الرهان على تفكيك الشراكة الصينية الروسية لم ينجح حتى الآن، لا في الميدان الأوكراني، ولا حتى في الدبلوماسية.
وطوال عامي 2024 و2025، تكرر الضغط الأمريكي الأوروبي على بكين، كي تستخدم نفوذها على موسكو من أجل حضها على وقف الحرب، لكن المحصلة العملية كانت معاكسة، وتؤدي دوما إلى تثبيت نمط مختلف.
الصين لم تنضم إلى العقوبات الغربية ضد روسيا، واستمرت في توسيع التجارة معها، فيما واصل الطرفان تقديم علاقتهما كـ" شراكة إستراتيجية شاملة"، لا كتحالف ظرفي.
وهذا بحد ذاته كان مؤشرا إلى أن الحرب في أوكرانيا لم تعد تُقرأ في بكين وموسكو كملف أمني أوروبي فحسب، بل كحلقة في صراع أوسع بحجم النظام الدولي.
الأرقام تعطي هذا المسار وزنا ماديا واضحا؛ فالتبادل التجاري الصيني الروسي سجل مستوى قياسيا في 2024 عند نحو 244.
8 مليار دولار، بعد قفزة كبيرة في 2023.
مع دخولنا عام 2026، يتبين أن الصين لا تخطط لخفض منسوب الدعم الذي تقدمه إلى موسكو، بل إن بكين- على العكس من ذلك تماما- تسعى إلى زيادة هذا الدعم.
صحيح أن وتيرة النمو تباطأت مقارنة بالطفرة السابقة، لكن الثابت الأهم هو أن البنية الاقتصادية للعلاقة صمدت تحت ضغط العقوبات الثانوية، ومشكلات المدفوعات المصرفية.
بمعنى آخر، فإن الغرب لم ينجح في قطع الشريان الاقتصادي بين البلدين، بل دفع الطرفين، على السواء، إلى تطوير أدوات تكيف جديدة.
سياسيا، اختيار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بكين كأول زيارة خارجية بعد تنصيبه لولاية جديدة في مايو/أيار 2024 لم يكن تفصيلا بروتوكوليا.
الرسالة كان مفادها واضح، ويقول صراحة إن أولوية موسكو الإستراتيجية تتجه شرقا، وإن قنوات التنسيق مع بكين تقدم كركيزة" ما بعد العقوبات".
في المقابل، استقبلت بكين الزيارة بخطاب يربط الشراكة بالاستقرار الدولي، وبمعارضة" الهيمنة الأحادية" في حينه.
هذه الإشارات المتبادلة لا تُقرأ فقط في سياق العلاقات الثنائية، بل في سياق بناء كتلة توازن طويلة الأمد أمام الضغط الأطلسي.
من زاوية أوروبية، الوقائع تؤكد أن بروكسل، التي بدأت تتلمس التأثير المباشر للحرب الأوكرانية عليها، ذهبت إلى بكين بطلبين متوازيين:
المساعدة في التأثير على روسيا من أجل وقف الحرب، الحفاظ على علاقة اقتصادية قادرة على تخفيف تباطؤ النمو الأوروبي.
في قمة" الاتحاد الأوروبي- الصين"، في يوليو/تموز 2025، كرر الأوروبيون دعوة الصين لاستخدام نفوذها على موسكو، وطلبوا وقف أي دعم يبقي القاعدة الصناعية العسكرية الروسية فاعلة.
هذا يعني أن أوروبا نفسها تقر بأن لبكين وزنا حاسما في معادلة الحرب، لكنها لم تحصل على الانعطافة السياسية التي أرادتها.
هنا بالضبط تتضح فكرة" العالم متعدد الأقطاب" كما يراها المحور الصيني الروسي؛ فليس المطلوب مواجهة مباشرة مع الغرب بقدر ما هو منع الغرب من احتكار تعريف الشرعية الدولية، وتوسيع مساحات القرار السيادي للدول الكبرى خارج المنظومة الأطلسية.
التحالف الصيني الروسي لم يعد مجرد تقاطع مصلحة ظرفي، فرضته الحرب في أوكرانيا أو العقوبات الغربية نتيجة لها، بل نحن أمام هندسة إستراتيجية أعمق.
توسع مجموعة" بريكس" في 2024، ثم انضمام إندونيسيا في 2025، أعطيا هذا المشروع صبغة سياسية اقتصادية أوسع، حتى لو بقيت داخل التكتل تباينات كبيرة في المصالح.
فمجرد التوسع في ظل حرب كبرى وعقوبات واسعة، هو بذاته دليل على أن سردية" عزل روسيا" بقيت غربية أكثر مما هي عالمية.
أما النقطة الأكثر حساسية، فهي الربط بين نتيجة الحرب في أوكرانيا وملف تايوان.
هذه النقطة ليست ادعاء نظريا محضا، إذ إن بكين تصعّد خطاب إعادة ضم الجزيرة، وقد كرر الرئيس الصيني شي جين بينغ علنا أن هذا المسار" لا يمكن وقفه"، فيما تُظهر بيانات تايوان ومراكز بحث متخصصة ارتفاعا قياسيا في وتيرة الأنشطة الجوية والعسكرية الصينية حول الجزيرة منذ بداية الأعوام الأربعة الماضية.
القراءة الإستراتيجية في هذا الملف تقول أيضا إن بكين تراقب كلفة الاستنزاف الغربي لروسيا في أوكرانيا، وحدود الإرادة الغربية في الحروب الطويلة، وتستخلص الدروس الخاصة بمسرح المحيطين الهندي والهادئ.
فأي تفوق روسي ميداني أو تفاوضي، سوف يعزز سردية أن ميزان القوة العالمي يتحرك تدريجيا بعيدا عن المركز الغربي الواحد.
مع دخولنا عام 2026، يتبين أن الصين لا تخطط لخفض منسوب الدعم الذي تقدمه إلى موسكو، بل إن بكين- على العكس من ذلك تماما- تسعى إلى زيادة هذا الدعم.
لا يوجد إعلان صيني رسمي مباشر يقول ذلك صراحة، لكن المتاح هو مؤشرات سلوك تدور حول استمرار الشراكة السياسية، ومتانة التبادل التجاري برغم القيود والعقوبات، وتكرار المواقف الصينية الرافضة لسياسة العزل.
ولكل ذلك، يمكن القول إن اتجاه الدعم الصيني مرشح للاستمرار، وربما التوسع انتقائيا.
وعليه، فإن التحالف الصيني الروسي لم يعد مجرد تقاطع مصلحة ظرفي، فرضته الحرب في أوكرانيا أو العقوبات الغربية نتيجة لها، بل نحن أمام هندسة إستراتيجية أعمق.
روسيا تحتاج عمقا اقتصاديا وتقنيا وسياسيا يخفف الضغط الغربي.
وفي المقابل، فإن الصين بحاجة إلى شريك قادر على استنزاف المنظومة الأطلسية في المسرح الأوروبي، بينما تعيد هي ترتيب ميزان الردع في قارة آسيا.
ولهذا كله، فإن الرهان الغربي على فك الارتباط بين موسكو وبكين يبدو، حتى الآن، أقل واقعية من الرهان الصيني الروسي على انتقال بطيء، ولكن متراكم، نحو مصير مشترك يطمح لبلوغ نظام دولي متعدد الأقطاب.
هذا النظام لن يكون بالضرورة أكثر هدوءا، لكنه بالتأكيد سوف يكون أكثر قابلية للضبط، وفرض الاستقرار العالمي من عاصمة واحدة أو محور واحد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك