في السياسة، هناك فرق دقيق بين التصريح المتعقل والهلوسة اللفظية، الأول يُفترض أنه نتاج حسابات دقيقة ومصالح متوازنة وقوانين ملزمة، أما الثانية فتحتاج إلى إحالة قائلها لعيادات العلاج النفسى.
لكن السفير الأمريكى لدى تل أبيب، مايك هاكابى، قرر -بمنتهى الغباء- أن يمارس الهلوسة، ويقدم نموذجاً فريداً لدبلوماسية التأويل، التى تقوم على سفر التكوين أكثر مما تقوم على ميثاق.
هذا السفير الصهيونى المتطرف، الذى يُفترض أنه يمثل دولة عظمى ما زالت تدّعى قيادة النظام الدولى، أعلن ببساطة أن لإسرائيل «حقاً دينياً» فى السيطرة على معظم أراضى الشرق الأوسط، من النيل إلى الفرات، مع استعداد -يراه جيداً- للاستيلاء على «كل شىء».
تصريح يحتاج إلى رد سياسى بلا شك، لكنه يحتاج أيضاً إلى خريطة، وبوصلة، وربما دورة مكثفة فى التاريخ والجغرافيا والقانون الدولى، ليتيقن «هاكابى».
بأننا لم نعد نعيش فى عصر الممالك التوراتية المزعومة.
وقمة المسخرة أن هذا الكلام لم يصدر عن واعظ دينى، بل عن سفير رسمى، وفى مقابلة مع صحفى أمريكى (تاكر كارلسون) وجد نفسه فجأة ينتقل من دور المحاور إلى دور الشاهد على انهيار الخط الفاصل بين الدولة والدين، وبين السياسة والأسطورة.
سؤال كارلسون عن «إسرائيل الكبرى» بدا كأنه سؤال استنكارى، وإذا بهاكابى يتلقفه باعتباره برنامج عمل، وحوّل إيمانه الشخصى إلى خريطة ضم، وأعاد رسم الشرق الأوسط وفق تفسير حرفى لنص دينى، متجاهلاً ملايين البشر، وحدود دول، وتاريخاً حديثاً من الحروب التى اشتعلت أصلاً بسبب أوهام التفوق والحق المطلق.
وبمراجعة سيرة هاكابى هذا، سنجد أنه لم يأتِ بجديد، فالرجل بنى مسيرته السياسية والدينية على إنكار الهوية الفلسطينية أصلاً، واعتبار الضفة الغربية «يهودا والسامرة»، ونفى وجود الاحتلال الصهيونى ومسمى المستوطنات، وكأن تغيير الأسماء كفيل بتغيير الواقع.
الجديد فقط أنه انتقل من إنكار كل ما هو فلسطينى، إلى إنكار المنطقة بأكملها، وكأنها قطعة أرض شاغرة فى إعلان عقارى سماوى.
المفارقة الأهم -وربما الأكثر إحراجاً لواشنطن نفسها- أن هذه التصريحات تتناقض تماماً مع الجهود المعلنة للرئيس الأمريكى دونالد ترامب -أياً كان الموقف منها- لإنهاء الحرب فى غزة، ومع ما سُمِّى بالنقاط العشرين ذات الصلة بالسلام، بل وحتى مع المؤتمر الأول لـ«مجلس السلام» الذى عُقد فى واشنطن قبل أيام.
فكيف يمكن الحديث عن سلام، بينما سفير الدولة الراعية يتحدث عن استيلاء دينى شامل؟ ، وهل هو سلام بالقوة؟ ، أم سلام يمحو الجغرافيا ويتغول على التاريخ؟
هنا تحديداً يكتسب البيان المصرى الصادر عن وزارة الخارجية أهميته السياسية والقانونية، ليس فقط بوصفه رفضاً قاطعاً لتصريحات هاكابى، بل باعتباره إعادة تذكير ضرورية بأن العالم -رغم كل ما أصابه من تآكل- ما زال يحكمه قانون دولى، وليست نصوص دينية منتقاة، ولا رؤى أيديولوجية متطرفة.
البيان المصرى لم يجامل، ولم يلف ويدور، ووصف التصريحات بأنها «خروج سافر على مبادئ القانون الدولى وميثاق الأمم المتحدة»، وأكد بوضوح أنه لا سيادة لإسرائيل على الأراضى الفلسطينية المحتلة، أو أى أرض عربية أخرى.
الموقف المصرى هنا ليس مجرد رد فعل دبلوماسى، بل دفاع عن فكرة الدولة ذاتها، وعن مفهوم الحدود، وعن منطق النظام الدولى الذى يقوم على عدم جواز الاستيلاء على أراضى الغير بالقوة، أو بالتأويل الدينى.
هذا الموقف السريع والحاسم ينسجم مع تاريخ مصر الطويل والثابت فى الدفاع عن القضية الفلسطينية، ورفض مشاريع الضم والتوسع، مهما اختلفت الإدارات الأمريكية أو تبدلت الشعارات.
وتبقى قصة احتجاز الصحفى تاكر كارلسون فى مطار بن جوريون، ثم نفى السلطات الإسرائيلية لذلك، التى تكشف تفاصيل المشهد كله.
صحفى أمريكى يتحدث عن «فيروس عقلى» اسمه الدعم غير المشروط لإسرائيل، ثم يجد نفسه أسيراً فى غرفة استجواب.
إنها رسالة غير مكتوبة: قد نقبل بالنقد، بشرط ألا يكون جدياً، وهو ما ينسجم تماماً مع عقلية استعمارية ترى المنطقة كلها «حقاً مكتسباً»، ولا ترى فى الصحافة إلا خطراً أمنياً محتملاً.
تصريحات السفير الأمريكى لا تدينه وحده، لكنها تكشف الأزمة الأعمق فى الخطاب السياسى الأمريكى تجاه الشرق الأوسط، حيث تختلط العقيدة الدينية بالسياسة، والدعم بالتحريض، والسلام بالأوهام.
التصريحات تؤكد مجدداً بأن الصراع لم يعد فقط على الأرض، بل على المعنى، معنى الدولة، ومعنى القانون، ومعنى السلام نفسه.
أما مصر، فببيانها الواضح والحاسم، أعادت تثبيت البوصلة فى لحظة اختلال، وقالت ما يجب أن يقال: الشرق الأوسط ليس نصاً دينياً مفتوحاً على التأويل، ولا غنيمة سياسية، ولا حلماً توراتياً مؤجلاً.
إنه شعوب ودول وحدود، ومن يتجاهل ذلك، مهما علا منصبه، لا يصنع سلاماً، بل يكتب فصلاً جديداً من العبث السياسى، غالباً ما يُدفع ثمنه دماً وخراباً.
البيان المصرى ليس مجرد رد دبلوماسى، لكنه تذكير بأن الشرق الأوسط ليس خريطة صماء فى كتاب مقدس، بل أوطان وشعوب لها تاريخها وكرامتها وحقها فى تقرير مصيرها.
وربما نحتاج أيضاً إلى إرسال نسخة من كتاب «مبادئ القانون الدولى» إلى هاكابى وأمثاله، مع خريطة حديثة للشرق الأوسط، موضَّحاً عليها بالحبر الأحمر الفاقع لونه: «هذه دول ذات سيادة، وليست قطع أرض فى مزاد علنى».

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك