغاية مطروحة أمام أفراد العائلة المالكة اليوم، حتى في وقت أصدروا بيانات لإحياء ذكرى ضحايا إبستين.
ويرجح أن تبدأ قريباً مرحلة" استخلاص الدروس".
فقد بدأت العائلة تتحدث أكثر - وإن جاء ذلك متأخراً — عن تأثير كل هذه الأحداث في الضحايا الحقيقيين: عدد لا يحصى من الفتيات والنساء اللواتي تعرضن للإساءة والاستغلال.
وعملت الملكة كاميلا لفترة طويلة على مكافحة العنف ضد النساء والفتيات، وتحدثت بصراحة عن تجربتها الشخصية وتجارب صديقاتها مع الإساءة، في محاولة لرفع الوعي بقضية مظلمة وغالباً ما تبقى خفية.
ويُعد الاحتراف المتزايد في إدارة اتصالات العائلة المالكة سبباً آخر وراء التغيّر الحاد في المعلومات التي جرى تعميمها على المصادر الموثوقة، وفي نبرة هذه البيانات، فور اتضاح حجم الكشوفات التي تضمنتها ملفات إبستين.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field).
وتغير المزاج العام من تصوير ماونتباتن - ويندسور ببساطة على أنه" أخ صعب المراس"، ضعيف الصحة ويحتاج إلى الحماية في إطار ميثاق الولاء داخل العائلة، إلى موقف مختلف تماماً.
فعندما بات كبار موظفي البلاط يسمحون بتسريب أن الملك - والأمير ويليام - حاولا من دون جدوى نصح الأمير السابق باتباع مسارات أكثر حكمة، بدءاً من مقابلة إيميلي مايتليس الكارثية وما تلاها، أصبحت الرسالة واضحة.
ويتجلى ذلك بأوضح صورة عندما أُرسل إلى نورفولك، لتجنب ربط ويندسور بأي مشهد اعتقال.
وأرجح أن ماونتباتن-ويندسور أصبح الآن الشخصية التي يعتقد القصر بأنها ستقع عليها أية محاسبة علنية، وما يعقبها من عار.
فعلى امتداد قرون من التاريخ الملكي، كثيراً ما تسببت صورة" العم الشرير" في إحراج علني، لكنها لم تلحق قط ضرراً قاتلاً بالعلامة الملكية المركزية.
وكثير من العائلات العادية تعرف معنى أن يكون لديها قريب أحمق أو متهور أو منفّر تماماً - وتعرف أيضاً معضلة تحديد اللحظة المناسبة لقطع العلاقة معه.
وفضلاً عن ذلك، ومن خلال تقديم ضمانة - بسرعة غير معتادة وفق معايير القصر - بأن الملك مصمم على أن تؤدي الملكية دورها الدستوري باعتبارها" منبع العدالة" الذي يستند إليه القانون والإجراءات الواجبة، على رغم حزنه الشخصي إزاء ما جرى، فقد أوضح أيضاً أن أفعال شقيقه أصبحت الآن شأناً يخص الشرطة والمحاكم، ولا تترتب عليها أية حماية خاصة بحكم المولد.
ومهما بلغت فظاعة التفاصيل التي قد تخرج من صندوق باندورا للأفعال المشينة، فإن تصنيف الأمير السابق في خانة المنبوذ سيحمي الملك - وورثته - من التداعيات، ويتيح استمرار عملية الخلافة وإعادة ابتكار صورة التاج.
في الأقل، هذا هو التقدير الذي يعتمدون عليه.
ووفقاً لهذه النظرية، جرى التخطيط لإدارة الأضرار بدقة متناهية.
إلا أن الواقع كثيراً ما يوجه صدمات عنيفة ومفاجئة حتى لأفضل الخطط الموضوعة.
لكن الرسالة الصادرة عن الشخص الملكي الوحيد الذي يهم حقاً في أوقات الأزمات - الملك - هي أن شقيقه يستحق أن يواجه العدالة.
وعلى هذا، في الأقل، سيتفق معه قطاع واسع من أبناء البلاد.
آن ماكلفوي هي مقدمة بودكاست" السياسة مع سام وآن" على موقع" بوليتيكو".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك