تخيلوا المشهد.
رجالٌ حملوا على أكتافهم حلم الدولة، ورسموا بصلابة العزم حدود الاستقرار، يعودون فجأة إلى الحاضر.
يفتحون أعينهم على مدنٍ تمتد أفقًا بعد أفق، وعلى وطنٍ يكتب فصوله الجديدة بثقة.
لحظة تأمل… ثم دهشة ممزوجة بفخرٍ عميق.
بين الأمس البسيط واليوم المتسارع.
كان الأمس أكثر هدوءًا في إيقاعه، وأقرب إلى الطبيعة في تفاصيله.
البيوت متواضعة، الموارد محدودة، والرحلة اليومية تحدٍ بحد ذاتها.
لكن في تلك البساطة سكنت قيم كبرى: الشجاعة، الوحدة، والرهان على الإنسان قبل كل شيء.
اليوم، تغيّر المشهد جذريًا.
طرق سريعة تشق الصحراء، جامعات ومراكز أبحاث تنافس عالميًا، واقتصاد يتحرك بثقة نحو التنوع والاستدامة.
التقنية لم تعد ترفًا، بل أسلوب حياة؛ وريادة الأعمال أصبحت لغة الشباب؛ والطموح تجاوز حدود الجغرافيا.
ومع ذلك، يبقى الرابط بين الزمنين واضحًا: الإرادة نفسها، والروح ذاتها التي لا تعرف المستحيل.
لو سار رجال التأسيس في شوارع المدن الحديثة، لسمعوا لغات متعددة، ورأوا استثمارات ومشاريع كبرى، ووجوهًا شابةً تؤمن بأن المستقبل يُصنع ولا يُنتظر.
سيجدون أبناءهم وبناتهم في مواقع القيادة، في المختبرات، في ساحات الرياضة، وفي منصات الإبداع.
سيشعرون أن ما بدأوه نواةً صار شجرةً وارفة، وأن الثمار تتجاوز حدود المكان.
لن يكون فخرهم محصورًا في ناطحات السحاب أو الأرقام الاقتصادية، بل في الإنسان السعودي نفسه في ثقته، في انفتاحه، وفي تمسكه بهويته رغم سرعة التغيير.
سيدركون أن الرهان الذي وضعوه على الأجيال كان في مكانه.
الثوب الأبيض، الشماغ، البشت في المناسبات الرسمية رموزٌ لم تغب رغم تغير الأزمنة.
هي ليست مجرد أزياء، بل امتداد لذاكرة وطن.
وفي المقابل، تظهر الأزياء العصرية في ساحات العمل والفعاليات العالمية، دون أن تذيب الخصوصية الثقافية.
إنها معادلة دقيقة: «حداثة تمشي جنبًا إلى جنب مع الأصالة».
في الأعياد، في المناسبات الوطنية، وفي المجالس العامرة، تعود التفاصيل الصغيرة لتؤكد أن الجذور ما زالت عميقة.
كأن المجتمع يقول: يمكننا أن نرتدي العالم، لكننا لا نخلع أنفسنا.
رائحة القهوة، صوت الترحيب، مجالس لا تغلق أبوابها، وقيم احترام الكبير وصلة الرحم كلها لم تتراجع أمام إيقاع الحياة السريع.
بل ربما ازدادت حضورًا باعتبارها صمام أمان يحفظ التوازن.
التطور لم يلغِ الموروث، بل أعاد تعريفه في سياق حديث، يحافظ على الجوهر ويطوّر الشكل.
لو عاد رجال التأسيس اليوم، لربما تساءلوا في البداية عن حجم التحول.
لكنهم سيكتشفون سريعًا أن الروح التي عرفوها ما زالت هنا.
سيعرفون أن الوطن الذي حلموا به لم يكتفِ بالبقاء، بل اختار التقدم.
وأن أبناءهم لم يحافظوا على العهد فحسب، بل وسّعوا مداه.
في السعودية، الماضي ليس صفحة أُغلقت، بل فصلٌ مستمر في كتاب يتجدد كل يوم.
الإنجازات الحالية ليست قطيعة مع الأمس، بل امتداد طبيعي له.
وهكذا، إذا عاد رجال التأسيس اليوم، فلن يشعروا بالغربة… بل سيبتسمون مطمئنين: لقد كبر الوطن، لكنه ظل وفيًا للبداية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك