لم تكن زيارة رئيس جمهورية النيجر، الفريق أول عبد الرحمان تياني إلى الجزائر يومي 15 و16 فبراير 2026 مجرد محطة بروتوكولية ضمن أجندة العلاقات الثنائية، بل جاءت في سياق إقليمي معقد لتعلن بوضوح عودة قوية للعلاقات بين الجزائر والنيجر.
هذه العودة لا يمكن فهمها بمعزل عن التحولات الجارية في منطقة الساحل، إذ تتقاطع التحديات الأمنية مع الرهانات الاقتصادية، وتفرض الجغرافيا نفسها باعتبارها قدرًا مشتركًا لا يمكن تجاوزه.
الزيارة حملت في تفاصيلها رسائل متعددة المستويات، فقد رافق الرئيس النيجري وفد رفيع يضم نحو خمسة عشر وزيرا.
هذا التنوع في تركيبة الوفد لم يكن شكليًّا، بل عكس طبيعة الملفات المطروحة للنقاش، والتي تتراوح بين التنسيق الأمني العاجل والمشاريع الاقتصادية بعيدة المدى.
أحد أبرز المؤشرات على استعادة الثقة كان عودة السفير النيْجَري إلى الجزائر واستئناف مهامه رسميًّا، بالتوازي مع عودة السفير الجزائري إلى نيامي.
في العلاقات الدولية، عودة السفراء تعني عمليًّا إعادة فتح قنوات الاتصال السياسي والاقتصادي والأمني بكامل طاقتها.
وهي رسالة ضمنية بأن مرحلة الفتور السابقة قد انتهت، وأن الطرفين اختارا إدارة خلافاتهما عبر الحوار المباشر بدل تركها تؤثر على المصالح المشتركة.
ومع وجود حدود تمتد نحو 956 كيلومترٍ بين البلدين، فإن أي توتر سياسي ينعكس مباشرة على التعاون الأمني والاقتصادي، ما يجعل الاستقرار الدبلوماسي ضرورة استراتيجية وليس مجرد مجاملة سياسية.
ان الحدود المشتركة بين الجزائر والنيجر ليست مجرد خط على الخريطة، بل فضاء حيوي تتقاطع فيه اعتبارات الأمن والتنمية.
فهي تمتد عبر مناطق صحراوية مفتوحة تاريخيًّا لحركة القوافل والتجارة العابرة للصحراء، لكنها أصبحت في العقود الأخيرة مسرحًا لتحديات معقدة، من تهريب السلاح إلى تحركات الجماعات المسلحة.
وتشير تقارير دولية إلى أن منطقة الساحل تمثل اليوم أكثر من 50٪ من ضحايا الإرهاب عالميًّا، وهو رقم يعكس حجم الضغط الأمني على دول المنطقة.
في هذا السياق، يصبح التنسيق بين الجزائر والنيجر ليس فقط ضرورة ثنائية، بل ركيزة لاستقرار إقليمي أوسع.
البعد الخفي في علاقات الدم والتاريخ.
تؤكد قراءة التاريخ أن الحدود الحالية بين الجزائر والنيجر لم تُرسم فقط على الخرائط، بل هي نتاج صراع طويل، رسمت خلاله التضحيات والدماء والجهاد دفاعًا عن التراب الجزائري وحماية العمق الإفريقي للمنطقة.
المناطق الحدودية في الجنوب الجزائري، من تمنراست إلى الهقار والطاسيلي وإليزي، شملت حواضر وواحات مهمة مثل تمنراست المدينة، وجانت، وتيميمون، وإليزي، وكانت نقاط ارتكاز استراتيجية لحماية الصحراء وتأمين القوافل.
هنا، ظهرت فتوات الجزائر الصحراوية، رجال وشيوخ قبائل، قادوا مقاومات محلية ونسّقوا الدفاع مع المجتمعات المجاورة في شمال النيجر، خاصة في مدن أغاديس، وآغاديز، ونيامي، إذ شكّلوا شبكة حماية متكاملة لكل القوافل والمناطق الحيوية منذ أواخر القرن التاسع عشر وحتى بدايات القرن العشرين (1880–1920).
لقد كانت هذه الفتوات، مثل المجاهد أمينوكال موسى أق أمستان (توفي في 1918) والمجاهد أق لعكر في الجنوب الجزائري، امتدادًا طبيعيًّا للقيادات في أغاديس وآير مثل المجاهد كاوسن أق محمد والمجاهد أق أوسمان أغاديز، لتصبح المناطق الحدودية مصدر إشعاع حضاري وأمني.
وقد ساهم هؤلاء في قيادة مقاومات استمرت سنوات ضد الحملات الفرنسية، وحافظوا على سلامة القوافل التجارية التي نقلت نحو 10000 طن من الملح سنويًّا من تغازة، إضافة إلى النحاس والتوابل، ما ساعد على استمرار النشاط الاقتصادي بين شمال النيجر وواحات الجنوب الجزائري.
ولم يقتصر الدور على الجانب العسكري؛ فقد أدّى العلماء والزوايا الصوفية دورًا محوريًّا في توحيد الطوارق ثقافيًّا ودينيًّا عبر الحدود.
من أبرز هؤلاء العلامة الإمام المغيلي(1750–1830) الذي نظّم التعليم الديني وركّز على تعزيز الوحدة بين القبائل، والعلامة أخموخ (توفي في 1885) الذي دمج بين التعليم الديني والإشراف الاجتماعي، والعلامة الحاج أمود (1835- 1902) الذي ساهم في نشر التعليم الديني في الجنوب الجزائري وشمال النيجر، ما أعطى المنطقة إشعاعًا ثقافيًّا استمر أكثر من قرنين.
بهذا التلاحم بين القوة العسكرية والقيادة الروحية، أصبح الجنوب الجزائري، من تمنراست وجانت وتيميمون وإليزي، خط دفاع أول وسدًّا منيعا في وجه المستعمِر الفرنسي، مع الحفاظ على حدود تمتد نحو 956 كيلومترٍ.
لقد حافظت هذه المنطقة على وحدة المصير الصحراوي وساهمت في صون الأمن والاستقرار لشركائها في مدن النيجر مثل أغاديس وآير ونيامي، مؤكدًا أن القوة الجزائرية في الصحراء ليست مجرد سيادة على الأرض، بل إرث تاريخي من القيادة والجهاد والتضامن العابر للحدود، ما جعل الجنوب الجزائري مصدر إشعاع حضاري وعسكري واستراتيجي في الساحل الإفريقي.
قراءة في تصريحات الرئيسين وآفاق المستقبل.
في تصريحاته خلال الزيارة، شدد الرئيس عبد المجيد تبون على أن “أمن الجزائر والنيجر كلٌّ لا يتجزأ”، مؤكدًا أن الجزائر لن تسمح بأي تهديد يمس استقرار جيرانها، وأن الحلول في الساحل يجب أن تكون إفريقية خالصة.
كما أبرز أهمية الربط الطاقوي والبنية التحتية العابرة للحدود باعتبارها أدوات استقرار طويلة المدى، وليس مجرد مشاريع اقتصادية.
ان قراءة هذه التصريحات توحي بأن الجزائر تنظر إلى علاقتها مع النيجر ضمن رؤية استراتيجية أوسع، تتجاوز الثنائية نحو إعادة بناء توازن إقليمي في الساحل؛ فالتأكيد على السيادة والحلول الإفريقية يعكس رغبة في صياغة نموذج شراكة مستقل، بعيدًا عن منطق المحاور الخارجية.
ان تصريح الرئيس يأتي منسجما مع تاريخ الجزائر الدبلوماسي وهي التي ساهمت في تكوين نخب افريقية عسكرية كما قدمت مئات المنح للطلبة الأفارقة لغرض استكمال تكوينهم العلمي والجامعي بالجزائر كما شكلت الجزائر على الدوام نموذجا لتصدير السلم والاستقرار.
يمكن تفسير ما يُوصف بـ«الموقف المشرِّف للجزائر» في سياق الاضطرابات الإقليمية من خلال جملة من الثوابت العملية التي طبعت سياستها تجاه جوارها في منطقة الساحل، وعلى رأسه النيجر، فبحكم حدود تمتد نحو 956 كيلومتر مع النيجر، حرصت الجزائر على أن تبقى هذه الحدود مجالًا للسيادة المنضبطة لا منفذًا للفوضى.
وقد عززت منظومتها الأمنية عبر مراقبة مكثفة ودوريات دائمة ونقاط ارتكاز متقدمة، ما جعلها من أكثر الدول قدرة على الحد من تسلل الجماعات المسلحة وتهريب السلاح.
وخلال السنوات الأخيرة، ورغم تصاعد العنف في الساحل، لم تُسجَّل حالاتٌ معروفة لاستخدام الأراضي الجزائرية قاعدةً لاعتداءات ضد دولة إفريقية شقيقة، وهو مؤشرٌ على صرامة هذا الالتزام.
تتبنى الجزائر مقاربة شاملة تربط بين الأمن والتنمية، انطلاقًا من إدراكها أن جذور الاضطراب لا تقتصر على السلاح، بل تمتد إلى الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية.
لذلك دعمت مشاريع التعاون في مجالات الطاقة والربط الكهربائي والتكوين المهني، ووسَّعت برامج تدريب الإطارات، بما يساهم في توفير فرص بديلة للشباب وتقليص قابلية الاستقطاب من قبل الجماعات المسلحة.
وبهذا المعنى، فإن «الموقف المشرِّف» لا يقتصر على حماية الحدود، بل يتجسد في رؤية متوازنة تسعى إلى تثبيت الاستقرار عبر مزيج من الحزم الأمني والانخراط الدبلوماسي والاستثمار التنموي.
من جهته، أكد الرئيس النيجري عبد الرحمان تياني أن الجزائر تمثل شريكًا موثوقًا، وأن العلاقات بين البلدين تستند إلى تاريخ طويل من التضامن.
وأشاد بدور الجزائر في دعم استقرار المنطقة، معتبرًا أن التعاون الاقتصادي، وخاصة في مجال الطاقة، يمثل رافعة تنموية أساسية لبلاده.
تصريحات تياني حملت رسالتين واضحتين: الأولى داخلية، تؤكد للرأي العام النيجَري أن الشراكة مع الجزائر خيارٌ استراتيجي يخدم التنمية الوطنية؛ والثانية إقليمية، مفادها أن دول الساحل قادرة على بناء تحالفات متوازنة قائمة على المصالح المشتركة.
الرهانات الجيوسياسية وحروب الطاقة.
المستقبل بين الجزائر والنيجر تحكمه مقاربة براغماتية قوامها التكامل المفضي الى استقرار الإقليم من خلال المؤشرات التالية:
تعزز الجزائر والنيجر أمن حدودهما المشتركة الممتدة على نحو 956 كلم، إذ تُنسق مراقبة المناطق الحساسة لمواجهة التهريب والجماعات المسلحة، وقد ساهم هذا التعاون في إحباط أكثر من 120 محاولة تسلل خلال العامين الأخيرين.
التنسيق الاستخباراتي يغطي 8 مناطق رئيسية على طول الحدود، مع تبادل المعلومات الحيوية حول الجماعات المسلحة في الساحل ومالي وليبيا، مما يعكس الدور المحوري للجزائر كضامن للاستقرار الإقليمي.
التعاون في محاربة الإرهاب يمثل حجر الزاوية في الشراكة بين الجزائر والنيجر، لاسيما في ظل الوضع المتفاقم في منطقة الساحل، إذ تجاوزت نسبة الأنشطة الإرهابية في السنوات الأخيرة 51٪ من إجمالي الحوادث العالمية المرتبطة بالإرهاب.
وقد أدى التنسيق الأمني المشترك إلى تعزيز قدرات مراقبة الحدود، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، وتنظيم عمليات مشتركة للقوات المسلحة، ما ساهم في حماية المدنيين والمجتمعات الحدودية وتأمين القوافل التجارية والتجهيزات الحيوية.
ويشمل هذا التعاون إنشاء مراكز تدريب مشتركة، وتدريب أكثر من 1500 عسكري سنويًّا، إضافة إلى تنسيق الاستجابة للطوارئ ومكافحة شبكات التمويل الإرهابي، لتصبح الحدود الجزائرية– النيجرية نموذجًا حقيقيًّا للشراكة الأمنية في قلب الساحل الإفريقي.
في ملف الطاقة، يمثل خط أنابيب الغاز العابر للصحراء العمود الفقري للعلاقة الاستراتيجية بين البلدين، إذ يمتد لمسافة 4128 كلم (2310 كلم في الجزائر، 897 كلم في النيجر، و921 كلم في نيجيريا)، بطاقةٍ سنوية تصل إلى 30 مليار متر مكعب، وتكلفة إجمالية 13 مليار دولار.
ويأتي هذا المشروع ضمن جهود مشتركة لتنويع مصادر الطاقة، إذ تغطي مشاريع الكهرباء والطاقة المتجددة بين الجزائر والنيجر نحو 500 ميغاواط سنويًّا، مع خطة زيادة الإنتاج بنسبة 40٪ خلال خمس سنوات.
توسعت العلاقات الاقتصادية بين البلدين بشكل ملحوظ، فقد بلغ حجم التجارة 1.
2 مليار دولار في 2024، مع توقع زيادة 25٪ سنويًّا مع إطلاق مشاريع الطاقة والمناجم.
وتستمر القوافل التقليدية التي تنقل نحو 10000 طن من الملح سنويًّا من تغازة إلى الجنوب الجزائري، إلى جانب النحاس والتوابل، لتشكل رابطًا اقتصاديًّا ممتدًّا بين المجتمعات الحدودية.
كما تشمل الشراكة مشاريع الزراعة والصناعة والسياحة الصحراوية، إذ يستقبل الجنوب الجزائري وأغاديس نحو 50000 زائر سنويًّا، مع توقع نمو السياحة بنسبة 15٪ خلال خمس سنوات.
تتوسع قدراتُ التكوين العسكري والأمني، من خلال إقامة خمسة مراكز تدريب مشتركة على طول الحدود، وتدريب أكثر من 1500 عسكري سنويًّا، بهدف مواجهة التهديدات العابرة للحدود، إلى جانب مشاريع حماية الاستثمارات الأجنبية التي تتجاوز قيمتها 3 مليارات دولار، خاصة في مجالات الطاقة والمناجم.
في المحصلة، ما يجري اليوم بين الجزائر والنيجر يتجاوز إعادة الدفء إلى العلاقات الدبلوماسية.
إنه مسارٌ لإعادة تعريف دور الحدود من خطوط تماسّ هشّة إلى جسور للتكامل الاقتصادي والأمني.
زيارة الرئيس عبد الرحمان تياني، وعودة السفير النيْجَري إلى الجزائر، والتقدم في المشاريع المشتركة، كلها مؤشرات على أن مرحلة جديدة تتشكل في قلب الساحل الإفريقي.
مرحلة تقوم على إدراك مشترك بأن الاستقرار لا يُفرض بالقوة وحدها، بل يُبنى عبر الثقة، والمصالح المتبادلة، والرؤية طويلة المدى.
كما أن الخاصرة الجنوبية للجزائر والمتفصّلة مع الساحل تمثل العمق الاستراتيجي والأمني والاقتصادي للبلاد.
وهو ما يتطلب التنسيق العسكري مع النيجر ودول الساحل، والحفاظ على الروابط القبلية والثقافية، وتأمين مشاريع الطاقة والتجارة، وهو ما يمكِّن الجزائر من جعل جنوبها خط دفاع منيعًا أمام أي تدخل خارجي، مع تعزيز الاستقرار الإقليمي وفرض دورها كقوة ضامنة للساحل الإفريقي.
* الحدود المشتركة بين الجزائر والنيجر (956كلم) ليست مجرد خط على الخريطة، بل فضاء حيوي تتقاطع فيه اعتبارات الأمن والتنمية.
فهي تمتد عبر مناطق صحراوية مفتوحة تاريخيًّا لحركة القوافل والتجارة العابرة للصحراء، لكنها أصبحت في العقود الأخيرة مسرحًا لتحديات معقدة، من تهريب السلاح إلى تحركات الجماعات المسلحة.
وتشير تقارير دولية إلى أن منطقة الساحل تمثل اليوم أكثر من 50٪ من ضحايا الإرهاب عالميًّا، وهو رقم يعكس حجم الضغط الأمني على دول المنطقة.
* تعزز الجزائر والنيجر أمن حدودهما المشتركة الممتدة على نحو 956 كلم، إذ تُنسق مراقبة المناطق الحساسة لمواجهة التهريب والجماعات المسلحة، وقد ساهم هذا التعاون في إحباط أكثر من 120 محاولة تسلل خلال العامين الأخيرين.
التنسيق الاستخباراتي يغطي 8 مناطق رئيسية على طول الحدود، مع تبادل المعلومات الحيوية حول الجماعات المسلحة في الساحل ومالي وليبيا، مما يعكس الدور المحوري للجزائر كضامن للاستقرار الإقليمي.
* يمثل خط أنابيب الغاز العابر للصحراء العمود الفقري للعلاقة الإستراتيجية بين البلدين، إذ يمتد لمسافة 4128 كلم (2310 كلم في الجزائر، 897 كلم في النيجر، و921 كلم في نيجيريا)، بطاقةٍ سنوية تصل إلى 30 مليار متر مكعب، وتكلفة إجمالية 13 مليار دولار.
ويأتي هذا المشروع ضمن جهود مشتركة لتنويع مصادر الطاقة، إذ تغطي مشاريع الكهرباء والطاقة المتجددة بين الجزائر والنيجر نحو 500 ميغاواط سنويًّا، مع خطة زيادة الإنتاج بنسبة 40٪ خلال خمس سنوات.
*توسعت العلاقات الاقتصادية بين البلدين بشكل ملحوظ، فقد بلغ حجم التجارة 1.
2 مليار دولار في 2024، مع توقع زيادة 25٪ سنويًّا مع إطلاق مشاريع الطاقة والمناجم.
وتستمر القوافل التقليدية التي تنقل نحو 10000 طن من الملح سنويًّا من تغازة إلى الجنوب الجزائري، إلى جانب النحاس والتوابل، لتشكل رابطًا اقتصاديًّا ممتدًّا بين المجتمعات الحدودية.
كما تشمل الشراكة مشاريع الزراعة والصناعة والسياحة الصحراوية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك