حين تُغلق في وجه الحقِّ الأبواب، وتعلو في سماء الأمة سحبُ الفتنة، وتتحول المنابر إلى أبواقٍ بلا إصلاح، لا يبقى للروح إلا أن تبحث عن منفذٍ إلى السماء.
هناك، في عمق الليل، حيث لا رقيب إلا الله، وُلدت ثورةٌ من نوعٍ آخر.
ثورةُ الدعاء.
في أعقاب مأساة كربلاء، وقد تكسَّرت قلوب المؤمنين وكاد الإحباط أن يتسلل إلى نفوسهم، وقف الإمام علي بن الحسين زين العابدين أمام واقعٍ مثخنٍ بالجراح.
أمةٌ أنهكها الخوف، وسلطةٌ تُحكم قبضتها باسم الدين، في ظل حكم «يزيد» ومن تلاه من خلفاء بني أمية.
لم يكن المجال متاحاً لخطابٍ سياسي صريح، ولا لمواجهة عنف جديدة، فاختار الإمام طريقاً أعمق أثراً، وأبقى على الزمن: طريق تربية القلوب.
ليست الصحيفة السجادية مجرد مجموعة أدعية تُتلى في أوقات الحاجة، بل هي مدرسةٌ روحيةٌ متكاملة، وسفرٌ من أسفار تهذيب النفس، حتى سُمِّيت «زَبُورُ آلِ مُحمَّد» لما فيها من مناجاةٍ عارفة، وصدقِ لجوءٍ إلى الله تعالى.
في صفحاتها نجد توبةً تذيب قسوة القلب، وخوفاً يُطهِّر السريرة من العُجب، ورجاءً يفتح أبواب الأمل، وطلباً لمكارم الأخلاق يصوغ إنساناً ربانياً، وابتهالاً لأهل الثغور يربط القوة بالعدل، وتذكيراً دائماً بأن العبودية لله هي ذروة الحرية.
إنها ليست كلماتٍ تُحفظ، بل معارجُ تُرتقى.
قد يظن بعضهم أن الدعاء انسحابٌ من الواقع، غير أن العارفين يعلمون أنه أشدُّ وقعاً من الصيحات العابرة.
في زمنٍ كان فيه التصريح بالحق يُكلِّف الأرواح، جعل الإمام السجّاد الدعاء خطاباً مشفَّراً للضمائر، يربّي الأمة على معاني العدل، ويُبقى جذوة الرَّفض للظُلم حيّةً في القلوب.
الصحيفة السجادية.
حاجة كل زمان.
لسنا اليوم في زمن سيوف، لكننا في زمن ضوضاء.
ضوضاء تُشتّت القلب، وتُميت الحياء، وتُطبّع مع الانحراف شيئاً فشيئاً.
وفي خضم هذا التيه، تعود الصحيفة السجادية لتهمس في أذن الروح:
إنها تذكيرٌ دائم بأن الإصلاح لا يبدأ من الخارج وحده، بل من سجدةٍ خاشعة، ومن دمعةٍ صادقة، ومن دعاءٍ يُقال بصدق الافتقار.
إذا كانت كربلاء قد سجّلت بدم الشهادة درسَ الكرامة، فإن الصحيفة السجادية سجّلت بمداد الدموع درسَ البقاء.
هنا تتجلّى عبقرية الإمام علي بن الحسين:
لم يُشهر سيفاً، لكنه أشهر قلباً.
لم يرفع راية حرب، لكنه رفع راية الدعاء.
وهكذا أثبت أن أعمق الثورات هي التي تبدأ في باطن الإنسان، وأن أنين العارفين في جوف الليل قد يكون أقوى من ضجيج الجيوش في وضح النهار.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك