في قراءة لصفحات التاريخ المصري القديم، تبرز نماذج لـ" السلطان الأبلة"، ذاك النمط من الحكام الذين سادوا مصر في حقبات معينة، وساموا شعبها العذاب ليس فقط ببطشهم، بل بغبائهم وضعف مداركهم العقلية.
هؤلاء الحكام وبحكم السلطة الشخصية التي كانوا يحوزونها، تحصنت أفعالهم الطائشة وقراراتهم البلهاء خلف أسوار الحكم، مما أدى إلى كوارث سياسية واقتصادية.
تعود حكاية الملك الظاهر بلباي أحد أبرز هؤلاء الحكام، كما وصفها الكاتب الصحفى الراحل صلاح عيسى في كتابه" هوامش المقريزي – حكايات من مصر"، بأن الملك الظاهر بلباي بدأ حياته مملوكا عاديا، ثم ظل يترقى في السلك المملوكي إلى أن تسلطن في عام 872 هـ - 1467 م، خلفا لسلفه السلطان خشقدم.
إلا أن فترة حكمه لم تكن تعبيرا عن قوة شخصه، بل كانت مسرحا لنفوذ الأمير خير بك، الذي كان يتولى منصب" الدوادار الكبير".
تمكن خير بك من السيطرة المطلقة على السلطان، بحيث كان الملك الظاهر بلباي لا يتصرف في أي أمر إلا بمشورته، وبإيعاز منه، فقد أقدم السلطان على اضطهاد مماليك سلفه خشقدم، فقبض عليهم ونفاهم إلى السجن في الإسكندرية، ليوصف حال السلطنة في عهده بتعبير مؤرخي العصر بأنه صار" في غاية البلية".
الإفلاس والانهيار بسبب مستشار السوء.
لم يتوقف سوء التدبير عند الأحوال السياسة، بل امتد إلى الأحوال الاقتصادية للبلاد، إذ أشار خير بك (مستشار السوء) على الملك الظاهر بلباي بالتوسع في نفقة العسكر، فأعطاهم كل ما في الخزائن.
ونتيجة لهذا التهور، اضطربت الأحوال وأفلست الخزانة، مما دفع العسكر للتسلط وطلب زيادة نفقتهم كل شهر، فتدهورت أحوال الناس وزادت الفتن.
يكشف الكاتب الصحفي صلاح عيسى في كتابه “هوامش المقريزى - حكايات من مصر” أن أمام هذا الانهيار، اجتمع الأمراء والقضاة واتخذوا قرارا بخلع بلباي ونفيه مسجونا إلى الإسكندرية، الذى لم تدم فترة سلطنته سوى 56 يوما فقط.
" السلطان قُلَّة".
قصة اللقب الساخر.
يصف المؤرخ ابن إياس الملك الظاهر بلباي بأنه كان" أرشل قليل المعرفة، وكان عمره كله في غلاسة هو ومماليكه، وشكله كتدبيره سيئ"، حيث جمع بين قبح الفعل والشكل.
وقد تندر الشعب المصري عليه بأسلوبه المعهود في مقاومة حماقة الحكام وسوء أفعالهم في العصر المملوكي.
وتركزت السخرية من غبائه وتبعيته المطلقة لدواداره خير بك، وعجزه عن اتخاذ أي قرار منفصل، حتى إنه إذا سُئل عن أمر من أمور المملكة كان يقول: " إيش كنت أنا؟ ! قل له إ! " أي قل لخير بك.
ومن هنا أطلق عليه العوام لقب" السلطان قل له"، ثم حرفها اللسان المصري الساخر متعمدا إلى" السلطان قُلَّة".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك