من غير المرجح أن يكون خطاب حال الاتحاد الأول في ولايته الثانية، والذي سيلقيه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بعد غدٍ الثلاثاء، أمام الكونغرس، مختلفاً كثيراً عن خطابه في اجتماع مجلس السلام بواشنطن الخميس الماضي، وذلك بعد الضربة الكبيرة التي أصابته أول من أمس الجمعة، حين أبطلت المحكمة العليا الأميركية رسومه الجمركية الشاملة التي تشكل حجر زاوية لأجندته الاقتصادية والتجارية.
الكثير من" الترهات"، والقليل من الكلام الحقيقي، رافق ذلك الخطاب الذي اعتد فيه ترامب بـ" إنجازاته" الخارجية الوهمية، في وقت يواصل فيه التخبط داخلياً، فيما أثبت قرار المحكمة العليا الأميركية التي يهمين عليها المحافظون، أن سياسات ترامب لا تمرّ دون رقابة وفلترة، حيث يتوقع أيضاً أن يكون قرارها في وقت لاحق من العام الحالي، بشأن إنهاء حقّ الجنسية بالولادة، يحمل ذات الوقع المدوي.
من المرجّح أن يحسم الاقتصاد نتيجة الانتخابات النصفية.
وبعد أكثر من عام في البيت الأبيض مجدداً، مارس فيها ترامب حكماً مطلقاً متفلتاً من أي قيود، باستغلاله" من دون خجل" المراسيم التنفيذية بحسب تعبير مجلة فورين أفيرز في تقرير بعنوان" ضعف الرجال الأقوياء" صدر في عددها لشهر فبراير/شباط الحالي، يواجه الرئيس الأميركي نكسةً كبيرة من المحكمة العليا بشأن سياسته الجمركية، معطوفةً على جدل محتدم حول حملته الصارمة على المهاجرين، تبدت أخيراً تداعياتها الخطرة في مينيسوتا، ومخاوف اقتصادية متصاعدة، إذ إن أياً من سياسات ترامب الجمركية والتجارية، لم تتمكن حتى الآن من خفض الأسعار، مع استمرار الغلاء، وهو ما لا يتوقع أن يكون لقرار المحكمة وقع سريع لتخفيضه.
ومن غير المرجّح أن يراجع ترامب نفسه قبل خطاب حال الاتحاد الثلاثاء، إذ في اليوم ذاته الذي أصدرت فيه المحكمة العليا الأميركية قرارها، واصل ترامب فرض الرسوم الجمركية، تحت مسمّى قوانين مختلفة في الدستور، يُسقط عليها إجراءاته لتبريرها، وهو ما حاولت المحكمة تكذيب قانونيته.
المحكمة العليا الأميركية تبطل رسوم ترامب.
وسدّدت المحكمة العليا الأميركية الضربة لبرنامج ترامب الاقتصادي بإبطال رسومه الجمركية الشاملة بقرار صدر عن ستة من أعضائها من أصل تسعة، علماً أن ستة من أعضاء المحكمة محافظون، وكان ترامب عيّن منهم ثلاثة خلال ولايته الأولى (2017 – 2021).
واعتبرت المحكمة هذه الرسوم تجاوزاً فجّاً لصلاحيات السلطة التنفيذية، وأن قانون الصلاحيات الاقتصادية الطارئة الدولية لعام 1977، الذي تذرّع به ترامب، لا يحتوي على أي إشارة صريحة تمنحه سلطة فرض الضرائب أو الرسوم، كما أكد القضاة أن" الرسوم الجمركية هي شأن أصيل للكونغرس".
وأعاد القضاة بذلك مبدأ استقلالية المحكمة وفصل السلطات، وأن الرقابة على سلوك الرئيس ليست غائبة.
وردّ ترامب على القرار، بإصداره أول من أمس أمراً تنفيذياً جديداً بفرض رسوم بنسبة 10%، مستنداً إلى قانون آخر في الكونغرس، لكنه يمنحه الحق بفرض هذه الرسوم مؤقتاً لمدة 150 يوماً.
ورغم أن قرار المحكمة بحسب متابعين، لن يتمكن نهائياً من لجم نزعة الرئيس لفرض الرسوم الجمركية، على اعتبارها الركن الأساسي من سياسته الخارجية، إلا أن ترامب مع هذا القرار، بدا مكشوفاً في الداخل، وأمام خصومه الدوليين التجاريين، ما من شأنه أن يزيد متاعبه، لا سيما مع افتقار أي من" إنجازاته الخارجية" أيضاً لأرضية صلبة، في إشارة إلى صفقات السلام التي يدّعي إنجازها، أو يعمل عليها، بينما يتحضر لاحتمال فتح حرب في الشرق الأوسط (مع إيران) قد تكون الأكبر في المنطقة منذ أكثر من عقدين.
المحكمة العليا ستحسم قريباً مسألة حق الجنسية بالولادة.
وعلى الصعيد الداخلي، تشير جميع استطلاعات الرأي إلى استياء متزايد بين الأميركيين من كلفة المعيشة، ورفض متصاعد لأساليب ترامب العنيفة على صعيد الهجرة، ولممارساته العنصرية بعد نشر فيديو يظهر سلفه باراك أوباما وزوجته ميشيل على شكل قردين، فضلاً عن قضية ملف جيفري إبستين، التي لا تزال مخيمة على المشهد السياسي، بعد كشف وزارة العدل الأميركية المزيد من الوثائق من أرشيفها.
وقال أستاذ العلوم السياسية في جامعة جورج واشنطن، تود بيلت، لوكالة فرانس برس، أمس، إن" الناس يشعرون باستياء شديد حين يُقال لهم شيء يعلمون أنه غير صحيح"، في إشارة إلى ادعاء ترامب بتصحيح الوضع المعيشي، وهو برأيه" ما ينطبق على غلاء المعيشة، وحملات ترحيل المهاجرين التي تخطى نطاقها ما أكدته الإدارة بالأساس بأنها ستستهدف المجرمين الخطرين".
واعتبر بيلت أن الاقتصاد هو الذي سيحسم نتيجة الانتخابات النصفية في الخريف المقبل، مذكراً بأن الديمقراطيين قد يباشرون آلية لعزل ترامب إن خسر السيطرة على الكونغرس، وهو ما حذّر ترامب نفسه الجمهوريين من مغبة حدوثه إذا ما خسروا الأكثرية.
أما القضاء الأميركي، فباشر للتو النظر في الطعون المقدمة ضد العديد من القرارات الرئاسية، ما ينذر باحتمال تلقي ترامب المزيد من النكسات على صعيد الاقتصاد والهجرة وحملته الواسعة للانتقام من خصومه والترهيب السياسي.
ومن بين ذلك، تعليق قاض مؤقتاً العقوبات التي أقرتها وزارة الحرب (بنتاغون) بحق السيناتور الديمقراطي والعسكري السابق مارك كيلي الذي أثار غضب ترامب بحضّه عناصر الجيش والاستخبارات على" رفض الأوامر غير القانونية".
وكانت المحكمة العليا قد ساندت ترامب في قضايا عدة، من بينها منحه الحصانة من الملاحقة القضائية، لا سيما في قضايا متعلّقة بالانقلاب على الدستور ومحاولة الانقلاب على نتائج الانتخابات الرئاسية عام 2020 التي فاز فيها جو بايدن.
لكن قرارها الجمعة، الذي كتب نصّه كبير قضاتها جون روبرتس، أراد أن يضع حدّاً لترويج ترامب أن تعرفاته الجمركية تأتي خدمة للأمن الاقتصادي الأميركي، وبحسب تقرير لوكالة رويترز، أمس، فإن الحكم ضربة" لرؤية ترامب التوسعية بشأن سلطة الطوارئ"، كما أنه" ضخّ المزيد من عدم اليقين في مشهد سياسي تحكمه حالياً الأسواق المتقلبة، والحلفاء الخارجيون (للولايات المتحدة) غير المرتاحين، وانتخابات نصفية قد تقصّ أجنحة ترامب وفريقه في واشنطن".
وقالت سايكريشنا براكاش، وهي باحثة بالدستور في كلّية الحقوق في جامعة فيرجينيا، للوكالة، إن" الرئاسة الأميركية هي من دون شكّ أضعف"، بعد قرار المحكمة، مضيفة أن" ترامب أصبح أضعف".
ووصفت ليزا موركوفسكي، عضو مجلس الشيوخ الجمهورية والمعارضة لترامب، على" إكس"، حكم المحكمة العليا بأنه" توبيخ واضح وتذكير قوي بأن السلطة الرئاسية ليست مطلقة".
(العربي الجديد، فرانس برس، رويترز، أسوشييتد برس).

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك